السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

جورج حبش وتشي غيفارا: طبيبان على جرح العالم!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

وُلد جورج حبش في مدينة اللد عام 1926، في بيت فلسطيني مسيحي أرثوذكسي ميسور، وتعلّم في مدارسها قبل أن ينتقل إلى بيروت، حيث درس الطب في الجامعة الأميركية وتخرّج طبيباً متفوقاً. كان يمكن لذلك الشاب اللامع أن يعيش حياة هادئة في عيادته، وأن يكتفي بمداواة الأجساد المتعبة، لكن نكبة 1948 غيّرت مسار حياته إلى الأبد. رأى اللد تُقتلع من أهلها، ورأى اللاجئين يمشون في طرق العطش والخوف والمنفى، فصار جرح فلسطين أكبر من أي عيادة، وأوسع من أي وصفة علاج.

وفي قارة بعيدة، وُلد إرنستو تشي غيفارا في الأرجنتين عام 1928، في عائلة ميسورة ومثقفة، ودرس الطب أيضاً. حمل في شبابه أسئلة الإنسان القلقة، وجال في أميركا اللاتينية، فرأى الفقر والمرض والظلم والاستغلال، ورأى كيف يتحوّل الإنسان تحت القهر إلى رقم منسيّ على هامش الحياة. هناك، كما حدث مع حبش في فلسطين، خرج الطبيب من حدود المهنة إلى معنى الرسالة، واكتشف أن الجسد لا يُشفى حقاً إذا بقي الوطن مريضاً، وأن الدواء لا يكفي حين يكون المرض اسمه الظلم.

هكذا التقى الرجلان، رغم اختلاف الجغرافيا واللغة والتجربة، في معنى واحد: طبيبان وجدا أن أعمق الجراح ليست في اللحم والدم، بل في الأرض المسلوبة، والكرامة المهدورة، والإنسان المقهور. جورج حبش صار “الحكيم” الفلسطيني الذي حمل اللد وفلسطين في قلبه حتى آخر العمر، وتشي غيفارا صار الثائر الأممي الذي حمل فقراء العالم في حقيبته ومضى خلف حلم العدالة حتى نهايته.

لاحقاً، كانا رمزين لأحلامنا؛ لا لأنهما كانا كاملين، فالتاريخ لا يصنع ملائكة، بل لأنهما منحا شبابنا صورة الإنسان الذي لا يساوم على الحق، ولا يعتاد الهزيمة، ولا يقبل أن يتحول الظلم إلى قدر. كانا بالنسبة إلينا أكثر من صورتين على الجدران: كانا وعداً بأن العالم يمكن أن يتغيّر، وأن الإنسان يستطيع أن يقف في وجه المستحيل حين يؤمن أن الحرية تستحق العمر كله.

كانا رمزين لأحلام شبابنا، لا لأنهما كانا كاملين، ولا لأن التاريخ يعرف ملائكة في ساحات النار، بل لأنهما مثّلا في الوعي الثوري صورة الإنسان الذي يرى الظلم ولا يعتاد عليه، ويرى الجرح ولا يكتفي بوضع الضماد على الحافة.
جورج حبش وتشي غيفارا لم يكونا مجرد قائدين سياسيين أو مقاتلين في زمن مضطرب؛ كانا خيال جيل كامل عن معنى أن يكون الإنسان وفياً لقضية أكبر من حياته، وأكبر من راحته، وأكبر من مصلحته الشخصية.

كنا نراهما كأنهما خرجا من كتاب واحد: طبيبان تركا الطب بمعناه التقليدي، لا كرهاً بالحياة، بل حباً بها. كلاهما درس الجسد الإنساني، ثم اكتشف أن المرض الأكبر ليس في الرئة ولا في القلب ولا في الدم، بل في الاستعمار، والقهر، والفقر، والمنفى، والاحتلال، والتمييز، وانكسار الإنسان أمام آلة لا ترحمه.

جورج حبش، ابن اللد، لم يأتِ إلى الثورة من فقر شخصي أو من رغبة في انتقام فردي. وُلد في عائلة ميسورة، ودرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان قادراً أن يعيش حياة مريحة وناجحة. لكن نكبة 1948 كسرت المسار كله. حين رأى شعبه يُطرد من بيته، وحين شاهد اللاجئين يمشون في العراء، وحين صار الوطن خيمة والمنفى قدراً، لم يعد الطب بالنسبة إليه مهنة كافية. صار السؤال أكبر: كيف أداوي فرداً بينما الوطن كله ينزف؟

ومن هنا وُلد “الحكيم”. لم يكن لقبه مجرد إشارة إلى مهنته، بل إلى موقعه في الوجدان الفلسطيني والعربي. كان طبيباً للجرح السياسي، للكرامة المكسورة، للبلاد التي اقتُلعت من خرائطها ومن بيوتها ومن ذاكرتها. آمن أن فلسطين ليست مسألة حدود فقط، بل مسألة حق، وأن الاحتلال ليس تفصيلاً عسكرياً، بل جريمة تاريخية لا تُواجَه بالتسويات الباردة وحدها.

