السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

نعم نحن منقسمون: بين دولة تحمي الجميع وسلاح يعرّي الجميع!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتب الزميل عماد مرمل في الجمهورية مقاربة تنطلق من خشية مشروعة ظاهريًا: أن يتحوّل لبنان إلى بلدين، واحد تنطبق عليه التهدئة وآخر يُترك للغارات والدمار والتهجير. وهذه خشية لا يحق لأحد أن يستخف بها، لأن الجنوب والبقاع الغربي ليسا هامشًا جغرافيًا، ولا يجوز أن يُعاملا كمنطقة عازلة خارج معنى الدولة والسيادة.

لكن المشكلة الكبرى في هذه المقاربة أنها تقف عند نصف الحقيقة، وتتجاهل نصفها الآخر، وهو الأخطر: من الذي جعل هذه المناطق ساحة حرب دائمة؟ ومن الذي قرّر، من خارج الدولة، أن يدخل لبنان في ما سُمّي «حرب إسناد»؟ ومن الذي منح نفسه حق ربط مصير اللبنانيين بحسابات غزة تارة، وبحسابات إيران تارة أخرى، وبمعادلات إقليمية لا يملك الشعب اللبناني أي قدرة على مناقشتها أو التصويت عليها أو إسقاطها؟

نعم، إسرائيل تعتدي. ونعم، إسرائيل تستخدم ذريعة «الدفاع عن النفس» بطريقة واسعة ومطاطة. ونعم، لا يمكن تبرير قتل المدنيين ولا تدمير القرى ولا تحويل الجنوب إلى أرض مفتوحة للنار. لكن الاعتراف بعدوانية إسرائيل لا يُلغي السؤال اللبناني الداخلي: هل قرّر لبنان الحرب؟ هل اجتمع مجلس الوزراء وأعلنها؟ هل فوّض الشعب اللبناني حزبًا مسلحًا أن يفتح الجبهة؟ هل يملك أي فصيل، مهما بلغ حجمه وتمثيله، حق مصادرة قرار الحياة والموت عن دولة كاملة؟

الحقيقة المُرّة أن ما يجري ليس حربًا بين لبنان، كدولة، وإسرائيل، كدولة. إنها حرب فُرضت على لبنان من تنظيم مسلح يملك قراره العسكري خارج المؤسسات، ويرتبط بمحور إقليمي واضح. لبنان الرسمي لم يعلن الحرب، واللبنانيون لم يُستفتوا فيها، والجيش اللبناني لم يقدها، والدولة لم تضبط توقيتها ولا أهدافها ولا نهايتها. ومع ذلك يُطلب من كل اللبنانيين أن يدفعوا الثمن: من اقتصادهم، من أمنهم، من بيوتهم، من أعصابهم، ومن مستقبل أولادهم.

هنا يصبح الاعتراض على «تقسيم لبنان إلى منطقة آمنة ومنطقة مستهدفة» اعتراضًا ناقصًا. فالبلد لم يُقسَّم فقط بفعل الغارات الإسرائيلية، بل قُسّم قبل ذلك بفعل السلاح غير الشرعي. هناك لبنان يعيش تحت سقف الدولة، ولبنان آخر يعيش تحت سقف قرار عسكري مستقل. هناك مواطنون ينتظرون قرار الحكومة، ومواطنون يجدون أنفسهم رهائن قرار غرفة عمليات لا يعرفون من يملك مفتاحها الأخير. هذا هو التقسيم الحقيقي، وما الغارات إلا النتيجة الدموية له.

ليس المطلوب، أخلاقيًا أو وطنيًا، أن يُترك الجنوب وحيدًا. الجنوب من لبنان، وأهله من أشرف اللبنانيين وأكثرهم ظلمًا. لكن الدفاع الحقيقي عن الجنوب لا يكون بتحويله إلى منصة رسائل إيرانية، ولا بترك أهله تحت رحمة معادلة قاتلة: الحزب يقرر، إسرائيل تضرب، والدولة تُحصي الخسائر. الدفاع عن الجنوب يبدأ بإعادته إلى الدولة، لا بإبقائه في عهدة السلاح الموازي.

ومن الخطأ الفادح تصوير النقاش حول سلاح حزب الله كأنه استهداف لطائفة أو مكوّن. هذا تبسيط خطير ومقصود أحيانًا. المسألة ليست شيعية ولا مسيحية ولا سنية ولا درزية. المسألة وطنية بالكامل: هل في لبنان دولة واحدة أم دولتان؟ هل قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات أم بيد حزب؟ هل الجيش هو القوة الشرعية الوحيدة أم مجرد شاهد على حدود نفوذ الآخرين؟

من هنا تأتي أهمية موقف رئيس الجمهورية حين يصرّ على حصرية السلاح بيد الدولة وعلى منع المغامرات العسكرية. هذا ليس انحيازًا ضد فئة لبنانية، بل انحياز لمبدأ قيام الدولة. فحصرية السلاح ليست مطلبًا حزبياً ولا انتقامياً، بل شرط أول لولادة الدولة. لا يمكن أن تقوم جمهورية فيها جيشان، ولا يمكن أن يستعيد لبنان ثقة الداخل والخارج ما دام قرار الحرب والسلم خارج مجلس الوزراء وخارج المؤسسات الدستورية.

أما القول إن الهدنة هشة، فصحيح. لكنها هشة لأن أصل المعادلة هش: دولة لا تحتكر السلاح، وحدود لا تضبطها المؤسسات وحدها، وحزب يستطيع أن يربط لبنان بحروب المنطقة متى شاء. الهدنة لا تصبح ثابتة بمجرد توقّف مؤقت للنار، بل تصبح ثابتة حين يعرف العدو والصديق أن لا أحد يستطيع استخدام الأراضي اللبنانية إلا بقرار الدولة اللبنانية.

