أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في أيار/مايو 1985، خرج من السجون الإسرائيلية اسم لا يشبه معظم الأسماء التي ملأت قوائم التبادل. لم يكن فلسطينياً، ولا عربياً، ولا ابن مخيم أو قرية محتلة. كان يابانياً اسمه كوزو أوكاموتو، عضواً في الجيش الأحمر الياباني، وواحداً من منفذي عملية مطار اللد عام 1972. أُفرج عنه ضمن الصفقة التي عُرفت باسم صفقة جبريل، بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل.
تلك الصفقة لم تكن مجرد تبادل أسرى. كانت لحظة سياسية كثيفة في تاريخ الصراع: إسرائيل أفرجت عن نحو 1,150 أسيراً مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين كانت القيادة العامة تحتجزهم منذ حرب لبنان 1982. وبين الأسرى المحررين كان فلسطينيون ولبنانيون وعرب، لكن وجود أوكاموتو أعاد إلى الواجهة فصلاً خاصاً من تاريخ المقاومة الفلسطينية: فصل العمليات الخارجية، والتحالف مع مقاتلين أجانب، وتحويل فلسطين في سبعينيات القرن العشرين إلى قضية أممية عند حركات يسارية ثورية من اليابان وألمانيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.
الجبهة الشعبية والعمليات الخارجية
لفهم قصة أوكاموتو، لا بد من العودة إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. تأسست الجبهة بقيادة الدكتور جورج حبش كتنظيم قومي يساري ماركسي، رأى أن تحرير فلسطين لا ينفصل عن مواجهة الإمبريالية والرجعية والهيمنة الغربية. داخل هذا الإطار ظهر دور الطبيب الفلسطيني وديع حداد، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب ثم الجبهة الشعبية، والذي أصبح لاحقاً العقل الأبرز وراء جهاز العمليات الخارجية.
وديع حداد، المعروف باسم أبو هاني، لم يكن مجرد قائد ميداني. كان مهندساً لشبكة عابرة للحدود. آمن بأن نقل المعركة إلى المطارات والطائرات والعواصم العالمية سيجبر العالم على الالتفات إلى القضية الفلسطينية. في تلك المرحلة، ارتبط اسمه بسلسلة من عمليات خطف الطائرات والعمليات الدولية التي جعلت الجبهة الشعبية تنظيماً معروفاً عالمياً، لا فلسطينياً فقط.
هذا النهج خلق خلافات داخلية وسياسية. فبينما رأى حداد ومن حوله أن “العالم لا يسمع إلا صوت الصدمة”، رأت أطراف أخرى أن العمليات الخارجية قد تجر على الفلسطينيين عزلة دولية وتمنح خصومهم مادة لتصوير القضية كلها كقضية عنف لا قضية تحرر. لاحقاً، ابتعد حداد عملياً عن الخط الرسمي للجبهة الشعبية، لكن اسمه بقي مرتبطاً بجهاز العمليات الخارجية وبشبكاته الدولية.
لماذا استخدمت الجبهة مقاتلين أجانب؟
استخدام مقاتلين أجانب لم يكن تفصيلاً عابراً. كان جزءاً من تفكير أمني وسياسي في آن واحد.
أمنياً، كانت إسرائيل وأجهزة المطارات تركز على المسافرين العرب والفلسطينيين. دخول عناصر يابانيين إلى مطار إسرائيلي كان أقل إثارة للشبهات في ذلك الوقت. ومن هنا جاءت خطورة الفكرة: مقاتلون لا يحملون ملامح أو جوازات السفر التي يتوقعها الأمن الإسرائيلي.
سياسياً، أرادت الجبهة الشعبية أن تقدم فلسطين بوصفها مركزاً لنضال عالمي. كان ذلك زمن فيتنام، والثورة الكوبية، وحركات التحرر في أفريقيا، واليسار الطلابي في أوروبا واليابان. في هذا المناخ، رأى بعض الراديكاليين اليابانيين أن فلسطين ليست قضية محلية بل جبهة من جبهات الثورة العالمية.
ومن هذه البيئة جاء الجيش الأحمر الياباني، التنظيم اليساري المسلح الذي أسسته وقادته شخصيات مثل فوساكو شيغينوبو. انتقل عدد من أعضائه إلى الشرق الأوسط، وارتبطوا بالجبهة الشعبية، خصوصاً بجهاز وديع حداد. لم تكن العلاقة علاقة تعاطف إعلامي فقط، بل وصلت إلى مستوى التدريب والتخطيط والتنفيذ.
عملية مطار اللد: لحظة الصدمة
في 30 أيار/مايو 1972، وصل ثلاثة يابانيين إلى مطار اللد قرب تل أبيب، وهو مطار بن غوريون اليوم. كانوا: كوزو أوكاموتو، تسويوشي أوكودايرا، وياسويُكي ياسودا. دخلوا كمسافرين عاديين، ثم أخرجوا أسلحة وقنابل من حقائبهم وفتحوا النار داخل المطار.
