أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
مقدمة شخصية
ارتبطتُ في شبابي بعلاقة عاطفية عميقة مع الحزب الشيوعي السوداني. لم تكن العلاقة مجرد موقف سياسي أو إعجاب عابر بحزب يساري بعيد عني جغرافيًا، بل كانت صلة وجدانية مع تجربة بدت لي دائمًا نادرة في العالم العربي: تجربة حزب دفع ثمن أفكاره من دم قادته، ومن أعمار مناضليه، ومن صبر نسائه ورجاله في السجون والمنافي والعمل السري.
كنت أردد مع سميح شقير، المغني السوري الملتزم، كلماته عن السودان وعبد الخالق محجوب:
بعدك عايش في بالنا
فلاحينا وعمالنا
ينادوا يا يا محجوب
مهما سدوا الدروب علينا
حنكمل مشوارنا
بعدوا السودان بعدوا يا محجوب
كفى للأقدار
والجوع الغدار
يكتل الأطفال
ساعة من الفجر الحزين
أعدموك يا محجوبنا
والشعب بعدو أمين
على المبادئ وبيصونها
والشعب السوداني ناوي
يعيدها تاني
ثورة للمجد الإنساني
بعدك عايش في بالنا
فلاحينا وعمالنا
ينادوا يا محجوب
وعندما كان يقول: “ساعة من الفجر الحزين أعدموك يا محجوبنا”، كانت عيني تدمع. لم يكن عبد الخالق محجوب عندي اسمًا في كتاب تاريخ، بل رمزًا لذلك النوع من البشر الذين يموتون واقفين، لأنهم آمنوا أن الفقراء والعمال والفلاحين والنساء والمهمشين يستحقون وطنًا أكثر عدلًا.
ومنذ ذلك الوقت، ظللت أتابع أخبار رفاقنا الشيوعيين السودانيين، لا بوصفهم مجرد حزب سياسي، بل بوصفهم ذاكرة نضالية عربية وأفريقية وإنسانية. لذلك أكتب اليوم عنهم: عن نشأتهم، قادتهم، أفكارهم، صعودهم، أخطائهم، مأساتهم، وعن الدم الذي سال في يوليو 1971، حين أُعدم عبد الخالق محجوب ورفاقه، وبقي السؤال مفتوحًا: لماذا تخاف السلطة دائمًا من الذين يحلمون بوطن عادل؟
النشأة والتأسيس
تعود جذور الحزب الشيوعي السوداني إلى أربعينيات القرن العشرين، في سياق النضال ضد الاستعمار البريطاني–المصري، وصعود الحركة العمالية والطلابية في السودان. النواة التنظيمية الأساسية ظهرت عام 1946 باسم الحركة السودانية للتحرر الوطني، المعروفة اختصارًا بـ حستو. وبعد استقلال السودان، وتحديدًا في مؤتمر فبراير 1956، غيّرت الحركة اسمها إلى الحزب الشيوعي السوداني. وتؤكد المصادر أن الحزب تأسس عام 1946، وأنه صار في مرحلة ما بعد الاستقلال أحد أهم حزبين شيوعيين في العالم العربي، إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي.
في بداياته، لم يعمل الحزب دائمًا باسمه المباشر، بل من خلال واجهات وتحالفات مثل الجبهة المعادية للاستعمار. وكان ذلك مفهومًا في بيئة استعمارية وشبه استعمارية، حيث كان النشاط الشيوعي مراقبًا ومطاردًا. ركّز الحزب منذ نشأته على قضايا الاستقلال، حقوق العمال، التنظيم النقابي، التعليم، المرأة، وقضية الجنوب. وتشير مصادر تاريخية إلى أن الحزب كان من أكثر القوى السودانية تقدمية في قضايا المرأة، ومن القلائل الذين طرحوا مبكرًا حق الحكم الذاتي للجنوب ودمجوا شخصيات جنوبية في قيادته.
لم يكن الحزب الشيوعي السوداني نسخة ميكانيكية من الأحزاب الشيوعية الأوروبية أو السوفيتية. فمنذ بداياته، حاول أن يتعامل مع واقع سوداني شديد الخصوصية: مجتمع زراعي واسع، نفوذ طائفي وديني قوي، بنية قبلية ومناطقية، طبقة عاملة محدودة العدد لكنها مؤثرة نقابيًا، وبلد موزع بين انتماءات عربية وأفريقية وإسلامية ومسيحية ومحلية متعددة.
عبد الخالق محجوب: العقل المؤسس ومحاولة سودنة الماركسية
تأتي شخصية عبد الخالق محجوب في قلب تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. وُلد في أم درمان عام 1927، وتولى منصب السكرتير العام للحزب منذ عام 1949 حتى إعدامه عام 1971. وتصفه المصادر بأنه سياسي ومنظّر شيوعي سوداني، وأنه أُعدم شنقًا في سجن كوبر بعد فشل انقلاب يوليو 1971.

لم يكن عبد الخالق مجرد قائد تنظيمي. كان مفكرًا حاول أن يجعل الماركسية أداة لفهم السودان، لا وصفة مستوردة تُفرض عليه. لذلك اهتم بالطائفية، الريف، النقابات، الدين، اللغة، الأدب، قضية الجنوب، ومشكلة الديمقراطية. ومن بين أعماله المعروفة: “آفاق جديدة”، “إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير”، “الماركسية وقضايا الثورة السودانية”، و**“دفاع أمام المحاكم العسكرية”**. وتورد المصادر قائمة واسعة من كتاباته، ما يدل على أنه كان صاحب مشروع فكري لا مجرد قائد حزبي.
