أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
مات غسان الرفاعي، ويا مية خسارة على الرجال.
ليست العبارة رثاءً عابراً، ولا انفعالاً أمام خبر حزين. إنها وجع جيلٍ رأى في أمثال غسان الرفاعي ما هو أبعد من السياسة، وأعمق من التنظيم، وأصفى من المواقع. مات الرجل الذي كان، في حضوره الهادئ، يذكّرنا بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقاً، وأن الفكر يمكن أن يكون تواضعاً، وأن القيادة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالقدرة على الإصغاء، وبالشجاعة في قول الحقيقة، وبالصبر الطويل على الناس والتاريخ.
عرفت غسان الرفاعي وأنا شاب صغير، في بدايات حياتي السياسية، يوم انتسبت إلى الحزب الشيوعي. قال لي جورج حاوي يومها: تعرّفتَ إلى الرفيق غسان؟ اذهب إليه. لم أفهم في تلك اللحظة لماذا أرسلني إليه. بعد سنوات طويلة فهمت. كان يريد لذلك الشاب الكردي أن يتعرّف إلى قائد كردي تاريخي شيوعي، لا بوصف الكردية انغلاقاً في هوية ضيقة، بل بوصفها باباً أوسع إلى الأممية، وإلى العدالة، وإلى فهم الشعوب المظلومة وهي تبحث عن حريتها وكرامتها.
كان غسان الرفاعي كردياً ولبنانياً وعراقياً، عربياً في وجدانه، أممياً في رؤيته، شيوعياً في التزامه، وإنساناً قبل كل صفة. لم تكن هوياته المتعددة عبئاً عليه، بل كانت ثروته الكبرى. منها بنى جسراً بين بيروت وبغداد وكردستان، وبين اليسار العربي والحركة الشيوعية، وبين الفكر والممارسة، وبين الرفاق المختلفين والخصوم الذين كانوا يحترمون فيه صدقه ورجاحة عقله.
في كردستان، كما في لبنان والعراق، لم يكن غسان زائراً عابراً. كان اسماً مألوفاً لدى الرفاق والأصدقاء، وصوتاً مطلوباً حين تتعقد الأمور، وعقلاً حاضراً حين يحتاج الحوار إلى من يحميه من الانفعال. رافقته إلى لقاء الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، أول مرة في دمشق، ثم في السليمانية. كان مام جلال يقدّره ويحترمه، وكان يعرف فيه رجل الحوار والسلام، الرجل الذي لا يذهب إلى الخلاف ليزيده ناراً، بل ليفتح فيه نافذة.
لم يكن غسان الرفاعي من أولئك الذين يحبون الأضواء. كان من طينة أخرى: طينة المناضلين الذين يفضّلون العمل الصامت على الخطابة، والموقف المسؤول على المزايدة، وبناء الثقة على استعراض القوة. عملت معه في ملفات عدة، وكان بالنسبة إلي الرفيق والقائد والمعلم. لم يكن يعلّمك بالأوامر، بل بالملاحظة الهادئة. لم يكن يصحّح لك ليكسرك، بل ليقوّيك. كان يعرف كيف يأخذ بيد الشاب من دون أن يلغي شخصيته، وكيف يعلّمه الانضباط من دون أن يطفئ حماسه.
أتذكر يوم كتبت مقالي الأول كشيوعي لنشره في جريدة “النداء”. ذهبت إليه ليراجعه. قال لي، بحكمة من يعرف السياسة ومسؤوليتها: لمن تريد أن تكتب؟ في المرة الأولى اكتب عن دولة بعيدة، حتى لا تورّط الحزب بموقفك. لم تكن الجملة رقابة على الفكر، بل درساً في المسؤولية. كان يقول لي إن الكتابة موقف، وإن الموقف له تبعات، وإن الشيوعي لا يكتب فقط ليقول ما يشعر به، بل ليعرف أين يقف، وماذا يترتب على كلمته، وكيف يحمي قضيته من التسرع.
ظل يتابعني، يقرأ لي، يعطيني ملاحظاته. كان قاسياً أحياناً في دقته، حنوناً دائماً في غايته. في كل ملاحظة منه كنت أرى مدرسة كاملة: مدرسة الحزب حين كان مدرسة، ومدرسة اليسار حين كان تربية أخلاقية وفكرية، لا مجرد شعار، ولا مجرد بطاقة حزبية.
غسان الرفاعي كان ماركسياً من طراز نادر. لم يتعامل مع الماركسية ككتاب مغلق، ولا كتعويذة جاهزة، ولا كهوية جامدة. في كتابه “ماركس، دون دوغمائية ودون تفريط”، حاول أن يعيد الاعتبار إلى ماركس بوصفه منهجاً نقدياً وجدلياً، لا نصاً مقدساً ولا أرشيفاً للماضي. كان يريد ماركسية تفكر وتناقش وتُراجع، لا ماركسية محفوظة في المتاحف أو مستعملة في الخطب فقط.