لقد جعل حزب الله لبنان مكشوفًا. مكشوفًا أمام إسرائيل، ومكشوفًا أمام العالم، ومكشوفًا أمام انهياره الداخلي. جعل الدولة تبدو عاجزة، والجيش مقيّدًا، والقرار الوطني مخطوفًا، والمواطن عاريًا من أي حماية حقيقية.

ولعلّ مشهد المرأة العارية على كورنيش بيروت، الذي ضجّت به الصحف ووسائل الإعلام، لم يكن مجرد حادثة صادمة أو خبر عابر. كان صورة مكثفة لبلد بكامله. امرأة تجلس أمام البحر بلا ستر، كأنها تقول للعالم: ها أنا كما تُركت، بلا حماية، بلا غطاء، بلا دولة، وبلا ما أخسره. ذلك المشهد ليس فضيحة امرأة، بل فضيحة وطن. وطن جُرّد من أمنه، ومن اقتصاده، ومن كرامته، ومن حقه البديهي في أن يعيش بلا حروب مفروضة عليه.

ليس من البطولة أن نأخذ لبنان إلى حرب لا يريدها. وليس من المقاومة أن يتحول المواطن إلى وقود دائم. وليس من الوطنية أن نطلب من بيروت وطرابلس وصيدا وزحلة وجبيل وكسروان وعكار والشوف أن يباركوا قرارًا لم يشاركوا في صناعته، وأن يدفعوا فاتورته بصمت.

الوطن لا يُحمى بالشعارات، بل بالدولة. والسيادة لا تكون انتقائية: لا سيادة ضد إسرائيل فقط، ولا سيادة ضد الداخل فقط، بل سيادة كاملة تبدأ من حصر السلاح، وضبط الحدود، وتوحيد القرار، ومنع أي جهة من استخدام لبنان صندوق بريد أو ساحة تصفية حسابات.

لذلك، نعم لوقف النار على كل الأراضي اللبنانية. نعم لحماية الجنوب والبقاع وكل قرية لبنانية. نعم لإدانة الاعتداءات الإسرائيلية بلا تردد. لكن نعم أيضًا، وبالقوة نفسها، لنزع السلاح غير الشرعي. لأن وقف الحرب لا يبدأ من الحدود فقط، بل يبدأ من بيروت: من قرار واضح بأن لبنان ليس تابعًا، وليس ورقة، وليس جبهة مفتوحة لأحد.

لبنان لا يحتاج إلى مقاومة فوق الدولة. يحتاج إلى دولة تقاوم بمنطق الدولة، تفاوض بمنطق الدولة، وتحمي شعبها بمنطق الدولة. وما عدا ذلك ليس سوى وصفة جديدة للخراب، مهما ارتدى من شعارات البطولة والكرامة والممانعة.

نعم، نحن منقسمون. ولم يعد من المجدي إنكار ذلك خلف خطابات خشبية عن الوحدة والمصير الواحد. نحن منقسمون لأن هناك من يريد دولة، وهناك من يريد ساحة. هناك من يريد سلامًا تحت سقف السيادة، وهناك من يريد حربًا دائمة تحت شعار المقاومة. هناك من يحلم بأن ينام اللبناني آمنًا في بيته، وهناك من يوقظه كل مرة على احتمال حرب جديدة لم يقررها ولم يُستشر فيها.

والحلم بتغطية الحرب باسم السلام لن يتحقق بعد اليوم. لم يعد ممكنًا إقناع الناس بأن السلاح يحميهم بعدما صار كابوسًا يطاردهم. لم يعد ممكنًا القول إن فائض القوة يصنع كرامة، فيما القرى تُدمّر، والبيوت تُهجر، والأرزاق تُمحى، والأهالي يُتركون بين ركام الذكريات ووعود التعويض الباردة.

لقد دُمّرت أربعون سنة من الإعمار في الجنوب، لا بالحجارة وحدها، بل بأعمار الناس وأحلامهم وطمأنينتهم. ما بُني بعرق الآباء، وما رُمّم بصبر الأمهات، وما زرعه الناس بيتًا بيتًا وشجرة شجرة، تبدّد في لحظات نار. والذين يُطلب منهم اليوم أن ينتظروا إعادة الإعمار يحتاجون، في الحقيقة، إلى عمر جديد كي يبدأوا من الصفر. وهذا، في بلد منهك ومكسور ومهجور من دولته، يكاد يكون من سابع المستحيلات.

لذلك لم تعد المسألة نقاشًا سياسيًا باردًا حول بند في بيان وزاري أو شعار في مهرجان حزبي. المسألة صرخة ناس تعبوا. ناس يريدون أن يعيشوا فقط. يريدون بيتًا لا يتحول إلى هدف، وقرية لا تصير جبهة، وأرضًا لا تُزرع بالموت، وأولادًا لا يكبرون على صوت الطائرات والخوف.

نعم، نحن منقسمون. لكن الانقسام الحقيقي ليس بين من يحب الجنوب ومن يكرهه، ولا بين من يقف مع طائفة ومن يعاديها. الانقسام الحقيقي بين من يريد للبنان أن يعود وطنًا، ومن يصرّ على إبقائه رهينة. وبين هذين الخيارين لم يعد هناك وسط رمادي: إما دولة تحمي الجميع، وإما سلاح يعرّي الجميع.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...