أهمية عبد الخالق أنه حاول بناء ماركسية سودانية. لم يكن يريد حزبًا تابعًا ذهنيًا لموسكو، ولا حزبًا معزولًا عن الدين والمجتمع والطوائف والقبائل، بل حزبًا يفهم السودان كما هو، ثم يحاول تغييره من داخله. ولذلك يمكن القول إن عبد الخالق مثّل لحظة التأسيس النظري للحزب: كيف يمكن أن تكون ماركسيًا في بلد مثل السودان؟ كيف تخاطب العمال والفلاحين، لكن أيضًا المتدينين والريفيين وأبناء الطرق الصوفية والقبائل والجنوب؟ كيف تبني حزبًا حديثًا في مجتمع لم تكتمل فيه بعد بنية الدولة الوطنية الحديثة؟
إعدامه في 28 يوليو 1971 لم يكن فقط إعدامًا لشخص، بل كان محاولة لقطع رأس الحزب فكريًا وتنظيميًا. وتشير المصادر إلى أن إعدام عبد الخالق أضعف الحزب بشدة، وأنه لم يستعد كامل النفوذ الذي امتلكه في الخمسينيات والستينيات.
محمد إبراهيم نقد: الصمود، الديمقراطية، وفهم الواقع السوداني
بعد إعدام عبد الخالق محجوب، برز محمد إبراهيم نقد كواحد من أهم قادة الحزب الشيوعي السوداني. وُلد عام 1930، وأصبح السكرتير العام للحزب بعد مقتل عبد الخالق، وقاد الحزب لأكثر من أربعة عقود، حتى وفاته في لندن عام 2012. وتؤكد المصادر أنه خلف عبد الخالق بعد إعدامه عام 1971، وأنه ظل قائدًا للحزب لفترة طويلة جدًا.

أهمية نقد لا تكمن فقط في أنه حافظ على بقاء الحزب بعد كارثة يوليو 1971، بل في أنه أعاد صياغة كثير من أسئلة الحزب بلغة أكثر ديمقراطية وسودانية. اهتم نقد بقضايا الدولة المدنية، الديمقراطية، التعددية، مشكلة القوميات، علاقة الدين بالسياسة، علاقات الأرض، الرق، المركز والهامش، وفهم البنية الاجتماعية السودانية. ولذلك كان نقد استمرارًا لعبد الخالق، لكنه لم يكن نسخة منه؛ كان ابن مرحلة أخرى: مرحلة الهزيمة، السرية، المراجعة، والصبر الطويل.
من أشهر ما يُنسب إليه في كتابه “قضايا الديمقراطية في السودان” قوله:
نحن نعتقد أن الثورة الوطنية الديمقراطية وتطورها صوب الاشتراكية مرتبط بالتعددية، وليس بالطبقة الواحدة حتى لو كانت الطبقة العاملة، ليس بالحزب الواحد حتى لو كان الحزب الشيوعي.
هذه العبارة شديدة الأهمية، لأنها تنقل الحزب من فكرة “الطليعة التي تحتكر الحقيقة” إلى فكرة أن التغيير في السودان لا يمكن أن يقوم إلا على التعددية. نقد هنا لا يرفض الاشتراكية، لكنه يرفض أن تتحول الاشتراكية إلى حكم حزب واحد أو سلطة مغلقة.
وله أيضًا قوله:
فكلما تقترب من واقع مجتمعك تصبح أكثر معرفة بمصالح شعبه والطريق الموصل إليها.
هذه العبارة تصلح مفتاحًا لفهم فكر نقد كله: لا يكفي أن تحفظ النصوص الماركسية، بل يجب أن تعرف السودان؛ أرضه، طبقاته، طوائفه، قبائله، لغاته، نساءه، فقراءه، ومناطقه المهمشة.
كما عبّر عن ارتباط الوطني بالديمقراطي بقوله:
لا ينبغي بالطبع فصل الجانب الوطني عن الديمقراطي، إذ لا يمكن تحقيق هذا دون ذاك أو هذا قبل ذاك.
وهذه من أعمق أفكار نقد: لا معنى لتحرر وطني من الاستعمار أو التبعية إذا انتهى إلى حكم عسكري أو حزب واحد، ولا معنى لديمقراطية شكلية إذا لم تعالج الفقر والتهميش والظلم الاجتماعي. ومن هنا كان نقد يرى أن قضية السودان ليست فقط قضية “من يحكم؟”، بل “كيف تُبنى دولة عادلة لكل السودانيين؟”.
لذلك يمكن القول إن عبد الخالق محجوب مثّل العقل المؤسس، أما محمد إبراهيم نقد فمثّل عقل الصمود والمراجعة الديمقراطية. عبد الخالق بنى الحزب في زمن الصعود؛ ونقد حفظه في زمن الانكسار.
فاطمة أحمد إبراهيم: المرأة، البرلمان، والنضال الجماهيري
لا يكتمل تاريخ الحزب الشيوعي السوداني من دون فاطمة أحمد إبراهيم. فهي ليست مجرد “قيادية نسائية”، بل واحدة من أهم القادة التاريخيين للحزب والحركة الديمقراطية السودانية. كانت رائدة نسوية، وبرلمانية، ومناضلة شيوعية، ووجهًا من وجوه السودان الحديث.

تؤكد المصادر البحثية أن فاطمة أحمد إبراهيم أصبحت عام 1965 أول امرأة تُنتخب في البرلمان السوداني، بل تُذكر أيضًا بوصفها من أوائل النساء البرلمانيات في المنطقة. كما تشير مصادر نسوية وحقوقية إلى أنها أصبحت عام 1991 رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، وأنها كانت من أبرز رموز حقوق المرأة في السودان.
دورها لم يكن رمزيًا. فاطمة ربطت قضية المرأة بقضية المجتمع كله. لم تكن ترى تحرر المرأة مسألة منفصلة عن الفقر، التعليم، العمل، الديمقراطية، والاستقلال الوطني. ناضلت من أجل حق النساء في التعليم، العمل، الأجر المتساوي، التمثيل السياسي، وإجازة الأمومة، لكنها في الوقت نفسه ربطت هذه المطالب بالنضال ضد الحكم العسكري وضد البنية الاجتماعية التي تجعل المرأة مواطنة ناقصة.
كانت فاطمة أحمد إبراهيم أحد الوجوه التي أعطت الحزب الشيوعي امتداده الجماهيري خارج دوائر العمال والطلاب. من خلالها وصل الحزب إلى النساء، البيوت، المعلمات، الطالبات، العاملات، وربات البيوت. ولذلك لا يجوز وضعها في هامش تاريخ الحزب. هي جزء من قلبه.