كان عنوانه الفكري واضحاً: لا دوغمائية ولا تفريط. لا جمود يحوّل الماركسية إلى متحف، ولا استسلام يفرغها من بعدها الطبقي والفلسفي. كان يعرف أن الرأسمالية تغيّرت، وأن العولمة صنعت أشكالاً جديدة من السيطرة، وأن رأس المال المالي والريعي صار يبتلع الإنتاج والمجتمع والدولة. لكنه كان يعرف أيضاً أن تجديد الماركسية لا يعني دفنها، بل تحريرها من الكسالى الذين يريدونها محفوظات، ومن المستسلمين الذين يريدونها ذكرى.
لهذا، حين ننظر إلى لبنان اليوم، إلى هذا الانهيار المفتوح، إلى دولة الطوائف والمصارف والديون والزبائنية، نفهم لماذا لا يزال فكر غسان الرفاعي ضرورياً. فالأزمة اللبنانية ليست عطلاً تقنياً في إدارة مصرفية، ولا خطأً عابراً في سياسة مالية. إنها أزمة بنية: تحالف بين الرأسمال الريعي والطائفية السياسية، بين المصرف والزعيم، بين الدين العام والولاء المذهبي، بين سرقة الودائع وسرقة الوعي. هنا، لا يكفي الإصلاح الشكلي. هنا نحتاج إلى نقد جذري، إلى اقتصاد منتج، إلى عدالة اجتماعية، إلى دولة مدنية ديمقراطية، وإلى وعي طبقي يعيد جمع الناس حول مصالحهم لا حول غرائز الطوائف.
كان غسان يعرف أن الطائفية ليست فقط خطاباً دينياً أو انقساماً أهلياً. إنها، في جوهرها السياسي، أداة لإخفاء الصراع الاجتماعي. وهي، كما علّمنا مهدي عامل، طريقة لتفتيت الطبقات الشعبية ومنعها من رؤية خصمها الحقيقي. وكان يعرف، كما قال سمير أمين في مشروعه النقدي، أن التبعية للمركز الرأسمالي العالمي لا تُكسر بالشعارات، بل ببناء اقتصاد وطني منتج وسيادي. لذلك لم تكن ماركسية غسان ترفاً فكرياً. كانت محاولة لفهم الطريق إلى التغيير.
ولأن غسان لم يكن مفكراً منعزلاً، بقي حاضراً في الحركة الشيوعية العربية. في أرشيف الحزب الشيوعي العراقي، تظهر له تحية إلى المؤتمر العاشر للحزب عام 2016، يخاطب فيها الرفاق العراقيين باعتزاز، ويشيد بوثيقتهم السياسية بوصفها إسهاماً في فهم أوضاع المجتمع العراقي وحاجاته الراهنة والمستقبلية. هذا ليس تفصيلاً. إنه يذكّرنا بأن الرجل كان يرى النضال الشيوعي العربي مساحة واحدة، متعددة البلدان، متداخلة الهموم، ومفتوحة على التضامن.
لكن قيمة غسان لا تُختصر في المناصب ولا في المؤتمرات. قيمته في أنه ظل، حتى آخر التجربة، رجل سؤال. لم يكن يخاف النقد. ولم يكن يعتبر الخلاف خيانة. كان يعرف أن الحزب الذي لا يناقش يموت، وأن اليسار الذي لا يتجدد يتحول إلى حنين، وأن الماركسية التي لا ترى الواقع تفقد روحها.
وظل غسان الرفاعي، حتى في سنواته التي تخطّت التسعين، يحفر في الفكر كما يحفر الفلاح في أرض يعرفها ويحبها. لم يتعامل مع الذاكرة كاستراحة أخيرة، بل كميدان جديد للمراجعة والمساءلة وإعادة بناء المعنى. جاءت مذكراته ثمرة هذا الإصرار النادر: رجل عاش التجربة من داخلها، ولم يكتفِ بأن يكون شاهداً عليها، بل أراد أن يفتح دفاترها للأجيال الآتية، بما فيها من انتصارات وانكسارات وأسئلة مؤجلة. كان يكتب لا ليبرر الماضي، بل ليحميه من النسيان، وليمنحه فرصة أن يتحول إلى معرفة. كأن غسان، وهو في ذلك العمر المهيب، كان لا يزال يمدّ يده إلى التراب العميق، يحفر أكثر فأكثر، كي تمتد جذور السنديانة الحمراء، وتبقى واقفة في وجه الريح، شاهدة على حزبٍ وحلمٍ ورفاقٍ وزمنٍ من النضال.
وسأل الرفاق والأصدقاء عن مذكراته التي نُشرت منذ فترة، لا بدافع الفضول، بل بحثاً عن الحقيقة. تعاملوا معها كنصّ توثيقي وأخلاقي، يكشف مسار تجربة طويلة من دون ادعاء بطولة أو رغبة في الإدانة. في تلك الصفحات وجدوا قراءة هادئة لوقائع معقّدة، وشهادة على مراحل مفصلية، كُتبت بوعي تاريخي واحترام للتجربة الجماعية.
