أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
حين نتحدث عن كوبا، لا نتحدث فقط عن جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي، بل عن تجربة صحية استثنائية جعلت من الطب أحد أعمدة الدولة والمجتمع والسياسة الخارجية. فمنذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959، اختارت كوبا أن تجعل الصحة والتعليم حقين أساسيين لا امتيازين طبقيين. ورغم الحصار الاقتصادي، وقلة الموارد، والأزمات التي مرّت بها البلاد، استطاعت كوبا أن تبني نظامًا صحيًا ذا حضور داخلي قوي وتأثير عالمي واسع.
البعثة الطبية إلى الجزائر: بداية الطب الأممي الكوبي
في 23 مايو/أيار 1963، أرسلت كوبا أول بعثة طبية أممية كبيرة لها بعد الثورة إلى الجزائر، التي كانت قد خرجت حديثًا من حرب تحرير طويلة ضد الاستعمار الفرنسي. وقد ضمّت البعثة 29 طبيبًا، و4 أطباء أسنان، و14 ممرضًا، و7 فنيين صحيين.
كانت الجزائر آنذاك تواجه أزمة صحية حادة بعد الاستقلال، إذ غادر عدد كبير من الأطباء الفرنسيين البلاد، ووجدت الدولة الجديدة نفسها أمام نقص خطير في الكوادر الطبية. لذلك لم تكن المساعدة الكوبية مجرد عمل رمزي، بل كانت تدخلًا إنسانيًا في لحظة حرجة، يعكس رؤية كوبا للطب بوصفه شكلًا من أشكال التضامن بين الشعوب لا مجرد مهنة تقنية.
هذه البعثة دشّنت ما صار يُعرف لاحقًا باسم الأممية الطبية الكوبية، أي إرسال أطباء وممرضين وفنيين إلى دول تحتاج إلى دعم صحي، خصوصًا في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا. وخلال أكثر من ستة عقود، أرسلت كوبا مئات الآلاف من العاملين في القطاع الصحي إلى أكثر من 160 دولة، وهو ما جعل الطب الكوبي أحد أبرز وجوه حضورها الدولي.
الصحة في كوبا: حق لا سلعة
أهمية الطب في كوبا تنبع أولًا من فلسفة النظام الصحي نفسه. فقد تعاملت الدولة الكوبية مع الصحة باعتبارها حقًا عامًا، ولذلك ركزت على الوقاية، والرعاية الأولية، والطب المجتمعي، لا على العلاج المتأخر فقط. يقوم النموذج الكوبي على وجود طبيب أسرة وممرضة قريبين من المجتمع المحلي، يتابعان الأسر والأطفال والنساء وكبار السن، ويهتمان بالكشف المبكر عن الأمراض.
هذا التوجه الوقائي مكّن كوبا من تحقيق مؤشرات صحية لافتة مقارنة بإمكاناتها الاقتصادية. فرغم أن كوبا ليست دولة غنية، فإنها استثمرت بكثافة في بناء نظام صحي واسع، وفي تكوين الأطباء والممرضين، وفي جعل الرعاية الطبية قريبة من المواطنين في المدن والقرى على حد سواء.
وقد ساعد هذا النموذج على تحسين صحة السكان، وتقليل آثار الفقر على الخدمات الصحية، ورفع مستوى الوعي بالوقاية والتلقيح وصحة الأم والطفل. ولذلك كثيرًا ما تُذكر كوبا بوصفها مثالًا على أن جودة الصحة العامة لا تعتمد فقط على حجم الثروة، بل على طريقة تنظيم الموارد وتحديد الأولويات.
التعليم الطبي والمنح لأبناء العالم الثالث
لم تكتفِ كوبا بإرسال أطبائها إلى الخارج، بل فتحت أبواب التعليم الطبي أمام آلاف الطلاب من الدول الفقيرة والنامية. ومن أبرز المؤسسات في هذا المجال المدرسة اللاتينية الأميركية للطب، المعروفة اختصارًا باسم ELAM، وهي مشروع تعليمي تأسس لتدريب أطباء من بلدان مختلفة، خصوصًا من المجتمعات الفقيرة والمهمشة.
قدّمت كوبا منحًا دراسية لطلاب من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط، ومنحتهم فرصة دراسة الطب مجانًا أو بتكاليف منخفضة جدًا، على أن يعود كثير منهم إلى بلدانهم لخدمة مجتمعاتهم. وقد كان هذا التوجه شديد الأهمية لأن دول العالم الثالث عانت طويلًا من نقص الأطباء، ومن هجرة الكفاءات، ومن تركّز الخدمات الصحية في المدن الكبرى.
هذه المنح لم تكن مجرد مساعدات تعليمية، بل كانت جزءًا من رؤية سياسية وإنسانية أوسع: تدريب أبناء العالم الثالث ليعودوا إلى بلدانهم ويخدموا الناس في القرى والأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة، بدل أن تبقى الدول الفقيرة معتمدة دائمًا على خبراء أجانب أو على أنظمة صحية باهظة التكلفة.
وهنا تظهر أهمية التجربة الكوبية؛ فهي لم تكتفِ بعلاج المرضى في دول أخرى، بل ساعدت على تكوين أطباء من تلك الدول نفسها. وهذا النوع من الدعم أكثر استدامة، لأنه يبني قدرة محلية داخل المجتمعات المحتاجة، ويجعل المعرفة الطبية وسيلة للتحرر والتنمية.