فكرها يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط. أولًا، أن تحرر المرأة لا ينفصل عن تحرر المجتمع. ثانيًا، أن الديمقراطية لا تكتمل إذا بقي نصف المجتمع مقهورًا. ثالثًا، أن المرأة ليست “مساندة” للرجل في النضال، بل قائدة وصانعة للتاريخ.
إلى جانب عبد الخالق ونقد، تمثل فاطمة وجهًا ثالثًا من وجوه الحزب: عبد الخالق للعقل النظري، نقد للصمود الديمقراطي، وفاطمة للامتداد النسوي والجماهيري.
الشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق
يُعدّ الشفيع أحمد الشيخ من القادة التاريخيين البارزين في السودان، ومن أهم رموز الحركة النقابية والعمالية في تاريخه الحديث. وقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالحركة العمالية وبصعود النفوذ الشيوعي وسط العمال، لا باعتباره مجرد ناشط سياسي، بل بوصفه قائدًا نقابيًا استطاع أن يجعل من النقابة إطارًا للنضال المطلبي والاجتماعي والسياسي في آنٍ واحد. ومن خلال موقعه داخل الحركة النقابية، أسهم في ترسيخ فكرة أن النقابات ليست مؤسسات مهنية معنية بالأجور وظروف العمل فقط، بل هي أيضًا أدوات للدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية والحقوق العامة، ومنابر لتكوين وعي سياسي جماهيري قادر على التأثير في مسار الدولة والمجتمع.

وتنبع أهمية النقابات في السودان، خلال تلك المرحلة، من كونها شكّلت إحدى أقوى البنى المدنية المنظمة وأكثرها قدرة على التعبئة والتأثير. فقد كانت النقابات فضاءً لتدريب القيادات، وصياغة المطالب الجماعية، وربط القضايا المهنية اليومية بالمسائل الوطنية الكبرى، مثل الديمقراطية والتمثيل الشعبي ومقاومة الاستبداد. ولهذا لم تكن قوة الحركة النقابية مستمدة فقط من عدد أعضائها، بل من قدرتها على تنظيم الفئات العاملة، وصياغة خطاب جماهيري، وفرض حضورها في المجال العام بوصفها شريكًا أساسيًا في الحياة السياسية السودانية. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الشفيع أحمد الشيخ هو حديث عن مرحلة كانت فيها النقابات من أكثر مؤسسات المجتمع حيويةً وتأثيرًا، بل وكانت في أحيان كثيرة تعبيرًا عن القوة الاجتماعية المنظمة في مواجهة السلطة.
وفي هذا السياق، فإن إعدام الشفيع أحمد الشيخ بعد فشل انقلاب يوليو 1971 لم يكن ضربةً موجهة إلى الحزب الشيوعي السوداني وحده، بل كان ضربةً قاسية للحركة النقابية السودانية بأكملها. فالرجل لم يكن مجرد قيادي حزبي، وإنما كان رمزًا لاستقلالية العمل النقابي وصلابته، وواحدًا من أبرز الوجوه التي جسّدت تداخل النضال العمالي مع النضال السياسي. لذلك اكتسبت تصفيته دلالة تتجاوز شخصه، إذ بدت وكأنها استهداف مباشر لأحد أهم مراكز التنظيم المدني في السودان، ومحاولة لإضعاف النفوذ النقابي الذي كان يشكل قوة اجتماعية وسياسية حقيقية في البلاد. وتشير المصادر التي تناولت أحداث 1971 إلى أن الشفيع كان ضمن القيادات المدنية اليسارية التي أُعدمت بعد عودة جعفر نميري إلى السلطة، وهو ما منح اسمه مكانة رمزية خاصة في الذاكرة السياسية السودانية.
أما على مستوى صورته في الوجدان السياسي السوداني، فقد ارتبط الشفيع أحمد الشيخ بمعاني الصلابة المبدئية، والاستقامة النقابية، والدفاع عن حقوق العمال وعن استقلال مؤسساتهم. وكثيرًا ما يُستحضر بوصفه نموذجًا للقائد النقابي الذي لم يفصل بين العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، بل رأى أن كرامة العامل وحقه في التنظيم جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع كله. ولهذا ظل اسمه حاضرًا لا في تاريخ الحزب الشيوعي وحده، بل في تاريخ الحركة النقابية السودانية عامةً، باعتباره أحد أبرز من عبّروا عن قوتها، ودورها الوطني، وقدرتها على أن تكون فاعلًا رئيسيًا في لحظات التحول والأزمة.
أما جوزيف قرنق، أما جوزيف قرنق، فقد مثّل بدوره إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ليس فقط بوصفه من أبرز القيادات الجنوبية داخله، بل أيضًا باعتباره محاميًا ومثقفًا ماركسيًا أسهم في إعطاء قضية الجنوب بعدًا فكريًا وسياسيًا يتجاوز المعالجات التقليدية التي كانت تختزلها في الإطار الأمني أو الإداري. وقد كان وجوده في قيادة الحزب ذا دلالة سياسية وفكرية عميقة، لأنه عبّر عن محاولة الحزب تقديم رؤية مغايرة لمسألة الجنوب، رؤية تقوم على الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، وعلى فهم السودان باعتباره وطنًا مشتركًا لمجموعات متعددة، لا كيانًا أحادي الهوية أو الثقافة. ومن خلال هذا المنظور، سعى الحزب إلى طرح إجابة وطنية وديمقراطية على قضية الجنوب، بعيدة عن الطائفية، ورافضة للاختزال العرقي، ومتصلة بفكرة المواطنة المتساوية كأساس لبناء الدولة السودانية الحديثة.

