السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

الكذب بوصفه آلية دفاع: حزب الله وأزمة تبرير الهزيمة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

حين تعجز السياسة عن تفسير الكارثة، تتقدّم الأسطورة. وحين تفشل القيادة في حماية الناس والأرض، يظهر الإعلام التعبوي ليعيد صياغة الهزيمة على هيئة بطولة. لكن الأخطر ليس أن تُصنع الأسطورة في الغرف المغلقة، بل أن يخرج إعلامي محسوب على حزب الله، مثل حسين مرتضى، في تسجيلات مصوّرة، ليروي حكاية لا تصمد أمام أبسط منطق عسكري أو عقلي، وكأن الجمهور مطالب بتصديق المستحيل حتى لا يسأل عن الواقع.

فالرواية التي خرج بها حسين مرتضى بنفسه، حين تحدث عن عنصر من حزب الله طرق باب دبابة إسرائيلية، وانتظر أن يُفتح له الباب، ثم ألصق بها عبوة وانصرف، ليست مجرد مبالغة إعلامية. إنها نموذج صريح عن الخطاب الذي يولد في لحظات الانكسار، حين يصبح الاعتراف بالحقيقة أكثر خطورة على المنظومة من الكذب نفسه. الهدف هنا ليس إقناع العقل، بل تخدير الألم؛ وليس شرح ما حدث في الميدان، بل صناعة مشهد بطولي وهمي يغطي على سؤال الهزيمة والكلفة والمحاسبة.

من الناحية السيكولوجية، يمكن فهم هذا النوع من الخطاب بوصفه آلية دفاع جماعية. فعندما تصطدم جماعة سياسية أو عقائدية بواقع مؤلم يناقض الصورة التي بنتها عن نفسها، ينشأ ما يعرف في علم النفس بـ التنافر المعرفي: فجوة بين ما تؤمن به الجماعة عن قوتها وانتصاراتها، وبين ما تراه من خسائر ودمار ونزوح. ولتخفيف هذا التوتر، لا تلجأ المنظومة إلى مراجعة الفرضيات أو الاعتراف بالخطأ، بل إلى اختراع تفسير بديل يحافظ على الصورة القديمة. هكذا تتحول الهزيمة إلى “صمود”، والكارثة إلى “تضحية”، والفشل في الحسابات إلى “بطولة استثنائية”.

هذا ليس تفصيلاً لغوياً. إنه سلوك نفسي ـ سياسي معروف لدى الحركات الشمولية والتنظيمات العقائدية المغلقة. فهذه المنظومات لا تستطيع الاعتراف بالخسارة بسهولة، لأن الاعتراف لا يعني خسارة معركة فحسب، بل اهتزاز الهوية التي قامت عليها. حزب الله لم يقدّم نفسه يوماً كحزب سياسي عادي يخطئ ويُحاسب، بل كقوة فوق الدولة، وفوق النقد، وفوق منطق المراجعة. لذلك، حين تقع الكارثة، يصبح الاعتراف بها تهديداً لصورة الحزب أمام جمهوره، وللصورة التي زرعها داخل وعي هذا الجمهور عن القوة والردع والحماية.

هنا تظهر وظيفة الكذبة الكبيرة. فهي لا تحتاج إلى أن تكون منطقية، بل إلى أن تكون عاطفياً نافعة. الجمهور المتعب لا يُطلب منه أن يفحص التفاصيل، بل أن يتشبث بالإحساس الذي تمنحه الرواية: نحن ما زلنا أقوياء، ما زلنا نرعب العدو، لم نخسر، وما ترونه من خراب ليس هزيمة بل ثمن بطولة. في علم نفس الجماعات، هذا النوع من الخطاب يمنح الأتباع مهرباً من الإحساس بالخذلان، ويؤجل لحظة الانفصال المؤلمة بين الإيمان القديم والواقع الجديد.