الطب كقوة ناعمة ووسيلة تضامن
الطب في التجربة الكوبية لم يكن قطاعًا داخليًا فقط، بل صار أداة من أدوات السياسة الخارجية والقوة الناعمة. ففي أوقات الكوارث، الأوبئة، والزلازل، كثيرًا ما ظهرت الفرق الطبية الكوبية في دول تعاني من نقص في الموارد. وقد برز ذلك في أزمات مثل الزلازل، والأوبئة، ومكافحة الإيبولا، وجائحة كوفيد-19، حيث أرسلت كوبا فرقًا طبية إلى عدة دول.
هذا الحضور جعل الطبيب الكوبي رمزًا للتضامن في نظر كثير من شعوب الجنوب العالمي. فالرسالة التي أرادت كوبا تقديمها هي أن الدولة الصغيرة، حتى إن كانت فقيرة الموارد، تستطيع أن تساهم في إنقاذ الأرواح إذا جعلت الإنسان مركز سياستها.
كما أن هذه السياسة منحت كوبا مكانة معنوية كبيرة في العالم. فبينما بنت دول كثيرة نفوذها عبر المال أو السلاح أو الشركات الكبرى، بنت كوبا جزءًا مهمًا من حضورها العالمي عبر الأطباء والمعلمين والبعثات الإنسانية. ولذلك ارتبط اسمها في ذاكرة كثير من الشعوب بالمستشفى الميداني، والطبيب المتطوع، والبعثة الصحية التي تصل في لحظة الحاجة.
تطور الطب الكوبي: من الرعاية الأولية إلى التكنولوجيا الحيوية
تميزت كوبا أيضًا بتطوير مجال الطب والبحث العلمي، خصوصًا في اللقاحات، والصحة العامة، والتكنولوجيا الحيوية. ورغم الصعوبات الاقتصادية، استثمرت الدولة في التعليم الطبي والبحث، وربطت بين الجامعة والمستشفى والمجتمع. لذلك لا يقوم النموذج الكوبي فقط على كثرة الأطباء، بل على تكوين طبيب ذي وظيفة اجتماعية، يتعامل مع المرض في سياقه العائلي والبيئي والاقتصادي.
ومن أهم عناصر تطور الطب الكوبي أن النظام الصحي ركز على الوقاية قبل العلاج. فبدل انتظار المرضى في المستشفيات، ينطلق الأطباء إلى الأحياء والقرى لمتابعة الحالات، وتسجيل المخاطر، وتنظيم حملات التلقيح، ومراقبة صحة الأم والطفل. هذه الفلسفة جعلت الصحة العامة جزءًا من الحياة اليومية.
كما ساعد الاهتمام بالتكنولوجيا الحيوية على تطوير قدرات كوبا العلمية، خصوصًا في مجالات اللقاحات والأدوية وبعض العلاجات المتخصصة. وقد أصبح هذا المجال أحد مصادر الاعتزاز الوطني في كوبا، لأنه يثبت أن البحث العلمي ليس حكرًا على الدول الغنية، بل يمكن لدولة محاصَرة ومحدودة الموارد أن تبني خبرة علمية إذا وضعت التعليم والصحة في قلب مشروعها الوطني.
التحديات والانتقادات
مع ذلك، من المهم أن يكون التقييم متوازنًا. فالبرنامج الطبي الخارجي الكوبي تعرّض لانتقادات، خصوصًا من حكومات ومنظمات تتهم كوبا باقتطاع جزء كبير من أجور الأطباء العاملين في الخارج أو فرض قيود عليهم. في المقابل، تدافع كوبا وحلفاؤها عن هذه البرامج باعتبارها اتفاقات تعاون بين دول، وتقول إن عوائدها تساعد في تمويل النظام الصحي العام داخل البلاد.
إذن، لا يمكن فهم التجربة الكوبية بصورة سطحية؛ فهي تجربة تحمل إنجازات صحية وإنسانية واضحة، لكنها تعيش أيضًا داخل سياق سياسي واقتصادي معقد. ومع ذلك، فإن النقد لا يلغي الأثر الكبير الذي تركته هذه التجربة في ملايين المرضى والطلاب والأطباء حول العالم.
إن أهمية الطب في كوبا لا تكمن فقط في عدد الأطباء أو المستشفيات، بل في المعنى الذي أعطته كوبا لمهنة الطب. فقد جعلت الطبيب جزءًا من مشروع اجتماعي داخلي، ورسول تضامن خارجي. ومن الجزائر عام 1963 إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، تحوّل الطب الكوبي إلى لغة سياسية وإنسانية تقول إن الصحة حق عالمي، وأن إنقاذ الإنسان لا يجب أن يكون مشروطًا بالثروة أو الجغرافيا أو التحالفات السياسية.
لقد أثبتت كوبا أن الاستثمار في الإنسان، في الطبيب والممرض والمعلم والطالب، يمكن أن يمنح دولة صغيرة تأثيرًا عالميًا يتجاوز حجمها الاقتصادي والعسكري. ورغم كل الصعوبات والانتقادات، تبقى التجربة الطبية الكوبية واحدة من أبرز تجارب القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين في ربط الصحة بالعدالة الاجتماعية والتضامن الأممي.