بحثوا أيضاً عمّا بين السطور، عن الأسرار التي احتفظ بها غسان الرفاعي بأمانة سنوات طويلة. أسرار لم يتعامل معها كملكية شخصية، بل كأمانة سياسية وأخلاقية، لم يُفصح عنها إلا بالقدر الذي يخدم الفهم ولا يسيء إلى الأشخاص أو القضايا. كانت مذكراته استمراراً لمنهجه: الصراحة من دون تجريح، والوضوح من دون استعراض.
بدت المذكرات، في نظر من قرأها، امتداداً طبيعياً لشخصيته الإنسانية والسياسية: دقيقة، متوازنة، بعيدة عن الانفعال، وتفتح باب الأسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة جاهزة. فهي لا تسعى إلى إغلاق النقاش، بل إلى تحفيز التفكير النقدي، وإلى استخلاص الدروس من التجربة بدل تمجيدها.
اليوم، يبقى غسان الرفاعي مثالاً لسياسي مثقف ورفيق ثابت، يرى في الحوار الطريق الأصعب لكنه الأجدى، وفي الذاكرة أمانة لا يجوز العبث بها، وفي الحقيقة أساساً لأي مشروع تغييري. إنه نموذج يؤكد أن السياسة يمكن أن تكون إنسانية، وأن الاختلاف يمكن أن يتحوّل إلى قوة، إذا قاده أصحاب الفكر والمبدأ.
كان غسان الرفاعي لا يطلب الإجماع حوله، بل يطلب الجدية في النقاش. لا يخاف أن يُراجع، لأنه أمضى حياته يراجع الأفكار والتجارب. لا يريد تمثالاً، لأنه كان يعرف أن التماثيل تقتل الأحياء مرتين: مرة حين تحبسهم في البرونز، ومرة حين تمنعنا من الاستفادة من أخطائهم وأسئلتهم.
اليوم، ونحن نودعه، لا نودع فرداً فقط. نودع زمناً كاملاً من الرجال الذين كانوا يحملون الحزب في سلوكهم قبل بياناتهم. نودع جيلاً عرف السجون والمنافي والخلافات والانكسارات، لكنه بقي مؤمناً بأن الإنسان يستحق عالماً أفضل. نودع رجلاً علّمنا أن الشيوعية ليست غضباً فقط، بل معرفة؛ وليست شعاراً فقط، بل أخلاق؛ وليست حزباً فقط، بل انحياز يومي إلى الكادحين والمظلومين والمهمشين.
يا رفيقي غسان،
كم يصعب أن أكتب عنك بصيغة الماضي. أنت الذي كنت دائماً حاضراً حين نحتاج إلى كلمة هادئة. كنتَ رفيقاً لا يشيخ في عقله، وقائداً لا يتكبر على رفاقه، ومعلماً لا يمنح الدروس من فوق، بل يجلس معك كأنه يتعلم معك. في زمن الضجيج، كنت صوت العقل. في زمن الاصطفافات العمياء، كنت رجل الحوار. في زمن الخيبات، كنت تقول إن التغيير لا يأتي باليأس، بل بالمعرفة والتنظيم والصبر.
مات المناضل المثال. مات الرفيق الذي جمع بين كردستان ولبنان والعراق، بين ماركس ومهدي عامل وسمير أمين، بين النداء ودمشق والسليمانية، بين جورج حاوي ومام جلال، بين التجربة الشخصية والتاريخ الكبير. مات الرجل الذي لم يكن يحتاج إلى صراخ كي يُسمع، ولا إلى منصب كي يُحترم، ولا إلى مديح كي يعرف الناس قيمته.
لك الرحمة، يا أبا الفكر الهادئ والقلب الواسع.
لك الوفاء، يا رفيق الحوار والسلام.
ولنا، نحن الذين عرفناك وتعلمنا منك، واجب أن نحمل شيئاً من طريقتك: أن نكتب بمسؤولية، أن نناضل بأخلاق، أن نختلف بلا حقد، وأن نؤمن بأن العدالة ليست حلماً بعيداً، بل مهمة يومية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.
اليوم يُوارى غسان الرفاعي الثرى في حصرايل، قريباً من رفيقه وصديقه فرج الله الحلو، ذلك الاسم الذي طالما حدّثني عنه بحب واحترام، وكأنه لا يتحدث عن رفيق مضى، بل عن ضمير لا يزال حاضراً في وجدان الشيوعيين. في حصرايل يلتقي الرفيقان، وتصبح الأرض أكثر امتلاءً بالمعنى. هناك، لا يكون التراب نهاية، بل بداية ذاكرة جديدة. حصرايل، من اليوم، محجّتنا؛ نذهب إليها لا لنرثي فقط، بل لنستلهم فكر غسان وفرج الله، ولنجدّد العهد مع السنديانة الحمراء، ومع كل الذين جعلوا من حياتهم طريقاً إلى العدالة والحرية والكرامة.
وداعاً غسان الرفاعي.
وداعاً أيها الرفيق والقائد والمعلم.
ويا مية خسارة على الرجال.