لكن الأزمة أعمق من رواية إعلامية. حزب الله يواجه مأزقاً داخلياً قاسياً، خصوصاً داخل البيئة الشيعية التي دفعت الثمن الأكبر. فالجنوب لم يعد مجرد جبهة في خطاب التعبئة، بل صار بيوتاً مهدّمة، عائلات نازحة، أرزاقاً معلّقة، وأناساً يسألون بصمت: لماذا؟ لمصلحة من؟ ومن يحاسب؟ هذه الأسئلة هي الخطر الحقيقي على الحزب، لأن السلاح يستطيع أن يخوض حرباً، لكنه لا يستطيع أن يمنع الناس إلى الأبد من إدراك الخسارة.

من زاوية علم النفس السياسي، تلجأ الجماعات المأزومة غالباً إلى ثلاث أدوات: الإنكار، والإسقاط، وإعادة التأطير. الإنكار يعني رفض الاعتراف بأن الخسارة وقعت فعلاً. الإسقاط يعني تحميل الآخرين مسؤولية الكارثة: الخصوم، العملاء، الإعلام، الدولة، أو “ضعاف النفوس”. أما إعادة التأطير فتعني تغيير اسم الهزيمة لا تغيير حقيقتها؛ فيُقال للناس إن النزوح صبر، وإن الدمار شرف، وإن فقدان الأمن دليل على أن المعركة عظيمة. بهذه الطريقة لا تُحل الأزمة، بل يُعاد تغليفها بلغة تمنع الجمهور من رؤيتها كما هي.

المشكلة أن هذا الخطاب، مع الوقت، يتحول من وسيلة دفاع إلى دليل أزمة. فالذي ينتصر فعلاً لا يحتاج إلى روايات طفولية. والذي يملك إنجازاً حقيقياً لا يحتاج إلى حكاية دبابة يُطرق بابها كما لو كانت شقة في بناية. وحين تصبح الدعاية بهذا القدر من الفجاجة، فهي لا تكشف قوة المنظومة، بل تكشف خوفها من الحقيقة. إنها تقول، من حيث لا تريد: إن الواقع صار قاسياً إلى درجة لا يمكن الدفاع عنه إلا بالخيال.

الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يهين البيئة التي يُفترض أنه يخاطبها. فهو يفترض أن الناس لا ترى، لا تفكر، ولا تقارن بين الكلام والواقع. يفترض أن الجنوبي الذي خسر بيته سيكتفي بحكاية بطولية على الشاشة. وأن الأم التي نزحت، والتاجر الذي أفلس، والمزارع الذي خسر أرضه، سيجدون عزاءهم في مشهد دعائي مصنوع على عجل. وهذه ليست دعاية فقط، بل استخفاف بوعي الناس وآلامهم.

لقد خسر حزب الله الكثير حين جعل الجنوب ورقة في مشروع إقليمي أكبر من لبنان وأكبر من قدرة اللبنانيين على الاحتمال. وخسر أكثر حين تعامل مع الشيعة كجمهور تعبئة لا كمواطنين لهم حق السؤال والمحاسبة. فالبيئة الشيعية ليست ملكية سياسية لأحد، وليست خزاناً بشرياً دائماً للحروب المفتوحة. هي ناس، وقرى، وذاكرة، ومصالح، ومستقبل أولاد. وعندما تُختزل هذه البيئة في شعار، ثم تُترك لتدفع كلفة الشعار، تبدأ الفجوة بين الحزب وجمهوره، حتى لو بقي الخوف أو الولاء أو ضغط الجماعة يمنعها من الظهور الكامل.

وهنا يجب التوقف عند مفهوم مهم في علم نفس الجماعات: ضغط الامتثال. داخل البيئات المغلقة، قد لا يصدق الجميع الرواية، لكن كثيرين يتصرفون كما لو أنهم يصدقونها، لأن الخروج على السردية العامة مكلف اجتماعياً وسياسياً. يصمت الفرد لا لأنه مقتنع، بل لأنه يخشى العزل أو التخوين أو اتهامه بالطعن في الجماعة. ومع الوقت، يتحول الصمت إلى ما يشبه الإجماع الزائف، فتظن القيادة أن جمهورها ما زال مقتنعاً، بينما يكون جزء كبير منه قد دخل مرحلة الشك المكتوم.