أما تشي غيفارا، فقد جاء من قارة أخرى ومن وجع آخر. الطبيب الأرجنتيني الشاب الذي جال في أميركا اللاتينية رأى الفقر كما هو: وجهاً بلا بلاغة، طفلاً بلا دواء، فلاحاً بلا أرض، عاملاً بلا كرامة. رحلته في القارة لم تكن سياحة، بل كانت ولادة ثانية. هناك اكتشف أن المرض ليس مرض فرد، بل مرض نظام كامل يسحق الناس ويمنح الأقلية حق امتلاك الحياة.

كما خلع جورج حبش معطف الطبيب أمام نكبة فلسطين، خلع تشي غيفارا معطف الطبيب أمام نكبة الفقراء في أميركا اللاتينية. كلاهما ذهب إلى السياسة من باب الألم الإنساني، وكلاهما رأى أن الطب الحقيقي لا يكتمل حين يبقى الإنسان عبداً، أو لاجئاً، أو جائعاً، أو مطروداً من أرضه.

لكن بين الرجلين أيضاً اختلافاً كبيراً في التجربة والمكان والأدوات. تشي صار رمزاً عالمياً للثورة الأممية، مقاتلاً عابراً للحدود، من كوبا إلى الكونغو إلى بوليفيا. لم يكن يرى نفسه ابن وطن واحد، بل ابن كل أرض ينهض فيها المظلومون. كان يؤمن أن الثورة فعل أخلاقي قبل أن تكون مشروع سلطة، وأن الإنسان الجديد لا يولد من الحسابات الصغيرة، بل من التضحية والانضباط والإيمان الصلب بعدالة القضية.

جورج حبش، بدوره، كان أممياً بطريقته، لكنه ظل مشدوداً إلى فلسطين كجرح أول وأخير. كان يرى أن تحرير فلسطين لا ينفصل عن تحرر العرب، وأن الهزيمة ليست عسكرية فقط، بل سياسية وثقافية واجتماعية. لذلك كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي أسسها، محاولة لصياغة مشروع مقاوم لا يكتفي برد الفعل، بل يريد أن يعيد تعريف الصراع كله: من هو العدو؟ ما معنى التحرير؟ وما قيمة الوطن إن تحول إلى شعار بلا فعل؟

تشي غيفارا استشهد في بوليفيا عام 1967، فصار موته جزءاً من أسطورته. صورة الجسد المسجّى، والوجه الهادئ، والعينين المفتوحتين على ما يشبه العتاب الأبدي، جعلت منه أيقونة لا تغيب. مات مبكراً، فبقي في ذاكرة العالم شاباً لا يشيخ. صار ملصقاً على الجدران، وراية في الجامعات، واسماً يردده الحالمون كلما ضاقت بهم الواقعية الباردة.

أما جورج حبش، فعاش طويلاً بما يكفي ليرى الخسارات والانقسامات والانكسارات والاتفاقيات التي لم يؤمن بها. رأى رفاقاً يسقطون، وأحلاماً تتراجع، ومدناً تُحاصر، وثورة تدخل في دهاليز السياسة. ومع ذلك بقي عنيداً، لا بمعنى الجمود، بل بمعنى الوفاء لفكرة الحق. رفض أن يتحول المنفى إلى استسلام، ورفض أن تكون العودة تحت سقف الاحتلال اعترافاً بنهاية الحلم.

هنا تبدو المفارقة بينهما مؤثرة: تشي انتصر في موته المبكر لأنه لم يختبر طويلاً شيخوخة الثورة، وجورج حبش انتصر في صموده الطويل لأنه اختبر كل شيء تقريباً ولم يبع قناعته. الأول صار رمزاً للحلم وهو في ذروته، والثاني صار رمزاً للثبات حين تنكسر الأحلام على صخور السياسة.

كلاهما كان طبيباً، وكلاهما صار مقاتلاً، وكلاهما فهم أن الإنسان لا يُختصر بجسده. الجسد يحتاج إلى دواء، نعم، لكن الروح تحتاج إلى حرية، والوطن يحتاج إلى كرامة، والشعوب تحتاج إلى من يقول لها إن الهزيمة ليست قدراً أبدياً.

