أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
منذ عام 2010، وأنا أقول وأحذّر، لا نقلاً عن أحد، ولا استنتاجاً متأخراً، ولا ركوباً لموجة سياسية طارئة، بل من موقع التجربة الشخصية والمعاناة المباشرة: إن بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية في لبنان مخترقة سياسياً وأمنياً من أزلام نظام الأسد وحزب الله، وإن هذه الاختراقات لم تكن وهماً ولا مبالغة ولا تنظيراً إعلامياً، بل واقعاً دفعنا ثمنه من حياتنا وكرامتنا وحقنا الطبيعي في العيش والعودة إلى وطننا.
أنا واحد من مظلومي هذه الأجهزة وفسادها. واحد ممن طالتهم الافتراءات والتعديات والتقارير الكيدية والملاحقات غير العادلة، بفعل منظومة أمنية وسياسية فاسدة، مدفوعة ومتأثرة بنفوذ حزب الله وشبكات الوصاية السورية داخل الدولة اللبنانية. منذ عام 2010، لم أزر لبنان، لا لأنني تخليت عنه، بل لأن لبنان الذي يفترض أن يكون وطناً آمناً لأبنائه، تحوّل بالنسبة إلى كثيرين من أمثالي إلى مساحة خوف وتهديد وافتراء، بفعل أجهزة كان يفترض أن تحمي المواطن، فإذا بها تتحول، في بعض مفاصلها، إلى أدوات ضغط وتشويه وملاحقة.
المشكلة لم تكن يوماً في الدولة كفكرة، بل في الذين صادروا الدولة من داخلها. لم تكن المشكلة في الجيش كمؤسسة وطنية جامعة، ولا في الأمن العام كجهاز يفترض أن يخدم القانون، ولا في أي مؤسسة يفترض أن تكون تحت سقف الدستور، بل في شبكات الولاء المزدوج داخل هذه المؤسسات: ولاء معلن للدولة، وولاء فعلي لمنظومة السلاح والفساد والمحاور الخارجية.
اليوم، عندما تأتي العقوبات الأميركية على ضباط ومسؤولين في الجيش اللبناني والأمن العام اللبناني، فهي لا تكشف حقيقة جديدة بالنسبة إليّ. إنها تؤكد ما كنت أقوله منذ أكثر من أربعة عشر عاماً: إن الاختراق ليس تفصيلاً، وإن الفساد الأمني ليس حادثاً فردياً، وإن بعض الأجهزة لم تعد تعمل دائماً وفق منطق الدولة، بل وفق منطق النفوذ السياسي والأمني الذي فرضه حزب الله وحلفاؤه وبقايا نظام الوصاية السورية.
هذه العقوبات، بمعزل عن الجهة التي أصدرتها، تفتح سؤالاً لبنانياً داخلياً لا يجوز الهروب منه: كيف يمكن أن تقوم دولة إذا كانت بعض أجهزتها السيادية مخترقة؟ كيف يمكن أن يشعر المواطن بالأمان إذا كان الأمن نفسه موضع شبهة؟ كيف يمكن أن نثق بتقارير أمنية يكتبها من قد يكون ولاؤه لحزب أو محور أو ميليشيا؟ وكيف يمكن أن نبني وطناً بينما أدوات الحماية فيه تحولت، في بعض الحالات، إلى أدوات قمع وترهيب وابتزاز سياسي؟
إن الدولة لا تسقط فقط عندما تحتلها الجيوش الأجنبية. الدولة تسقط أيضاً عندما تُخترق أجهزتها من الداخل. تسقط عندما يصبح الضابط موظفاً عند حزب لا عند الجمهورية. تسقط عندما يصبح التقرير الأمني سلاحاً ضد الخصوم لا أداة لحماية المجتمع. تسقط عندما يُلاحق المواطن السيادي والمعارض والمستقل، بينما تُحمى شبكات التهريب والسلاح والفساد. وتسقط أكثر عندما يعرف الجميع الحقيقة، لكنهم يصمتون خوفاً أو مصلحة أو تواطؤاً.
لقد قاطعتنا معظم وسائل الإعلام المحلية، وتجاهلت روايتنا، بل إن بعضها شارك في عزلنا وتشويهنا أو في السكوت عن الظلم الذي تعرضنا له. واليوم، بعد أن تبدلت الظروف، بدأت وسائل الإعلام نفسها، أو بعضها، تعيد سرد ما قلناه منذ سنوات، ولكن على لسانها، وكأنه اكتشاف جديد. والحقيقة أن الرواية لم تكن غائبة. كانت محاصرة. لم تكن ضعيفة. كانت ممنوعة. لم تكن بلا أدلة معنوية وسياسية. بل كان هناك من لا يريد أن يسمع، لأن سماع الحقيقة كان يعني مواجهة منظومة كاملة من الأمن والسياسة والإعلام والفساد.
