السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

من جنّن الناس؟ صرخة امرأة على المنارة تكشف عري لبنان!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

تمردت على الألم والوجع والمجتمع الكاذب والسلطة العارية من إنسانيتها. لم تكن المرأة التي ظهرت اليوم على المنارة “حادثة” فقط، ولا “مشهد غرابة” يصلح للتداول والتعليقات والضحك الرخيص. كانت مرآة. مرآة بلدٍ دفع ناسه إلى حافة الانهيار، ثم حين يصرخون بأجسادهم، يتفرج عليهم كما لو أنهم هم المشكلة لا النتيجة.

ستّ بالزلط على المنارة. نعم، هي موجوعة. نعم، تحتاج إلى عناية واحتضان وعلاج ودواء. نعم، لا يجوز أن تُترك وحدها في الشارع ولا أن تُستهلك صورتها كفرجة. لكن السؤال الأعمق: من عرّاها أولاً؟ هل عرّاها وجعها فقط، أم عرّاها نظام كامل؟ من جرّد الناس من أمانهم، من ودائعهم، من بيوتهم، من أعصابهم، من قدرتهم على النوم، من ثقتهم بالنهار، من معنى الغد؟

في لبنان، لا ينهار الإنسان فجأة. لا يستيقظ المرء ذات صباح وقد فقد توازنه بلا مقدمات. الانهيار الفردي غالباً هو آخر صفحة في كتاب طويل من الخوف والخذلان. حرب تطارد الناس من فوق رؤوسهم. مصارف نهبت أعمارهم ومدّخراتهم. دولة تتعامل مع المواطن كرقم فائض. أحزاب طوائف مرجعياتها خارج البلاد، تقتات من الولاء وتبيع الناس شعارات عن الكرامة وهي تسحق كرامتهم كل يوم. مجتمع يدّعي الأخلاق وهو أول من يصوّر الوجع وينشره.

المرأة العارية على المنارة ليست عارية وحدها. البلد كله عارٍ. السلطة عارية من الإنسانية. المصارف عارية من الأخلاق. الطوائف عارية من الرحمة. الزعماء عراة من الخجل. الإعلام عارٍ حين يحوّل الانهيار النفسي إلى مادة مشاهدة. ونحن أيضاً نُعرّى حين نفقد قدرتنا على الرحمة، حين نرى إنساناً مكسوراً فنبحث عن الهاتف لا عن غطاء، عن فيديو لا عن إسعاف، عن تعليق لا عن يد تمتد.

السيكولوجيا هنا ليست عيادة منفصلة عن السياسة. المرض النفسي في بلد مثل لبنان لا يمكن عزله عن المرض السياسي. حين يعيش الناس سنوات في تهديد دائم، بين انفجار وانهيار وحرب وتهجير وفقر وذلّ، يصبح الجسد أرشيفاً للرعب. الأعصاب تحفظ ما يريد الخطاب الرسمي نسيانه. الذاكرة لا تصدق بيانات التهدئة. القلب يعرف أن لا دولة تحميه. والإنسان حين يُسحق طويلاً يبحث عن طريقة ليقول: أنا هنا، أنا أتألم، أنا لم أعد قادراً على حمل هذا القبر فوق صدري.

ليس كل صراخ جنوناً. أحياناً يكون الصمت هو الجنون الحقيقي. أن نعتاد على سرقة الودائع، هذا جنون. أن نعيش تحت احتمال الحرب كل يوم، هذا جنون. أن يقبل الناس أن تتحكم بمصيرهم أحزاب مسلحة وطوائف وشبكات مصالح ومصارف، ثم يُقال لهم “اصبروا”، هذا جنون. أن يهاجر الأبناء، ويمرض الآباء بلا دواء، وتُختصر العدالة ببيان، والمحاسبة بنكتة، والكرامة بصورة على مواقع التواصل، هذا هو الجنون المنظّم.

هذه السيدة لم “تخرج عن المجتمع” فقط؛ ربما المجتمع هو الذي خرج من إنسانيته. حين يصبح طلب العلاج امتيازاً، وحين يصبح الدواء عبئاً، وحين يصبح الطبيب حلماً، وحين تصبح المستشفى باباً مالياً قبل أن تكون باب رحمة، ماذا ننتظر من إنسان موجوع؟ حين يصرخ الجسد، فهو أحياناً يفعل ما عجزت اللغة عن فعله. الجسد يصبح بياناً أخيراً، احتجاجاً بلا لافتة، عرياً في وجه عري السلطة.