لهذا، فإن الكذب السياسي لا يعمل فقط من خلال ما يقوله الإعلام، بل من خلال المناخ الذي يصنعه حول الكلام. فهو لا يريد من الناس أن تصدق فحسب، بل يريدها أن تخاف من عدم التصديق. يريد أن يجعل السؤال جريمة، والشك ضعفاً، والمحاسبة خيانة. وحين تصل منظومة ما إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أنها لم تعد تدير وعياً عاماً، بل تدير قلقاً جماعياً.

هذه اللغة ليست جديدة في تاريخ الأنظمة والحركات الشمولية. جوزيف غوبلز، وزير دعاية هتلر، لم يكن مجرد كاذب عادي، بل كان مهندساً لفكرة السيطرة على الجمهور عبر التكرار، والانفعال، وصناعة عدو دائم، وإخفاء الواقع خلف مسرحية خطابية. وما نراه في هذا النوع من الروايات ينتمي إلى المنطق نفسه: كلما كبرت الخسارة، كبرت الكذبة المطلوبة لتغطيتها؛ وكلما ضاق هامش الحقيقة، ارتفع صوت الدعاية.

غير أن الدعاية، مهما بلغت قوتها، تصطدم في النهاية بالواقع المعيش. يمكنها أن تصنع بطولات على الشاشة، لكنها لا تعيد بيتاً مهدّماً، ولا تعيد اقتصاداً منهكاً، ولا تطمئن طفلاً نام شهوراً بعيداً عن قريته. يمكنها أن ترفع الصوت وتتهم المنتقدين، لكنها لا تستطيع أن تجيب عن السؤال المركزي: ماذا جنى الشيعة والجنوب من هذه المغامرات سوى مزيد من العزلة والخسائر؟

إن تبرير الهزيمة بالكذب هو المرحلة الأخيرة قبل سقوط الهيبة. فالمنظومة التي كانت تفرض الصمت بقوة السلاح والقداسة الرمزية، تجد نفسها مضطرة إلى اختراع قصص غير قابلة للتصديق كي تحافظ على صورة القوة. وهذه مفارقة قاسية: كلما أكثر الحزب من روايات البطولة المصطنعة، ازداد وضوح مأزقه. وكلما حاول إنكار الخسارة، أكد أنها أكبر من أن تُقال بصراحة.

في السياسة، الهزيمة ليست فقط أن تخسر أرضاً أو معركة. الهزيمة الأعمق أن تفقد القدرة على قول الحقيقة لجمهورك. وحين يصل حزب إلى مرحلة يحتاج فيها إلى أسطورة دبابة يُطرق بابها كأنها منزل، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد في الميدان وحده، بل في العقل الذي يدير الميدان، وفي الإعلام الذي يجمّل الكارثة، وفي القيادة التي تخشى مواجهة الناس بما فعلته بهم.

الكذب قد يمنح صاحبه وقتاً إضافياً، لكنه لا يمنحه نجاة. فالناس قد تصمت، وقد تجامل، وقد تخاف، لكنها لا تنسى. والجنوب الذي يُطلب منه أن يصفق للرواية يعرف أكثر من غيره حجم الثمن. وبين الحقيقة التي يعيشها الناس والكذبة التي تُبث على الشاشات، تتشكل لحظة وعي بطيئة لكنها عميقة: لحظة يدرك فيها الجمهور أن من يطلب منه تصديق المستحيل، إنما يهرب من محاسبته على الواقع الذي دمّره.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

الضاحية الجنوبية بين فوهة إسرائيل ووصاية إيران: مدينةٌ مخطوفة من حقّها في الحياة إلى دويلتها التي تُنتج الطاعة!

أخباركم - اخبارنا / مسعود محمد مقدمة سياسية ـ اجتماعية: كيف نقرأ الضاحية وكيف...

ميلنشون يهاجم نتنياهو: غزوات إسرائيل في لبنان تهديد لفرنسا وعلى مجلس الأمن التحرك!

أخباركم - أخبارنا قال الزعيم اليساري الفرنسي جان لوك ميلنشون إن إسرائيل «تغزو وتضمّ...

أحمدي نجاد بين الشعار والمصلحة: حين تكشف البراغماتية الإيرانية نفسها

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم يكن تقرير نيويورك تايمز الأخير عن احتمال بحث...