وتنبع أهمية جوزيف قرنق من كونه جسّد، في موقعه الفكري والسياسي، إمكان قيام مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الحادة بين الشمال والجنوب، ويعيد تعريف العلاقة بينهما على أساس المشاركة والحقوق لا على أساس الهيمنة أو الإقصاء. فوجود قيادي جنوبي بارز في الصفوف العليا للحزب لم يكن مسألة تمثيل رمزي فحسب، بل كان دليلًا على أن قضية الجنوب لم تُطرح داخل الحزب بوصفها قضية هامشية أو مطلبًا إقليميًا محدودًا، وإنما باعتبارها سؤالًا أساسيًا يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها: هل هي دولة تقوم على الامتيازات التاريخية والثقافية لمركز بعينه، أم دولة ديمقراطية تعترف بتعدد مكوناتها وتؤسس وحدتها على العدالة والمساواة؟
ومن هذا المنطلق، فإن إعدام جوزيف قرنق بعد أحداث يوليو 1971 لم يكن مجرد استهداف لشخصية قيادية داخل الحزب الشيوعي، بل كان أيضًا ضربة سياسية وفكرية لواحد من أكثر الخطوط تقدمًا في الخطاب السوداني الحديث، أي الخط الذي سعى إلى الربط بين المواطنة والديمقراطية والتعدد القومي. فقد مثّل قرنق، في حضوره السياسي، صوتًا يدفع نحو معالجة وطنية عادلة للمسألة الجنوبية، ويرفض أن تُدار هذه القضية بمنطق القهر أو التجاهل أو الحلول الجزئية. ولذلك فإن تصفيته حملت دلالة رمزية كبيرة، لأنها لم تعبّر فقط عن القمع الذي تعرّضت له القيادات اليسارية بعد فشل انقلاب يوليو، بل مثّلت أيضًا إضعافًا لتيار كان يحاول أن يؤسس لرؤية أكثر اتساعًا وإنصافًا لمعنى الوطن السوداني.
كما أن أهمية جوزيف قرنق لا تنفصل عن صورته كمثقف سياسي جمع بين القانون والفكر والعمل العام، وهو ما منحه قدرة على تناول قضية الجنوب بلغة سياسية حديثة، تتجاوز الانفعالات والمواجهات المباشرة، لتضعها في إطار أوسع يتعلق ببناء الدولة، وتوزيع السلطة، وتعريف المواطنة، وحدود العلاقة بين المركز والأطراف. ولهذا فإن خسارته لم تكن خسارة حزبية فحسب، بل كانت أيضًا خسارة لواحد من الأصوات التي كان يمكن أن تسهم في تطوير خطاب وطني ديمقراطي أكثر استيعابًا للتنوع السوداني وأكثر قدرة على معالجة تناقضاته البنيوية.
أصدر جوزيف قرنق صحيفة سرية باسم “أدفانس” تضمنت آراءه حول الحرب الأهلية السودانية الأولى ١٩٥٥ – ١٩٧٢ وسبل إيقافها.
وفي هذا المعنى، يمكن القول إن إعدام جوزيف قرنق شكّل ضربة مزدوجة: ضربة للحزب الشيوعي السوداني من حيث فقدانه أحد أبرز كوادره الجنوبية وأكثرها نضجًا سياسيًا وفكريًا، وضربة أيضًا للفكرة التي كان يحملها بشأن السودان بوصفه بلدًا متعدد القوميات والثقافات، لا يمكن أن يستقر إلا على أساس الاعتراف بهذا التعدد وتحويله إلى قاعدة للمواطنة المتساوية. ومن ثمّ، فإن استحضار اسمه في سياق الحديث عن يوليو 1971 لا يقتصر على كونه أحد ضحايا القمع السياسي، بل يتصل أيضًا بكونه رمزًا لخط فكري وسياسي كان يسعى إلى بناء سودان أكثر عدلًا وتعددًا وديمقراطية.
بهؤلاء القادة تكتمل صورة الحزب: عبد الخالق للفكر والتنظيم، نقد للصمود والديمقراطية، فاطمة للمرأة والجماهير، الشفيع للعمال والنقابات، وجوزيف قرنق للجنوب والتعدد الوطني.
الصعود بعد ثورة أكتوبر 1964
شارك الحزب الشيوعي السوداني بقوة في معارضة حكم الفريق إبراهيم عبود، وكان من القوى التي لعبت دورًا مهمًا في ثورة أكتوبر 1964، التي أسقطت أول حكم عسكري في السودان. وتذكر المصادر أن الحزب ساعد في إسقاط حكومة عبود العسكرية، وشارك في المرحلة الانتقالية اللاحقة.
بعد الثورة، دخل السودان مرحلة ديمقراطية قصيرة، وبرز الحزب كقوة فكرية وسياسية كبرى. لم يكن حزبًا جماهيريًا بالمعنى العددي فقط، لكنه كان قويًا في المواقع الحديثة: الطلاب، النقابات، المعلمون، العمال، النساء، والمثقفون.
في انتخابات 1965، حقق الحزب نجاحًا مهمًا، خصوصًا في دوائر الخريجين. وتذكر وثائق أمريكية معاصرة أن الشيوعيين حصلوا على 11 مقعدًا في انتخابات خاصة بالجمعية، وهو ما يعكس نفوذهم الكبير وسط المتعلمين والقوى الحديثة.
هذا الصعود أخاف القوى التقليدية. فقد بدا أن الحزب الشيوعي يستطيع أن ينافس الطائفية لا في الريف الواسع، بل في المدن والنقابات والجامعات ومؤسسات الدولة الحديثة. وكان هذا مكمن الخطر الحقيقي بالنسبة لخصومه.
أزمة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه 1965–1966
بعد انتخابات 1965، وقعت واحدة من أخطر أزمات الديمقراطية السودانية. بدأت الأزمة بما عُرف بـ حادثة معهد المعلمين العالي في أم درمان، حين نُسب إلى طالب كلام مسيء للدين. جرى ربط الحادثة بالحزب الشيوعي، رغم أن الحزب أنكر مسؤوليته عنها، وتحولت الواقعة بسرعة من حادثة فردية أو طلابية إلى حملة سياسية ودينية واسعة ضد الحزب.
استُخدم الغضب الديني، وكان حقيقيًا في الشارع، لتصفية خصم سياسي صاعد. دفعت القوى التقليدية والإسلامية باتجاه حل الحزب الشيوعي، لأنها رأت في تمدده وسط الطلاب والنقابات تهديدًا مباشرًا لنفوذها.