ولبنان متخصص في صناعة هذا النوع من الانهيار. بلد يطالب الفرد بأن يكون قوياً إلى ما لا نهاية. يطلب من الأم أن تتحمل، من العامل أن يصبر، من المودع أن ينسى، من المريض أن يدبر حاله، من الشاب أن يهاجر بصمت، من الفقير أن يحمد ربه، من المفجوع أن لا يزعج النظام بوجعه. ثم حين ينكسر أحدهم، يقولون: مجنون.

من جنّن الناس؟
من دفعهم إلى الحافة؟
من سرق عمرهم من المصارف؟
من جعل الدواء سلعة والمستشفى بوابة إذلال؟
من جعل الحرب قدراً يومياً؟
من جعل السياسة سوقاً للطوائف والسلاح والولاءات الخارجية؟
من جعل المواطن يطلب حقه كأنه يستجدي صدقة؟

لا يجوز أن نختبئ خلف التشخيص الفردي وحده. نعم، هناك ألم نفسي يحتاج إلى علاج. نعم، هناك حالات تحتاج إلى تدخل طبي واجتماعي فوري. لكن في لبنان، العلاج لا يجب أن يُطلب من الفرد وحده. المجتمع كله يحتاج إلى علاج. الدولة تحتاج إلى ضمير. الاقتصاد يحتاج إلى عدالة. السياسة تحتاج إلى تحرير من أمراء الطوائف. والمواطن يحتاج قبل الدواء إلى أمان، وقبل النصيحة إلى حماية، وقبل الوعظ إلى حقوق.

نحن أمام انهيار نفسي جماعي، لكنه يظهر بأشكال فردية. واحد يصرخ في الشارع. آخر ينهار في البيت. ثالث يبتلع قهره ويصاب بمرض في القلب. رابع يهاجر ويقول إنه بخير وهو ليس بخير. خامس يصمت حتى يصبح الصمت موتاً بطيئاً. والبلد يتظاهر أنه طبيعي، يفتح المقاهي، يملأ الشاشات بالتحليل، يبيعنا خطاب الصمود، فيما الناس من الداخل يتفتتون.

أسوأ ما يمكن فعله هو تحويل هذه السيدة إلى فضيحة. الفضيحة ليست جسدها. الفضيحة هي أن يكون في لبنان من يحتاج إلى علاج ولا يجده. الفضيحة أن يكون في لبنان من ينام وهو خائف من الغد. الفضيحة أن يكون في لبنان شعب كامل رهينة مصارف وأحزاب وطوائف وسلاح وفساد، ثم يُطلب منه أن يبقى متماسكاً وأنيقاً ومهذباً في انهياره.

هناك قسوة عميقة في المجتمع اللبناني: قسوة مغطاة بالدين، بالمظهر، بالأخلاق، بالعائلة، بالكرامة الفارغة. يهمّهم أن لا يظهر الوجع على العلن، لا أن يزول الوجع. يهمّهم أن لا تصرخ المرأة في الشارع، لا أن يسألوا لماذا صرخت. يهمّهم أن تُغطّى، لا أن تُحمى. يهمّهم أن تختفي الصورة، لا أن يُعالَج السبب. هكذا تعمل المجتمعات الكاذبة: تخاف من الفضيحة أكثر مما تخاف من الظلم.

أما السلطة، فهي لا ترى في الناس إلا مشكلة أمنية أو رقماً انتخابياً. حين يثورون، تقمعهم. حين يجوعون، تتجاهلهم. حين يمرضون، تتركهم للجمعيات. حين ينهارون نفسياً، تتصرف وكأن الجنون سقط من السماء. لكنها تعرف جيداً أنها جزء من الجريمة. تعرف أن كل قرار مالي، كل سرقة، كل تعطيل، كل حرب بالوكالة، كل خطاب تخوين، كل تهديد، كل إذلال على باب مصرف أو مستشفى أو دائرة رسمية، يترك ندبة في عقل الناس.

