السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

شعرية الضوء والهوية والبعد الصوفي في ديوان أمنح شعوبي أسمائي الـ7 للشاعرة «هالة نهرا» 

نشرت في

أخباركم أخبارنا/ الإعلامي والشاعر مروان شيخي

يُشكّل ديوان أمنح شعوبي أسمائي الـ7 للشاعرة هالة نهرا تجربةً شعريةً تنتمي إلى الكتابة الحديثة التي تتجاوز حدود القصيدة التقليدية نحو فضاءٍ مفتوحٍ من الرؤى والرموز والتداعيات الحسية والوجدانية. ديوانٌ يكتب الحبَّ بوصفه طاقةً كونية، ويكتب الإنسان بوصفه كائناً هشّاً ومتمرّداً في آنٍ معاً، كما يكتب الوطن بوصفه جرحاً وحلماً وقيامةً مؤجّلة.

منذ العنوان، تضعنا الشاعرة  هاله أمام بنية رمزية كثيفة؛ ففعل «أمنح» يحمل دلالة العطاء الروحي والفيض الداخلي، بينما تحيل «شعوبي» إلى جماعاتٍ إنسانيةٍ لا إلى فردٍ واحد، أمّا «أسمائي السبعة» فتفتح الباب على تعددية الهوية وتشظّي الذات وثرائها في الوقت نفسه، وكأنّ الشاعرة لا تمتلك اسماً واحداً بل أرواحاً متعددة تتوزع بين الحب والوطن والأنوثة والتمرد واللغة.

تقوم لغة الديوان على شعرية الانزياح وكثافة الصورة. فالنصوص لا تعتمد السرد المباشر، بل تبني عالماً من الاستعارات المتدفقة التي تتشابك فيها الطبيعة مع الجسد، والموسيقى مع الضوء، والحب مع الفلسفة. ففي قصيدة «عيونك الخضر» تتحول العينان إلى فضاء كوني متعدد الألوان والأحجار الكريمة والبحيرات والطيور، فتقول الشاعرة:

«عيونك الخضر زيتون وياقوت وزمرد»

وهنا تتجاوز العين معناها الحسي لتغدو وطناً جمالياً وروحياً، بينما يتداخل الأخضر ـ بوصفه لون الحياة ـ مع رموز الطبيعة اللبنانية والمتوسطية.

وتتميّز القصائد بحضورٍ موسيقي داخلي عالٍ، حتى في قصائد النثر. فالإيقاع لا ينبع من الوزن الخليلي، بل من التكرار والتنغيم وتوزيع الجمل الشعرية. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصيدة «في مواقد الكلمات نار تضيء العالم»، حيث يتحول الشعر إلى فعل خلاص جماعي:

«فلننـفخ نارنا في مواقد الكلمات

لندفئ الكوكب البارد»

وهنا تؤمن الشاعرة بدور اللغة في مقاومة القسوة والخراب، فتغدو القصيدة فعلاً إنسانياً وأخلاقياً، لا مجرد بناء جمالي.

ومن أبرز سمات الديوان تداخل الحواس فيما يُعرف بـ«تراسل الحواس»، حيث نرى الضوء يُلمس، والعطر يُسمع، والموسيقى تُرى. ففي نص «يا ضوء الأضواء» يتحول الضوء إلى كائن حيّ يتنفس ويلاعب الذات:

«الضوء متيم بالصيرورة، يحب أن يلعب ويضحك»

وهذا التشخيص يمنح النص بعداً صوفياً يجعل الضوء رمزاً للحقيقة الداخلية وللتطهر الروحي.

كما تحضر الثقافة العالمية داخل الديوان بوصفها جزءاً من نسيج النص، لا مجرد استعراض ثقافي. فنجد إشارات إلى بابلو بيكاسو وسلفادور دالي وأوغست رينوار وجان بول سارتر، كما تستحضر الشاعرة موسيقى الـJazz والتانغو والفنون التشكيلية والفلسفة، لتؤكد أن الشعر فضاءٌ كونيّ عابر للحدود. ففي إحدى القصائد تقول:

«تراءت في مراياها انطباعية رينوار

وسريالية دالي

وتكعيبية بيكاسو»

وهذا التداخل بين الفنون يمنح النص بعداً بصرياً وتشكيلياً واضحاً.

وعلى الرغم من الطابع العاطفي الطاغي، فإن الديوان لا ينفصل عن الواقع الإنساني والسياسي. ففي قصيدة «القيامة ستقوم» يظهر لبنان الجريح بوصفه صورة للانكسار العربي، لكن الشاعرة لا تستسلم لليأس، بل تؤسس لخطاب مقاومة إنساني:

«القيامة ستقوم»

إنها جملة تختصر فلسفة الديوان بأكمله؛ فحتى وسط الخراب، يبقى الشعر قادراً على إنتاج الأمل.

كما أن الأنثى في هذا الديوان ليست موضوعاً للحب فحسب، بل ذاتاً فاعلة تمتلك لغتها ورؤيتها وتمردها. فهي أنثى عاشقة، لكنها أيضاً مفكرة ومتمردة وكونية. ويتجلى ذلك في الجرأة التعبيرية واللغة الحرة التي تكسر القوالب التقليدية للعلاقة بين الرجل والمرأة، لتجعل الحب حالة وجودية تتجاوز الجسد نحو المطلق.

أما على المستوى الأسلوبي، فتتميّز هالة نهرا بجمل شعرية طويلة متدفقة، تعتمد أحياناً على التداعي الحر، ما يمنح النص طابعاً أقرب إلى النشيد الداخلي أو التأمل الصوفي. كما تستخدم اللغة المحكية اللبنانية في بعض النصوص، خصوصاً في الصفحات الأخيرة من الديوان، فتنتقل القصيدة من الفصحى العالية إلى العامية الشعرية من دون أن تفقد جماليتها، بل تكتسب حرارةً وقرباً من الوجدان الشعبي. وهذا التنوع اللغوي يعكس مرونة صوتها الشعري وقدرته على التلوّن.

إنّ ديوان أمنح شعوبي أسمائي الـ7 ليس مجرد مجموعة قصائد حب، بل مشروع شعري قائم على الاحتفاء بالحياة والجمال والإنسان والحرية. إنّه ديوان يكتب العالم بوصفه قصيدةً مفتوحة على الضوء، ويمنح اللغة وظيفةً تتجاوز التعبير إلى الخلق وإعادة تشكيل الواقع.

لقد استطاعت هالة نهرا أن تخلق صوتاً شعرياً خاصاً بها، يقوم على المزج بين الرومانسية الحديثة، والنزعة الصوفية، والوعي الجمالي، والانفتاح الثقافي، لتقدّم تجربةً شعريةً تنتمي إلى القصيدة العربية المعاصرة بكل ما فيها من قلقٍ ودهشةٍ وحلم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...