وهنا يجب طرح السؤال المركزي: من سيحاسب هذه الأجهزة؟ من سينظفها؟ من سيعيدها إلى كنف الدولة؟ هل ننتظر من الأجهزة المخترقة أن تطهر نفسها بنفسها؟ هل نطلب من منطق الميليشيا أن يتخلى طوعاً عن نفوذه داخل الدولة؟ هل نصدق أن منظومة راكمت نفوذها عبر الترهيب والولاءات والفساد ستقرر فجأة أن تصبح دولة قانون؟
المحاسبة لا تكون ببيان إنشائي ولا بلجنة شكلية ولا بنقل ضابط من مركز إلى آخر. المحاسبة تبدأ بقرار سياسي سيادي واضح، يصدر عن رأس السلطة التنفيذية والدستورية، ويقول للبنانيين إن زمن الأجهزة فوق القانون انتهى. وهنا تقع المسؤولية أولاً على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لأنهما، دستورياً وسياسياً، معنيان بإعادة القرار الأمني والعسكري إلى كنف الدولة، وبضمان أن تكون المؤسسات السيادية خاضعة لمجلس الوزراء والدستور والقانون، لا لأي حزب أو محور أو مرجعية موازية.
هل يجيبنا رئيس الجمهورية؟ هل يجيبنا رئيس الحكومة؟ هل يملكان الجرأة على فتح ملف الاختراق الأمني والسياسي داخل مؤسسات الدولة؟ هل يملكان الشجاعة لتشكيل مسار محاسبة جدي، لا يستثني أحداً، ولا يخضع للابتزاز، ولا يختبئ خلف التوازنات الطائفية والحسابات السياسية؟ هل يعلنان للبنانيين أن كل من استخدم موقعه الأمني أو العسكري لخدمة حزب الله أو نظام الأسد أو أي جهة خارج منطق الدولة سيُحاسب وفق القانون؟
أما رئيس مجلس النواب، فلا يمكن التعويل عليه في هذا المسار، لأنه، في رأيي السياسي، جزء من المنظومة التي سهّلت الفساد وغطّت الاختلالات الكبرى في بنية الدولة. لا يمكن لمن كان شريكاً في إدارة نظام المحاصصة والتسويات والتمديد للأزمات أن يكون حكماً نزيهاً في معركة استعادة الدولة. فالذي يحتاجه لبنان ليس إدارة جديدة للفساد، بل قطيعة معه. وليس تسوية جديدة مع الدولة العميقة، بل تفكيكها.
تنظيف الأجهزة يجب أن يتم عبر مسار واضح ومحدد. أولاً، فتح تحقيقات مستقلة في الملفات الأمنية التي استُخدمت فيها التقارير الكيدية والملاحقات السياسية ضد المعارضين والسياديين والصحافيين والناشطين واللبنانيين في الاغتراب. ثانياً، مراجعة التعيينات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية على قاعدة الكفاءة والولاء الدستوري لا الولاء السياسي. ثالثاً، إخضاع الأجهزة لرقابة فعلية من مجلس الوزراء والقضاء المختص، ومنع تحول السرية الأمنية إلى غطاء للارتكابات. رابعاً، إبعاد كل من تثبت صلته بولاءات حزبية أو خارجية عن المواقع الحساسة. خامساً، حماية الضباط والعناصر الشرفاء داخل هذه المؤسسات، لأن المعركة ليست ضد الجيش ولا ضد الأمن العام ولا ضد المؤسسات، بل ضد من شوّهها واستخدمها لمصلحة مشروع غير وطني.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية أن يُقال للبنانيين: ثقوا بالدولة، بينما الدولة نفسها لم تنظف أدواتها. كيف نعتمد على أجهزة يتبع بعض أفرادها، سياسياً أو أمنياً أو عملياً، لميليشيات أخذت البلد إلى الارتهان للخارج؟ كيف نثق بأجهزة يفترض أن تحمي السيادة بينما هناك من داخلها من سهّل نفوذ من دمر السيادة؟ كيف نصدق أن هذه المؤسسات قادرة على حماية الحدود والقرار الوطني، إذا كانت مخترقة بمنطق السلاح غير الشرعي؟ وكيف نطلب من المواطن احترام الدولة، إذا كانت الدولة لا تحترم حقه في الأمن والعدالة والكرامة؟
أحد أكبر أمراض الحياة السياسية اللبنانية هو ذلك الخطاب الذي يطلب منا أن نكون “واقعيين” مع من يحمل السلاح خارج الدولة. أي أن نقبل، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتشريع فساده، وتغطية خروقاته، ومنع محاسبته، بحجة الخوف من الحرب أو بحجة وجود عدو مثل إسرائيل. وهذه هي الطامة الكبرى: أن يتحول الخوف إلى دستور، وأن تصبح الميليشيا شريكاً إلزامياً في الدولة، وأن يُطلب من الضحية الاعتراف بشرعية الجلاد باسم الاستقرار. إن مواجهة إسرائيل أو أي احتلال لا تكون بتفكيك الدولة اللبنانية من الداخل، بل ببناء دولة قوية تملك وحدها قرار الحرب والسلم. لذلك، فإن أحد أهم نضالاتنا يجب أن يكون ضد السلاح الخارج عن الشرعية، وضد ثقافة الخضوع له، وضد كل من يحاول تجميله أو تحويله إلى قدر وطني. فالدولة المخروقة لا تفاوض الاحتلال لصالح سيادتها، بل تفاوض وهي مكبلة، خاضعة، ومصادرة القرار. وفي هذه الحالة لا يكون التفاوض باسم لبنان، بل باسم السلاح الذي يمنع قيام لبنان الدولة.