في نوفمبر 1965، أقرت الجمعية التأسيسية حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، ثم جرى تحريم نشاطه. خطورة هذه الأزمة لا تكمن فقط في حل الحزب، بل في أن نوابه كانوا منتخبين. أي أن الأغلبية البرلمانية استخدمت قوتها لإلغاء تمثيل أقلية سياسية اختارها الناخبون.
لجأ الحزب إلى القضاء. وحكمت المحكمة العليا بعدم دستورية إبعاد النواب الشيوعيين وحظر الحزب، لكن السلطة السياسية رفضت عمليًا قبول الحكم. وتذكر دراسة قانونية معاصرة أن إسماعيل الأزهري اصطدم بالمحكمة العليا حين حكمت بعدم دستورية استبعاد النواب الشيوعيين، وأن رفض السلطة قبول الحكم كان من أبرز مظاهر الأزمة الدستورية.
كانت النتيجة مدمرة على الديمقراطية السودانية. فقد ظهرت الديمقراطية الثانية كديمقراطية انتقائية: تسمح بالتعددية حين لا تهدد ميزان القوى، لكنها تنقلب عليها حين يصعد خصم جذري. وهذه الأزمة تركت أثرًا عميقًا داخل الحزب الشيوعي، إذ عززت الشك في النظام البرلماني كما مارسته القوى التقليدية، لا في الديمقراطية كمبدأ.
انقلاب مايو 1969 وعلاقة الحزب بنظام نميري
في 25 مايو 1969، وقع انقلاب جعفر نميري. جاء الانقلاب بخطاب قومي عربي ويساري: حديث عن الاشتراكية، الإصلاح الزراعي، التأميم، العدالة الاجتماعية، ومعاداة الرجعية. لذلك استقبله جزء من اليسار السوداني بتعاطف أو أمل، خاصة بعد تجربة حل الحزب وطرد نوابه عام 1965.
لكن موقف الحزب الشيوعي لم يكن موحدًا تمامًا. كان هناك تيار رأى إمكانية التعاون مع نظام مايو لإنجاز إصلاحات اجتماعية، وكان هناك تيار آخر، ارتبط أكثر بعبد الخالق محجوب، حذر من ذوبان الحزب في نظام عسكري. جوهر الخلاف كان واضحًا: هل يمكن لحزب شيوعي مستقل أن يتحالف مع سلطة عسكرية ترفع شعارات تقدمية؟ أم أن السلطة العسكرية ستنقلب عليه في النهاية؟
بدأ الصدام حين أراد نميري أن يدمج القوى السياسية في تنظيم واحد تابع للدولة، على غرار النماذج القومية العربية. رفض عبد الخالق والتيار الأساسي في الحزب حل الحزب أو فقدان استقلاله. وبحلول أوائل 1971، كان الصدام قد بلغ ذروته، إذ تحرك نميري ضد الحزب وقياداته ومنظماته. وتذكر مصادر عن انقلاب 1971 أن نميري سبق الانقلاب بحملة ضد الحزب، شملت اعتقال قيادات وحظر منظمات مرتبطة به.
الناصرية والشيوعيون: رأيان وتحليل
في تناول علاقة عبد الناصر بالشيوعيين، يجب تجنب التبسيط. توجد قراءتان أساسيتان.
الرأي الأول يرى أن عبد الناصر كان، في النهاية، معاديًا للشيوعيين المحليين، وأن قمعه لهم، وحل الأحزاب، وإقامة التنظيم الواحد، وخنق الحركة العمالية المستقلة، كلها سياسات التقت موضوعيًا مع مصالح الغرب في إضعاف الشيوعية العربية. أنصار هذا الرأي يشيرون إلى حملات الاعتقال ضد الشيوعيين المصريين، وإلى أن مئات الشيوعيين اعتقلوا في مصر في الخمسينيات. وتشير دراسة عن قمع العمال الشيوعيين في مصر إلى أن موجة القمع في 1955 استهدفت تحطيم حركة عمالية كان للشيوعيين دور بارز فيها.
الرأي الثاني يرى أن عبد الناصر لم يكن مواليًا للغرب، بل كان خصمًا رئيسيًا للنفوذ الغربي في المنطقة: أمّم قناة السويس، اصطدم ببريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وبنى علاقة استراتيجية مع الاتحاد السوفيتي. وفق هذا الرأي، قمعه للشيوعيين لم يكن خدمة مباشرة للغرب، بل كان نابعًا من طبيعة نظامه السلطوي القومي، الذي أراد احتكار السياسة والاشتراكية داخل الدولة والتنظيم الواحد.
تقديري أن الرأي الثاني أقرب للدقة التاريخية، مع إضافة مهمة: عبد الناصر لم يكن تابعًا للغرب، لكنه كان معاديًا لاستقلال الشيوعيين المحليين. أي أنه قبل التعاون مع الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى، لكنه لم يقبل بوجود حزب شيوعي مصري مستقل ينافسه في الشارع والنقابات والثقافة. ولذلك يمكن وصف النموذج الناصري بأنه اشتراكية دولة بلا شيوعيين مستقلين. وهذا قريب من عنوان دراسة أكاديمية عن الماركسيين المصريين في عهد ناصر: “الاشتراكية بلا اشتراكيين”.
في السودان، ورث نميري كثيرًا من هذا المنطق: شعارات اشتراكية وقومية، لكن تحت قيادة الجيش والزعيم والتنظيم الواحد. لذلك لم يكن عداء نميري للحزب الشيوعي تناقضًا مع خطابه الاشتراكي، بل كان نتيجة طبيعية لنموذج سلطوي يريد اليسار تابعًا للدولة لا مستقلًا عنها.
لماذا تخلى السوفيات عن شيوعيي مصر والسودان؟
هذا سؤال مهم ومؤلم. الجواب أن الاتحاد السوفيتي، كدولة عظمى، كان يتحرك بمنطق الدولة ومصالحها الاستراتيجية أكثر مما يتحرك بمنطق الوفاء للأحزاب الشيوعية المحلية.