هذه ليست قصة امرأة عارية على المنارة. هذه قصة بلد عارٍ على حافة البحر. بلد يقف أمام العالم بلا حماية، بلا دولة، بلا عدالة، بلا اعتذار. بحر المنارة شاهد على كل ما مرّ: الانفجار، الهجرة، الفقر، الحب المكسور، الأمهات المنتظرات، الشباب الذاهبون بلا عودة، والناس الذين يتظاهرون بالعيش بينما هم ينجون بالكاد.

الرحمة هنا موقف سياسي. أن نرحم هذه السيدة لا يعني أن نشفق عليها فقط، بل أن نرفض النظام الذي أوصلها وأوصل غيرها إلى هذا الحد. أن نغطي جسدها يعني أيضاً أن نكشف عري السلطة. أن نطلب لها العلاج يعني أن نطالب بعلاج وطن كامل. أن نمنع تداول صورتها يعني أن نستعيد شيئاً من إنسانيتنا المهدورة.

نحتاج إلى لغة أخرى. لا نقول “مجنونة” ونمضي. نقول: موجوعة. منهكة. ضحية تراكم طويل من القهر. إنسانة تحتاج إلى رعاية لا إلى فضيحة. ونقول أيضاً إن المجتمع الذي لا يحمي الموجوعين هو مجتمع مريض، وإن الدولة التي تترك الناس على الأرصفة ثم تتحدث عن السيادة هي دولة كاذبة، وإن الأحزاب التي ترفع شعارات الكرامة وهي تجعل الناس بلا كرامة ليست أحزاباً، بل معامل لإنتاج الطاعة والخوف.

في لبنان، السؤال النفسي صار سؤالاً سياسياً: كيف يبقى الإنسان عاقلاً في بلد غير عاقل؟ كيف يحافظ على توازنه وسط حرب مفتوحة، وانهيار اقتصادي، ونهب مصرفي، وفساد، وخطاب طائفي، وانعدام أمان؟ كيف لا ينكسر من يرى عمره يضيع وهو يسمع كل يوم من يبرر الجريمة باسم الطائفة أو المقاومة أو السيادة أو الواقعية؟

هذه السيدة، بوجعها، كشفت ما نحاول إخفاءه. كشفت أن الناس لم يعودوا بخير. أن “التأقلم” كذبة. أن الصمود أحياناً اسم آخر للقهر. أن اللبنانيين ليسوا شعباً خارقاً، بل بشر تعبوا. تعبوا من البطولة الإجبارية. تعبوا من الوقوف على الركام والتصفيق للحياة. تعبوا من قول “منمشي الحال” بينما الحال يمشي فوق أجسادهم.

من يحمي الناس من جنون الحرب؟
من يحميهم من نهب المصارف؟
من يحميهم من أحزاب طوائف مرجعها كله برّا؟
من يحميهم من دولة لا تملك إلا بيانات العجز؟
من يحميهم من مجتمع يصوّرهم حين يسقطون؟

الجواب ليس في الشفقة وحدها. الجواب في بناء دولة تحمي الضعفاء قبل الأقوياء، ومجتمع يرى المريض إنساناً لا عاراً، واقتصاد يعيد الحقوق لا يوزع الإهانات، وسياسة تخرج من عباءة الطوائف والسلاح والولاءات الخارجية. الجواب في أن نفهم أن الصحة النفسية ليست رفاهية، وأن العلاج ليس ترفاً، وأن الكرامة ليست شعاراً انتخابياً.

تمردت على الألم. ربما لم تختر شكل التمرد. ربما كان الوجع أقوى من اللغة. لكن ما ظهر على المنارة اليوم يجب أن يخجلنا جميعاً. لا من جسدها، بل من بلادنا. لا من صراخها، بل من صمتنا. لا من عريها، بل من عري السلطة التي تركت الناس حتى صار الجسد آخر وسيلة للاحتجاج.

غطّوا الموجوعين بالرحمة، لا بالفضائح.
أعطوهم علاجاً، لا أحكاماً.
اسألوهم ماذا حدث لهم، لا ماذا فعلوا.
وانظروا جيداً: ليست هي وحدها التي وقفت عارية على المنارة.
لبنان كله واقف هناك، عارياً من دولته، منهوباً من مصارفه، محاصراً بحروبه وطوائفه، يبحث عن يد لا تصوّره، بل تنقذه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...