الميليشيا التي تأخذ البلد إلى الخارج، أياً كان شعارها، لا تبني وطناً. الميليشيا التي تصادر قرار الحرب والسلم لا تحمي لبنان. الميليشيا التي تخترق الأجهزة لا تقوّي الدولة، بل تفرغها من مضمونها. والسلطة التي تتعايش مع هذا الواقع تصبح شريكة فيه، ولو ادعت الحياد. لأن الحياد بين الدولة واللادولة ليس حكمة، بل تواطؤ. والسكوت عن اختراق الأمن ليس توازناً، بل مشاركة في ضرب السيادة.
إن السيادة لا تكون فقط برفع العلم ولا بإلقاء الخطب ولا بالاحتفال بعيد الاستقلال. السيادة تعني أن يكون قرار الأمن بيد الدولة وحدها. أن يكون السلاح الشرعي بيد الدولة وحدها. أن تكون التقارير الأمنية لخدمة الحقيقة لا لخدمة الانتقام. أن يكون القضاء مستقلاً لا خاضعاً للمخابرات والسياسة. أن يكون المواطن قادراً على العودة إلى وطنه بلا خوف من ملف مفبرك أو وشاية حزبية أو تقرير كيدي.
لقد آن أوان تنظيف الأجهزة الأمنية والعسكرية من الفساد والاختراق والولاءات المزدوجة. آن أوان فتح ملفات الذين ظلموا الناس باسم الأمن. آن أوان مساءلة من استخدم الدولة ضد أبنائها. آن أوان إعادة هذه المؤسسات إلى كنف الجمهورية، لا كنف الميليشيا. آن أوان أن يعرف اللبنانيون من كان يحميهم ومن كان يراقبهم، من كان يخدم الوطن ومن كان يخدم المحور، من كان يحرس الدولة ومن كان ينخرها من الداخل.
أنا لا أكتب هذا الكلام من موقع الحقد، بل من موقع الحق. لا أكتبه للانتقام، بل للمحاسبة. لا أكتبه لإسقاط المؤسسات، بل لإنقاذها من الذين اختطفوها. فالجيش اللبناني يجب أن يبقى جيش الدولة لا جيش التسويات. والأمن العام يجب أن يكون أمن الجمهورية لا أمن المحاور. وسائر الأجهزة يجب أن تكون تحت سلطة الدستور لا تحت تأثير حزب أو زعيم أو نظام خارجي.
لبنان لن ينهض ما لم تُستعد الدولة من داخلها. لن ينهض ما دامت الأجهزة مخترقة. لن ينهض ما دام المواطن السيادي يخاف من مؤسسات بلده أكثر مما يخاف من الخارج. لن ينهض ما دام الفاسدون محميين، والمظلومون منفيين، والحقيقة محاصرة، والإعلام يغيّر خطابه بحسب اتجاه الريح.
المطلوب اليوم جواب واضح من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة: هل أنتم مستعدون فعلاً لاستعادة الدولة؟ هل أنتم مستعدون لتنظيف الأجهزة؟ هل أنتم مستعدون لمحاسبة من حوّل الأمن إلى أداة في يد حزب الله وبقايا نظام الأسد وشبكات الفساد؟ هل أنتم مستعدون لإعادة الاعتبار إلى اللبنانيين الذين ظلموا وطوردوا وشُوّهت سمعتهم وحُرموا من وطنهم؟
أما نحن، فقد قلنا الحقيقة منذ عام 2010، ودفعنا ثمنها. واليوم تثبت الوقائع أن التحذير كان في مكانه. المشكلة لم تكن في من رفع الصوت، بل في من أراد إسكات الصوت. لم تكن في من كشف الاختراق، بل في من حماه. لم تكن في من طالب بالدولة، بل في من حوّل الدولة إلى واجهة لمنظومة تعمل ضد الدولة.
لا دولة مع أمن مخترق. لا سيادة مع أجهزة مرتهنة. لا عدالة مع تقارير كيدية. لا وطن مع ميليشيا أقوى من الدستور. ولا خلاص للبنان إلا باستعادة قراره الأمني والعسكري والسياسي كاملاً، وبإخراج مؤسساته من قبضة الفساد والوصاية والسلاح غير الشرعي.