في مصر، كان عبد الناصر بالنسبة لموسكو أهم من الحزب الشيوعي المصري. فهو رئيس دولة كبرى في العالم العربي، يواجه النفوذ الغربي، يشتري السلاح السوفيتي، ويمنح الاتحاد السوفيتي موطئ قدم سياسيًا في الشرق الأوسط. لذلك لم تكن موسكو مستعدة لخسارة عبد الناصر من أجل حزب شيوعي مصري مطارد. وتشير دراسة أكاديمية إلى أن تجربة الشيوعيين المصريين يجب فهمها من خلال ثلاثة مستويات: ظروف مصر الداخلية، السياسة السوفيتية تجاه مصر، وحركة الشيوعيين أنفسهم؛ كما ترفض الدراسة التبسيط الذي يعتبر الشيوعيين المصريين مجرد وكلاء للسوفيات.
في السودان، تكرر المنطق نفسه بدرجة مختلفة. بعد انقلاب مايو 1969، رأت موسكو في نميري حاكمًا يمكن التعامل معه: يرفع شعارات اشتراكية، يفتح الباب للتعاون العسكري والاقتصادي، ويبتعد نسبيًا عن الغرب. لكن الحزب الشيوعي السوداني كان أقوى وأكثر استقلالًا من الحزب الشيوعي المصري، ولم يقبل بسهولة أن يذوب في تنظيم نميري الواحد. هنا وقع التناقض: مصالح موسكو كانت مع الدولة، ومصالح الحزب كانت مع استقلاله السياسي والجماهيري.
بعد انقلاب يوليو 1971، اتهم نميري الشيوعيين والسوفيات، لكن مصادر عن الأحداث تشير إلى أن أغلب قيادة الحزب لم تكن قد أقرت مبادرة هاشم العطا مسبقًا أو شاركت مباشرة فيها، وأن العلاقة بين الانقلاب والحزب أعقد من دعاية نميري الرسمية.
لذلك، لم يكن “تخلي السوفيات” خيانة عاطفية فقط، بل تعبيرًا عن منطق الحرب الباردة: الاتحاد السوفيتي كان يفضّل الأنظمة “التقدمية” الحاكمة، حتى لو قمعت الشيوعيين المحليين، ما دامت تلك الأنظمة تخدم موقعه الجيوسياسي.
انقلاب 19 يوليو 1971
في 19 يوليو 1971، قاد الرائد هاشم العطا انقلابًا ضد جعفر نميري. سيطر الانقلابيون على الخرطوم واحتجزوا نميري وعددًا من قادته. أعلن هاشم العطا مجلسًا ثوريًا جديدًا، وكان من المفترض أن يعود من الخارج كل من بابكر النور وفاروق عثمان حمد الله للمشاركة في قيادة النظام الجديد. وتؤكد مصادر عن الانقلاب أن العطا سيطر على القصر الجمهوري واعتقل نميري، وأعلن قيادة جديدة تضم العطا وبابكر النور وفاروق حمد الله.
كان الانقلاب ذا صلة واضحة بضباط يساريين أو قريبين من الحزب الشيوعي، لكن من المهم عدم التبسيط. كثير من المصادر تفرق بين الضباط المنفذين وبين القيادة المدنية للحزب. فالمصدر نفسه يذكر أن معظم المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب لم يكونوا قد أقروا مسبقًا مبادرة العطا، ولم يشاركوا مباشرة فيها.
لذلك الصياغة الأدق هي: انقلاب يوليو قاده ضباط يساريون وشيوعيون أو قريبون من الحزب، لكن لا يصح الجزم بأن القيادة المدنية للحزب الشيوعي خططت له بالكامل أو أدارته مباشرة.
دور القذافي في إفشال الانقلاب
كان دور معمر القذافي حاسمًا. أثناء عودة بابكر النور وفاروق عثمان حمد الله من لندن إلى الخرطوم، تدخلت ليبيا وأجبرت الطائرة التي كانا على متنها على الهبوط، ثم اعتقلتهما وسلمتهما لاحقًا إلى نظام نميري بعد استعادته السلطة. وتصف مصادر متعددة هذا التدخل بأنه لحظة حاسمة؛ إذ أرسل القذافي طائرات ليبية لاعتراض الطائرة التي كانت تحمل النور وحمد الله، ثم احتجزهما.
كان القذافي في تلك اللحظة معاديًا للشيوعية، رغم خطابه الثوري والقومي. خاف من قيام نظام شيوعي أو قريب من الشيوعيين في السودان، خاصة في بلد مهم على البحر الأحمر وبجوار مصر وليبيا. لذلك وقف مع نميري لا مع الانقلابيين. وقد حرم اعتراض الطائرة انقلاب هاشم العطا من شخصيتين مركزيتين كانتا ضروريتين لتثبيت السلطة الجديدة.
أما عبد الناصر، فلا يجوز إدخاله كفاعل مباشر في هذه الأحداث، لأنه توفي في 28 سبتمبر 1970، أي قبل انقلاب يوليو 1971 بنحو عشرة أشهر. يمكن الحديث عن أثر الناصرية في نميري، وعن نموذج الضباط الأحرار والتنظيم الواحد، لكن لا يمكن اتهام عبد الناصر شخصيًا بالمشاركة في إجهاض انقلاب يوليو أو في الإعدامات.
سقوط الانقلاب وعودة نميري
استمر انقلاب هاشم العطا ثلاثة أيام تقريبًا. لم يحصل الانقلاب على دعم داخلي وإقليمي كافٍ. كان الشارع مرتبكًا، والجيش غير محسوم بالكامل، والقوى الإقليمية خائفة من صعود نظام شيوعي. ثم تحركت قوات موالية لنميري، ونجحت في إطلاق سراحه وإعادته إلى السلطة. وتذكر مصادر عن الانقلاب أن وحدات عسكرية موالية لنميري تحركت في الخرطوم، وحررت الرئيس، وأسقطت الانقلاب.
بعد عودته، تصرف نميري بعنف شديد. اعتبر ما جرى مؤامرة شيوعية كاملة، وفتح باب الانتقام من الحزب، والنقابات، والضباط، والكوادر المدنية. وهنا دخل السودان واحدة من أكثر لحظاته دموية في التاريخ السياسي الحديث.
