أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في خطاب “التحرير الثالث”، لم يقدّم الشيخ نعيم قاسم جوابًا يطمئن اللبنانيين، بل أعاد فتح السؤال الأهم: هل صار قدر هذا البلد أن يدخل الحرب بقرار خارج الدولة، ثم يدفع الناس الثمن، قبل أن يُطلب منهم الاحتفال بالخروج من الكارثة؟
لا يرفض اللبنانيون تحرير الأرض ولا حماية السيادة. المشكلة أن يتحول “التحرير” إلى دورة سياسية متكررة: سلاح خارج المؤسسات، قرار حرب لا يمر بالحكومة، دمار واسع، ثم خطاب انتصار وإعادة إعمار. بهذا المعنى، لا يعود التحرير نهاية للاحتلال، بل يصبح وسيلة لإنتاج شرعية جديدة بعد كل خراب.
السؤال المباشر للشيخ نعيم قاسم هو: كم مرة ستتسببون بالاحتلال كي تعودوا وتقولوا إنكم حررتم؟ وكم مرة ستتسببون بالتدمير كي تعودوا وتقولوا إنكم ستعمّرون؟ من أعطى أي حزب، مهما كان اسمه وتاريخه، حق مصادرة قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانية؟
حين يقول حزب مسلح “لن نسلّم السلاح”، فهو لا يطلق موقفًا سياسيًا عابرًا، بل يعلن عمليًا أن هناك سلطة فوق السلطة، وقرارًا فوق القرار، وقانونًا فوق القانون. الدولة التي لا تحتكر السلاح ليست دولة كاملة السيادة، والحكومة التي لا تملك قرار الحرب ليست حكومة فعلية، والجيش الذي يتحمل المسؤولية من دون امتلاك القرار يُدفع إلى موقع مستحيل.
الأخطر أن هذا المنطق لا يقف عند السلاح. فهناك اقتصاد موازٍ ومؤسسات مالية واجتماعية تعمل إلى جانب الدولة لا داخلها. وهنا يصبح السؤال سياديًا وقانونيًا: من أعطاكم الحق في بناء اقتصاد موازٍ باسم “القرض الحسن” أو غيره؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ ومن يضمن حقوق الناس عندما تكون مؤسسات الأمر الواقع أقوى من مؤسسات الجمهورية؟
لا تُبنى الدولة بمنطق: نحن نقرر وأنتم تتحملون. ولا تستقيم السيادة إذا استُخدمت شعارًا في وجه الخارج، ثم جرى تعليقها في الداخل عند ملف السلاح. فإما أن تكون السيادة للدولة كاملة، أو لا تكون.
أما القول إن السلاح باقٍ إلى أن تصبح الدولة قادرة، فهو حلقة بلا نهاية. الدولة لن تقوى ما دام هناك من يحتفظ لنفسه بحق تجاوزها، والمؤسسات لن تستعيد دورها ما دامت ممنوعة من احتكار القرار. بهذا المنطق، يصبح ضعف الدولة ذريعة لبقاء السلاح، وبقاء السلاح سببًا دائمًا لضعف الدولة.
إعادة الإعمار لا يجب أن تكون صك براءة لمن تسبب بالدمار. البيوت التي تُهدم ليست مادة للخطابات، بل حياة عائلات وذاكرة قرى ومدن ومستقبل أطفال. قبل أن نقول للناس “سنعمر”، يجب أن نسأل: لماذا دُمّرنا أصلًا؟ ومن قرر؟ ومن حاسب؟ ومن يضمن ألا يتكرر الأمر؟
لبنان لا يحتاج إلى “تحرير ثالث” بقدر ما يحتاج إلى تحرير قراره الوطني من منطق الدويلة. يحتاج إلى دولة واحدة، جيش واحد، اقتصاد واحد، وقانون واحد على الجميع. فليس كل من يرفض السلاح غير الشرعي خائنًا، وليس كل من يطالب بالدولة عميلًا، وليس كل من يسأل عن المحاسبة عدوًا للمقاومة.
المقاومة الوطنية لا تخاف الدولة ولا تستبدلها. تنتهي في دولة قوية، لا في حزب أقوى من الدولة. أما حين يتحول السلاح إلى هوية سياسية دائمة، ويصبح التحرير موسمًا خطابيًا متجددًا، يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف تحرير الأرض، أم إبقاء البلد معلّقًا بين حرب وحرب؟
الرد على خطاب “التحرير الثالث” يجب أن يكون واضحًا: لا نريد تحريرًا جديدًا من احتلال جديد. نريد منع الاحتلال قبل وقوعه، ومنع الدمار قبل أن يبدأ. نريد أن يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية وحدها.
ومن يقول “لن نسلّم السلاح”، عليه أن يجيب اللبنانيين بصراحة: بأي حق تضع نفسك خارج القانون؟