قُتل في العملية 26 شخصاً وجُرح العشرات. كان بين القتلى عدد كبير من الحجاج المسيحيين من بورتوريكو، إضافة إلى إسرائيليين وآخرين. لذلك، في الذاكرة الإسرائيلية والغربية، تُعرف العملية باسم “مجزرة مطار اللد” أو “هجوم مطار اللد”. أما في أدبيات بعض التنظيمات الفلسطينية واليسارية فقد وُصفت بأنها عملية ضد إسرائيل. الدقة التاريخية تفرض هنا عدم إخفاء أن معظم الضحايا كانوا مدنيين، وأن العملية استُخدمت لاحقاً مثالاً على عنف العمليات العابرة للحدود في السبعينيات.
قُتل اثنان من المنفذين، وبقي كوزو أوكاموتو حياً بعد إصابته واعتقاله. حوكم أمام محكمة إسرائيلية وحُكم عليه بالسجن المؤبد. خلال المحاكمة ظهر بوصفه شاباً مؤدلجاً لا يسعى للدفاع عن نفسه بالمعنى التقليدي، بل لتأكيد أنه تصرف كـ“جندي في الثورة”، بحسب ما نُقل عنه في أكثر من مصدر.
دور وديع حداد
الدور المركزي في عملية اللد يُنسب تاريخياً إلى وديع حداد وجهاز العمليات الخارجية التابع للجبهة الشعبية. حداد كان صاحب المدرسة التي جمعت بين القضية الفلسطينية وشبكات اليسار المسلح العالمي. في حالة اللد، كانت الفكرة الأساسية أن يقوم غير العرب بتنفيذ عملية لا يتوقعها الأمن الإسرائيلي.
تذكر مصادر عدة أن عناصر الجيش الأحمر الياباني تدرّبوا في لبنان، وأن التخطيط كان في إطار التعاون بين الجبهة الشعبية والجيش الأحمر الياباني. لا يعني ذلك أن كل تفصيل تنفيذي معروف بدقة، لكن الخط العام ثابت: العملية وُلدت داخل شبكة وديع حداد، ونفذها يابانيون من الجيش الأحمر.
هنا يجب التفريق بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية – القيادة العامة. عملية اللد ارتبطت بالجبهة الشعبية الأصلية وجهاز وديع حداد، أما صفقة 1985 التي أُفرج فيها عن أوكاموتو فكانت مع القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، وهي تنظيم فلسطيني آخر انشق عن الجبهة الشعبية في أواخر الستينيات واتخذ لاحقاً مساراً عسكرياً وسياسياً مختلفاً.
كارلوس وشبكة العمليات الخاصة
في تلك المرحلة لم تكن العمليات الخارجية للجبهة الشعبية محصورة بالفلسطينيين وحدهم. فقد تشكل حول جهاز العمليات الخاصة فضاء أممي مسلح ضم مقاتلين ومتعاونين من جنسيات مختلفة، من بينهم عناصر من الجيش الأحمر الياباني، وشخصيات لاحقة اشتهرت عالمياً مثل إليتش راميريز سانشيز المعروف باسم كارلوس. وكان هذا كله ضمن الرعاية والتوجيه السياسي والعملياتي لوديع حداد، الذي جعل من العمليات الخارجية إحدى أكثر أدوات الجبهة الشعبية حضوراً وإثارة للجدل في السبعينيات.
من اللد إلى صفقة جبريل
بعد اعتقاله عام 1972، قضى أوكاموتو نحو ثلاثة عشر عاماً في السجون الإسرائيلية. ظل اسمه حاضراً في مطالبات تنظيمات يسارية وفلسطينية خلال السبعينيات، لكنه لم يُفرج عنه إلا في صفقة 1985.
الصفقة التي حملت اسم أحمد جبريل جاءت بعد حرب لبنان 1982. كانت القيادة العامة قد أسرت ثلاثة جنود إسرائيليين، ودخلت في مفاوضات طويلة انتهت بالإفراج عن أكثر من ألف أسير. في تلك اللحظة، عاد أوكاموتو إلى الواجهة، لا كمنفذ عملية فقط، بل كرمز لذلك الزمن الذي اختلطت فيه فلسطين باليسار الثوري العالمي.
كان الإفراج عنه شديد الرمزية. بالنسبة إلى مؤيديه، كان دليلاً على وفاء الفلسطينيين لمن قاتل معهم من خارج قوميتهم ودينهم ولغتهم. وبالنسبة إلى خصومه، كان إطلاق سراحه مثالاً على ما عدّوه ثمناً باهظاً لصفقات التبادل، خصوصاً أنه كان مداناً بعملية قُتل فيها مدنيون كثيرون.