ولذلك أحبهما الشباب. لم يكن حب الشباب لهما حباً لشخصين فقط، بل حباً لفكرة أن الإنسان قادر أن يقول “لا” حين يصبح الصمت خيانة، وقادر أن يدفع ثمن موقفه حين يصبح الحياد مشاركة في الظلم. كانا رمزين لذلك الزمن الذي كان فيه الحلم كبيراً، حتى لو كانت الوسائل قاسية، والزمن قاسياً، والنتائج موجعة.

جورج حبش لم يترك قصوراً، وتشي غيفارا لم يترك مملكة. كلاهما ترك معنى. والمعنى أحياناً أبقى من الانتصارات العسكرية، وأصلب من البيانات السياسية. تركا للأجيال سؤالاً لا يموت: ماذا تفعل حين ترى شعباً يُسحق؟ هل تداوي الجرح فقط، أم تبحث عن اليد التي صنعت الجرح؟

في زمننا، قد يختلف الناس حول الخيارات والتجارب والوسائل، وهذا حقهم. لكن من الصعب أن ينكر أحد أن جورج حبش وتشي غيفارا احتلا مكاناً استثنائياً في ذاكرة القرن العشرين، لأنهما نقلا الطب من عيادة الجسد إلى عيادة التاريخ. أحدهما حمل فلسطين في قلبه حتى آخر العمر، والآخر حمل فقراء العالم في حقيبته ورحل خلفهم إلى آخر طلقة وآخر نفس.

كانا رمزي أحلام شبابنا لأنهما قالا لنا إن الحياة لا تُقاس بطولها فقط، بل بما نفعله بها. وإن الإنسان قد يعيش منفياً، مطارداً، متعباً، مريضاً، لكنه يبقى حراً ما دام لم يوقّع على هزيمة روحه.

لم ألتقِ تشي غيفارا في الحياة، لكنني التقيت به كثيراً في أحلامي. كان يأتيني لا كصورة معلّقة على الجدار، بل كفكرة تمشي في الدم، كنداء بعيد يقول إن العالم أوسع من الخوف، وإن الإنسان يولد مرة واحدة، لكنه يستطيع أن يعيش ألف حياة إذا آمن بقضية. حتى السيجار دخّنته تيمّناً به، لا حباً بالدخان، بل حباً بتلك الصورة المتمرّدة التي كانت تشبه أحلامنا: أحلاماً لا تعرف حدوداً، ولا تعترف بالخرائط حين تتحوّل الخرائط إلى سجون.

أما الحكيم جورج حبش، فقد شاءت الصدفة الجميلة أن أقترب منه في دمشق. كنت في زيارة سياسية للرفيق ماهر الطاهر، عضو قيادة الجبهة، وطلبت منه أن يتيح لي لقاء الحكيم. فتكرّم، وحقق لي حلماً قديماً بلقاء حكيم الثورة.

كان ذلك يوم قرر جورج حبش الاستقالة من قيادة الجبهة الشعبية. لم يكن اللقاء عادياً بالنسبة إليّ، بل كان أقرب إلى لحظة من التاريخ. نظرت إليه وسألته بعاطفة الابن للتجربة: لماذا تركت؟ فقال لي بهدوء الكبار الذين لا يحتاجون إلى رفع الصوت كي يتركوا أثراً: تركت لكم إرثاً ثورياً سيعين الشباب على استكمال المشوار.

خرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر أنني لم أصافح رجلاً فقط، بل صافحت زمناً كاملاً؛ زمناً من النقاء والعناد والوجع الفلسطيني النبيل. وإذا كان تشي قد بقي في أحلامي رمزاً للثورة التي لا حدود لها، فإن الحكيم بقي في ذاكرتي وجهاً حقيقياً للثورة حين تكبر ولا تشيخ، وحين تتنحّى عن الموقع لكنها لا تغادر الطريق.

رحل تشي، وبقيت صورته تسأل العالم عن معنى العدالة.
ورحل جورج حبش، وبقي صوته يقول إن فلسطين ليست ورقة تفاوض، بل حق لا يموت.

وبين الحكيم وتشي، بين اللد وروزاريو، بين فلسطين وأميركا اللاتينية، بقي الخيط واحداً: طبيبان اكتشفا أن أخطر الأمراض هو الظلم، وأن أعظم علاج هو أن يظل الإنسان واقفاً، ولو كان الطريق طويلاً وقليل السائرين فيه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لم أخرج من الحلم… خرجتُ فقط من بعض الأوهام

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يسألني بعض الأصدقاء:لماذا تستعيد سيرة اليسار؟لماذا تعود إلى تلك...

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكثر من مطرب كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في...