الإعدامات بحق قادة الحزب والضباط
بعد فشل انقلاب يوليو، جرت محاكمات عسكرية سريعة. كثير منها لم تتوفر فيه ضمانات العدالة الكافية. وقد نفذ نظام نميري حملة تطهير واسعة داخل الجيش والخدمة المدنية وقيادة الحزب الشيوعي. وتذكر مصادر عن الانقلاب أن نميري أعدم قادة الانقلاب وعددًا من قادة الحزب الشيوعي، وأن من بين المعدومين عبد الخالق محجوب، الشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق.
من أبرز الضباط الذين أُعدموا: هاشم العطا قائد الانقلاب، وبابكر النور الذي كان يفترض أن يتولى موقعًا قياديًا في النظام الجديد، وفاروق عثمان حمد الله أحد أبرز الضباط المرتبطين بالحركة. وتشير مصادر إلى أن القذافي سلّم بابكر النور وفاروق حمد الله إلى نميري بعد اعتراض الطائرة، وأنهما أُعدما لاحقًا.
ومن أبرز القادة المدنيين والحزبيين الذين أُعدموا: عبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب، والشفيع أحمد الشيخ، القائد النقابي البارز، وجوزيف قرنق، القيادي الجنوبي ووزير شؤون الجنوب السابق. وكان إعدام عبد الخالق تحديدًا في 28 يوليو 1971 بسجن كوبر، وفق المصادر التي توثق تاريخ وفاته ومكانها.
كانت الإعدامات أكثر من عقوبة على انقلاب فاشل؛ كانت تصفية سياسية. فقد استخدم نميري الانقلاب لتدمير الحزب الشيوعي كقوة منظمة، ولقطع رأس الحركة النقابية، ولإرسال رسالة إلى كل القوى المدنية المستقلة: لا مكان لتنظيم خارج سلطة الدولة العسكرية.
من كان خلف الإعدامات؟
الجواب الدقيق يتكون من ثلاث طبقات.
أولًا، المسؤول المباشر عن الإعدامات هو جعفر نميري ونظامه ومحاكمه العسكرية. هو الذي استعاد السلطة، وهو الذي أمر بالمحاكمات والتصفيات.
ثانيًا، القذافي لعب دورًا خارجيًا حاسمًا، ليس لأنه أصدر أحكام الإعدام، بل لأنه اعترض الطائرة وسلم بابكر النور وفاروق حمد الله إلى نميري، مما ساعد في إفشال الانقلاب وتمكين نميري من الانتقام.
ثالثًا، عبد الناصر لا دور مباشر له، لأنه كان قد توفي قبل الأحداث. لكن النموذج الناصري، أي نموذج الضباط الأحرار، الحزب الواحد، الاشتراكية من فوق، وقمع الشيوعيين المستقلين، كان حاضرًا في عقل نميري وفي بنية نظام مايو.
نتائج يوليو 1971 على الحزب والسودان
كانت ضربة يوليو كارثية على الحزب الشيوعي السوداني. فقد خسر الحزب قيادته التاريخية، وتعرضت كوادره للمطاردة والاعتقال والتشريد. دخل الحزب مرحلة طويلة من العمل السري، ولم يستعد لاحقًا القوة الجماهيرية والتنظيمية التي امتلكها في الخمسينيات والستينيات.
أما على مستوى السودان، فقد عززت الأحداث سلطوية نميري. بعد 1971، أصبح النظام أكثر رئاسية وقمعية، وابتعد عن السوفيات، وبدأ يقترب تدريجيًا من الغرب ومن الأنظمة العربية المحافظة. وتذكر مصادر عن انقلاب 1971 أن فشل الانقلاب أدى إلى تحول دائم في سياسة السودان الخارجية، حيث ندد نميري بالكتلة الشرقية، واتجه السودان إلى علاقات أوثق مع الغرب ودول عربية محافظة.
وهكذا انتهت مرحلة كان فيها السودان مرشحًا لصراع سياسي مفتوح بين قوى تقليدية، يسارية، قومية، وإسلامية، ودخل في مرحلة عسكرية أكثر عنفًا، انتهت لاحقًا بتحولات نميري نحو المصالحة مع الإسلاميين ثم قوانين سبتمبر 1983.
الحزب الشيوعي السوداني اليوم: الاستمرارية، الحرب، وموقف “التغيير الجذري”
رغم الضربات التاريخية التي تلقاها الحزب الشيوعي السوداني منذ حلّه في الستينيات، ثم إعدام قادته في 1971، ثم سنوات القمع في عهدي نميري والبشير، فإنه بقي حاضرًا في الحياة السياسية السودانية بوصفه حزبًا صغيرًا نسبيًا في حجمه الانتخابي، لكنه صاحب أثر فكري وتنظيمي يتجاوز حجمه العددي.
بعد وفاة محمد إبراهيم نقد في مارس 2012، اختارت اللجنة المركزية للحزب محمد مختار الخطيب أمينًا عامًا، أو سكرتيرًا سياسيًا، للحزب الشيوعي السوداني. كان الخطيب مسؤول الملف الزراعي في الحزب، وارتبط نشاطه منذ وقت مبكر بقضايا العمال والفنيين والزراعة والنقابات. وُلد عام 1942، وهو مهندس زراعي، وانتسب إلى الحزب الشيوعي السوداني عام 1971، وكان من قادة إضراب عموم نقابات الفنيين عام 1978 في عهد جعفر نميري، ومن مؤسسي تجمع نقابات العاملين بمؤسسة حلفا الجديدة الزراعية. كما تعرض للاعتقال والفصل من العمل، ثم انتُخب سكرتيرًا سياسيًا للحزب عام 2012، وأُعيد انتخابه بعد المؤتمر السادس عام 2016.
عند اختياره بعد رحيل نقد، عبّر الخطيب عن خط سياسي واضح يقوم على إسقاط نظام البشير، واستعادة الديمقراطية، وإيقاف الحروب، والدعوة إلى مؤتمر دستوري يضع أسس الدولة السودانية. بهذا المعنى، جاء الخطيب استمرارًا لخط نقد في الدفاع عن الديمقراطية والتعددية، لكنه قاد الحزب في مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة انهيار نظام البشير، ثم الانتقال المتعثر، ثم الانقلاب، ثم الحرب.
في مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر 2018، اتخذ الحزب موقفًا نقديًا من ترتيبات الانتقال التي قامت على الشراكة بين المدنيين والعسكر. عارض الحزب مبكرًا الشراكة مع المجلس العسكري، واعتبرها انحرافًا عن مسار الثورة. كان يرى أن الثورة لا ينبغي أن تنتهي إلى تسوية تعيد إنتاج سلطة الجيش أو تمنح قادة المؤسسة العسكرية حق التحكم في المرحلة الانتقالية. ومن هنا برز شعار الحزب حول التغيير الجذري، أي تغيير بنية السلطة لا الاكتفاء بتبديل الوجوه أو عقد تسوية فوقية بين النخب المدنية والعسكرية.
بعد انقلاب عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، طرح الحزب مبادرات لتوحيد القوى السياسية والنقابية والمطلبية الرافضة للانقلاب، وأكد استعداده للعمل مع القوى التي تؤمن بقيام سلطة مدنية ديمقراطية كاملة. لكنه في الوقت نفسه ظل شديد التحفظ على المبادرات التي رأى أنها تعيد إنتاج الشراكة مع العسكر أو تسمح بعودة قوى النظام القديم أو تمنح شرعية لقوى مسلحة خارج الرقابة المدنية.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حافظ الحزب على موقف رافض للحرب ولطرفيها. لم يتعامل معها كصراع بين طرف وطني وطرف متمرد فقط، بل رأى فيها نتيجة لمسار طويل من عسكرة السياسة، وتفكيك الدولة، وإفشال الثورة، وتصارع قوى مسلحة على السلطة والثروة. لذلك دعا إلى وقف الحرب، ورفض تحويل الشعب السوداني إلى وقود لصراع الجنرالات، وربط إنهاء الحرب بقيام سلطة مدنية ديمقراطية وبمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
كما أن الحزب لم ينخرط بسهولة في مسارات الحوار الإقليمي والدولي التي رأى أنها لا تعبّر عن صوت الجماهير أو لا تضمن إنهاء الحرب على أساس سلطة مدنية ديمقراطية. فقد ظل متحفظًا على المبادرات التي تجمع القوى السياسية من أعلى دون مشاركة حقيقية للجان المقاومة والنقابات والقوى القاعدية، أو التي تتعامل مع الأزمة السودانية كأزمة تقاسم سلطة فقط، لا كأزمة دولة ومجتمع وثورة مضادة.
بهذا المعنى، فإن الحزب الشيوعي السوداني اليوم يقف في موقع معارض للحكم العسكري، ورافض للحرب، ومتحفظ على التسويات التي يرى أنها تعيد إنتاج الشراكة مع العسكر أو تمنح شرعية لقوى مسلحة. وقد يكون أضعف جماهيريًا مما كان عليه في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لكنه لا يزال يحافظ على خط تاريخي واضح: الدفاع عن سلطة مدنية ديمقراطية، رفض الانقلابات، رفض عسكرة السياسة، وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية وبناء دولة سودانية موحدة على أساس المواطنة.
وهكذا يمتد الخيط من عبد الخالق محجوب ومحمد إبراهيم نقد وفاطمة أحمد إبراهيم والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق، إلى محمد مختار الخطيب وموقف الحزب من الثورة والحرب الحالية. لم يعد الحزب في موقع القوة التاريخية التي أخافت خصومه في الستينيات، لكنه لا يزال يمثل ذاكرة سياسية وأخلاقية في السودان: ذاكرة تقول إن الديمقراطية لا تكتمل بلا عدالة اجتماعية، وإن الدولة المدنية لا تقوم على البنادق، وإن الثورة لا ينبغي أن تُسلّم مرة أخرى إلى العسكر.
تاريخ صراع بين مشروعين
تاريخ الحزب الشيوعي السوداني هو تاريخ صراع بين مشروعين: مشروع قوى حديثة سعت إلى بناء دولة ديمقراطية اجتماعية تستند إلى العمال والطلاب والنقابات والنساء والمثقفين، ومشروع قوى تقليدية وعسكرية ودينية رأت في هذا الصعود تهديدًا مباشرًا.
في 1965–1966، ضُرب الحزب باسم الدين والبرلمان، عندما حُلّ وطُرد نوابه رغم حكم القضاء. وفي 1971، ضُرب باسم الأمن والدولة، عندما استُخدم انقلاب فاشل لتصفية قادته وإعدام رموزه.
لكن إرث الحزب لم ينتهِ بالإعدامات. فقد ترك عبد الخالق محجوب مشروعًا فكريًا حاول سودنة الماركسية وربطها بواقع الطائفية والدين والنقابات والجنوب. وترك محمد إبراهيم نقد مشروعًا آخر أكثر تركيزًا على الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية. وتركت فاطمة أحمد إبراهيم درسًا خالدًا: لا تحرر للمجتمع من دون تحرر المرأة، ولا ديمقراطية بلا مشاركة النساء في قيادة السياسة لا في تزيينها.
أما الدرس الأعمق، فهو أن الشعارات لا تكفي. فالناصرية رفعت شعار الاشتراكية لكنها لم تقبل بالشيوعيين المستقلين. ونميري رفع شعار الثورة ثم أعدم قادة اليسار. والسوفيات تحدثوا باسم الأممية، لكنهم فضّلوا مصالح الدولة العظمى على مصير الشيوعيين المحليين في مصر والسودان. والقذافي رفع شعارات الثورة، لكنه سلّم رفاق يوليو إلى مصيرهم.
لذلك يمكن تلخيص المأساة في عبارة واحدة:
الحزب الشيوعي السوداني كان قويًا بما يكفي لإخافة خصومه، لكنه لم يكن قويًا بما يكفي لحماية نفسه من تحالف الجيش، الطائفية، الإسلاميين، الحسابات الإقليمية، وبراغماتية الحرب الباردة.
ومع ذلك بقي، كما في الأغنية، عايشًا في البال. لأن بعض الأحزاب لا تُقاس بعدد مقاعدها فقط، بل بما تركته في الذاكرة من دموع، وأناشيد، وأسماء لا تموت.