القيادة العامة وصفقة الأسرى
الجبهة الشعبية – القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل، كانت تنظيماً عسكرياً صلباً، أقرب إلى العمل الأمني والعسكري منه إلى العمل الجماهيري الواسع. منذ انشقاقها عن الجبهة الشعبية، ركزت على العمليات العسكرية الخاصة، وتمايزت بعلاقاتها الإقليمية، خصوصاً مع سوريا.
في صفقة 1985، ظهرت القيادة العامة كلاعب قادر على فرض معادلة تبادل كبيرة. إسرائيل، التي كانت ترفض طويلاً إطلاق أعداد ضخمة من الأسرى، وجدت نفسها أمام ملف جنودها الأسرى في لبنان. النتيجة كانت واحدة من أكبر صفقات التبادل في تاريخ الصراع حتى ذلك الوقت.
هذه الصفقة تركت أثراً عميقاً داخل المجتمع الفلسطيني. مئات الأسرى عادوا إلى الضفة وغزة ولبنان والخارج. بعض المحررين أصبحوا لاحقاً فاعلين في الحياة السياسية والتنظيمية، وجاءت الصفقة قبل أقل من ثلاث سنوات من اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987. لذلك، لا يمكن فصل أثرها النفسي والسياسي عن المناخ الذي سبق الانتفاضة.
كوزو بعد الإفراج
بعد الإفراج عنه، لم يعد أوكاموتو إلى اليابان. اليابان كانت تطالب به، وتعتبره مطلوباً. عاش في لبنان، في محيط الفصائل الفلسطينية واليسارية. وفي عام 1997 اعتقلته السلطات اللبنانية مع آخرين من الجيش الأحمر الياباني بتهم تتعلق بوثائق مزورة وإقامات غير قانونية. لاحقاً، رُحّل رفاقه إلى اليابان، أما هو فمُنح اللجوء السياسي في لبنان عام 2000.
منذ ذلك الحين بقي أوكاموتو في لبنان، بعيداً عن الظهور المستمر. في الإعلام الياباني والإسرائيلي والغربي ظل مطلوباً ومداناً. في بعض الأوساط الفلسطينية بقي رمزاً لشخص أجنبي دفع حياته في سبيل قضية لم تكن قضيته الوطنية المباشرة. آخر ظهوره الإعلامي الواسع كان في بيروت في مناسبات مرتبطة بذكرى عملية اللد، وقد ظهر مسناً وضعيفاً، يعيش على هامش الذاكرة أكثر مما يعيش في قلب السياسة.
بين الرمز والجرح
قصة كوزو أوكاموتو ليست قصة رجل واحد فقط. هي مرآة لزمن كامل. زمن كانت فيه فلسطين مركز جذب لحركات ثورية عابرة للقارات، وكانت فيه الجبهة الشعبية، عبر وديع حداد، تحاول نقل الصراع إلى المسرح الدولي. وهو أيضاً زمن كشفت عملياته حدود هذا النهج وكلفته الإنسانية والسياسية، خصوصاً عندما وقع مدنيون ضحايا في عمليات أرادت أن تضرب إسرائيل لكنها انتهت إلى جرح ذاكرات أخرى بعيدة، مثل عائلات الحجاج القادمين من بورتوريكو.
من هنا تأتي صعوبة الكتابة عن أوكاموتو. فهو في رواية، “أممي” جاء من اليابان ليقاتل مع فلسطين. وفي رواية أخرى، مسلح شارك في قتل مدنيين في مطار. وكلا البعدين حاضران في التاريخ. لا يمكن اختزاله في صورة البطل وحدها، ولا في صورة المجرم وحدها، إذا أردنا أن نكتب تاريخاً لا دعاية.
أما وديع حداد، فبقي اسمه مرتبطاً بأكثر مراحل العمل الفلسطيني الخارجي جرأة وإثارة للجدل. وأما كارلوس، فكان أحد الأسماء التي حضرت في فضاء العمليات الخاصة العابرة للحدود. وأما صفقة جبريل، فقد أعادت أوكاموتو من السجن إلى السياسة، ومن حكم المؤبد إلى لجوء طويل في لبنان.
في أيار/مايو 1985 لم يتحرر كوزو أوكاموتو وحده. تحررت معه ذاكرة كاملة من السبعينيات: ذاكرة الجبهة الشعبية، ووديع حداد، والجيش الأحمر الياباني، والعمليات الخارجية، والسؤال الصعب الذي ظل يرافق ذلك الزمن: إلى أي مدى يمكن لقضية عادلة أن تتحمل وسائل دامية، وإلى أي حد يستطيع التاريخ أن يفصل بين التضامن، والعنف، والرمز، والضحية؟



