السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

الجنوب ليس أضحية الوليّ الفقيه!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في عيد الأضحى، حيث يفترض أن يكون الفداء معنى للرحمة لا ذريعة للموت، قرّر حزب الله أن يجعل من الجنوب وأهله أضحيته الدائمة. مرةً باسم غزة، ومرةً باسم وليّ الفقيه، ومرةً باسم “التحرير الثالث” الذي خرج نعيم قاسم ليبشّرنا به، كأن اللبنانيين لم يشبعوا خرابًا، وكأن القرى لم تتعب من النزوح، وكأن البيوت التي سقطت فوق ساكنيها ليست إلا تفصيلًا صغيرًا في خطابٍ كبير لا يدفع ثمنه أصحابه.

أي تحرير هذا الذي يبدأ بتهجير الناس من أرضهم؟ وأي مقاومة تلك التي تجعل الجنوب صندوق بريدٍ إيرانيًا، ثم تطلب من أهله أن يصفّقوا تحت الركام؟ وأي نصر هذا الذي كلما أُعلن، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام احتلالٍ جديد، ودمارٍ جديد، ومقابر جديدة، ودولة أكثر عجزًا وسيادة أكثر إهانة؟

من تحريرٍ إلى احتلال، ومن احتلالٍ إلى تحرير، ومن تحريرٍ إلى حربٍ مفتوحة، صار لبنان عالقًا في دوّامةٍ لا تنتهي. كل مرحلة تُباع للناس بعنوان البطولة، ثم تنتهي بمزيدٍ من النار على الجنوب، ومزيدٍ من القتل، ومزيدٍ من العائلات التي تحمل مفاتيح بيوتها ولا تعرف إن كانت ستعود إليها. كأن قدر الجنوب أن يكون الفاتورة، وقدر أهله أن يُستدعَوا إلى الموت كلما احتاج محورٌ ما إلى رسالة، أو مفاوضة، أو تحسين شروط.

الأخطر أن حزب الله لم يعد يسمع أنين الناس. ما زال يصنع اللغة نفسها: لغة الممانعة حين يريد تبرير السلاح، ولغة الدولة حين يحتاج إلى غطائها، ولغة الطائفة حين تضيق عليه السياسة، ولغة فلسطين حين يريد مصادرة وجدان اللبنانيين. لكن الجنوب ليس شعارًا على منبر. الجنوب ناس. قرى. مدارس. أرزاق. أمهات ينتظرن أبناءهن. أطفال يخافون صوت الطائرات. مزارعون خسروا أرضهم ومواسمهم. بيوت صارت ذاكرة سوداء في هواتف النازحين.

ثم يخرج نتنياهو من الجهة المقابلة ليكمل المأساة. يهدد لبنان، يتوعد حزب الله، يلوّح بتوسيع الحرب، ويعلن أن إسرائيل لن تتردد في ضرب ما تعتبره تهديدًا على أي جبهة. هو أيضًا يحتاج إلى حربه، وإلى عدوه، وإلى النار التي تطيل عمره السياسي. لكن صواريخه لا تميّز بين حزبٍ ودولة، ولا بين مقاتلٍ ومدني، ولا بين قرارٍ اتخذه حزب الله وبيتٍ لبنانيٍّ يدفع الثمن.

هكذا يجد اللبناني نفسه بين نارين: حزبٌ يقرر الحرب باسمه، وعدوّ يهدد بحرق بلده باسم الأمن. حزب الله يقول إنه يحمي لبنان، ونتنياهو يقول إنه يضرب لبنان لأنه يضرب حزب الله. وبين الجملتين تُمحى القرى، وتفرغ البيوت، وتتحول السيادة إلى جثة سياسية يتنازع فوقها الخطباء والجنرالات.

المأساة أن من يرفع شعار المقاومة لم يعد يسأل الناس إن كانوا قادرين على احتمال كلفتها. ومن يرفع شعار التحرير لا يشرح لنا لماذا يأتي كل تحرير محمولًا على جناح خراب جديد. ومن يتحدث عن غزة لا يملك الشجاعة ليقول للبنانيين لماذا صار دمهم جزءًا من دفتر حساباتٍ إقليمي لا يملكون فيه قرارًا ولا توقيعًا.

نعم، إسرائيل عدوّة. وتهديدات نتنياهو للبنان مدانة ومرفوضة، وغاراته على الأرض اللبنانية اعتداءٌ على السيادة وعلى الناس. لكن إدانة إسرائيل لا تعني منح حزب الله تفويضًا أبديًا بخطف قرار الحرب والسلم. ورفض العدوان لا يعني القبول بأن تتحول الدولة اللبنانية إلى شاهد زور على سلاحٍ خارج سلطتها. فالسيادة لا تتجزأ: لا تكون سيادة ضد إسرائيل فقط، ثم تصبح تفصيلًا صغيرًا عندما يكون السلاح في يد حزبٍ مرتبط بقرارٍ لا يصدر من بيروت.

لبنان لا يستطيع أن يبقى وطنًا معلّقًا بين خطابين قاتلين: خطاب إسرائيلي يهدد بالحرق والتصعيد، وخطاب حزبي يطلب من الناس أن يموتوا بصمت كي لا تنكسر صورة “المقاومة”. هذا البلد المنهك لا يحتاج إلى تحريرٍ ثالث، بل يحتاج إلى تحريرٍ أول من منطق استعماله كساحة. يحتاج إلى تحرير الدولة من الدويلة، والجنوب من كونه صندوق بريد، واللبناني من كونه وقودًا لحروب الآخرين.

في عيد الأضحى، لا يجوز أن تكون الأضحية شعبًا بأكمله. لا الجنوب أضحية، ولا أهله أضحية، ولا لبنان قربان على مذبح غزة حينًا، وطهران حينًا آخر، وخطابات التحرير كلما ضاقت خيارات الحزب. من يريد الدفاع عن لبنان فليبدأ بالدولة. ومن يريد تحرير الأرض فليحرر القرار الوطني أولًا. ومن يريد مقاومة إسرائيل فليتوقف عن إعطائها الذريعة التي تنتظرها كي تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة.

عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيد؟ عدتَ والجنوب يفتّش عن أبنائه، ولبنان يفتّش عن دولته، وحزب الله يفتّش عن نصرٍ جديد في دفاتر الهزائم، ونتنياهو يفتّش عن حربٍ تطيل عمره السياسي. أما اللبنانيون، فهم وحدهم الذين لا يملكون ترف الخطابة. يملكون فقط الخوف، والذاكرة، وحق السؤال:

إلى متى يُضحّى بنا باسم قضايا لا نستشار فيها، وحروب لا نقررها، وانتصارات لا نرى منها إلا الخراب؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

صوت هادر من أجل الكرامة السيادية!

أخباركم - أخبارنا/ توفيق الشعار في لحظة تشهد أزمة إقليمية عميقة، قدم الرئيس اللبناني جوزاف...

سوريا في لبنان مجددًا: من جراحة حزب الله إلى خطر الوصاية الجديدة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين يتحدث دونالد ترمب عن عمليات “جراحية” ضد حزب...

بين حصر السلاح وحلّ البيشمركة: التناقض الأميركي ومخاوف كوردستان من اختراق البيت الداخلي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من سلاح المقاومة إلى سؤال الدولة قبل أن تصبح البيشمركة...