السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

ماركس بين موسكو وبكين: هل فهم الصينيون ما لم يفهمه السوفيات؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في مقابلة لغسان الرفاعي، المفكر الماركسي، سمعته يقول إن الصينيين فهموا ماركس أفضل من السوفيات. توقفت عند هذه العبارة، لأنها تبدو للوهلة الأولى حكمًا كبيرًا على تجربتين من أهم تجارب القرن العشرين: التجربة السوفياتية التي دشنت أول دولة اشتراكية كبرى، والتجربة الصينية التي ما زالت حتى اليوم تقدم نفسها بوصفها اشتراكية ذات خصائص صينية. لذلك قررت أن أقوم ببحث لأفهم قصده، وهذه هي نتيجة قراءاتي.

السؤال ليس بسيطًا. هل المقصود أن الصينيين كانوا أكثر وفاءً لنصوص ماركس؟ أم أنهم كانوا أكثر قدرة على تحويل الماركسية إلى سياسة واقتصاد ودولة؟ وهل فشل الاتحاد السوفياتي يعني أنه لم يفهم ماركس؟ وهل نجاح الصين الاقتصادي يعني أنها طبقت ماركس فعلًا؟

الأقرب إلى الدقة أن نقول إن السوفيات قرأوا ماركس قراءة عقائدية مركزية، بينما قرأه الصينيون قراءة تاريخية براغماتية. السوفيات رأوا أن الاشتراكية تعني قبل كل شيء إلغاء الملكية الخاصة، وتأميم وسائل الإنتاج، والقضاء على السوق، وإخضاع الاقتصاد للتخطيط المركزي. أما الصينيون، خصوصًا منذ دينغ شياو بينغ، فقد رأوا أن الاشتراكية لا يمكن أن تُبنى على الفقر والتخلف، وأن تطوير قوى الإنتاج أهم من التمسك بالشكل العقائدي للاشتراكية.

بمعنى آخر: الاتحاد السوفياتي حاول بناء الاشتراكية ضد السوق، أما الصين فحاولت استخدام السوق لبناء قوة دولة تقودها سلطة شيوعية.

أولًا: ماركس بين النص والتاريخ

لفهم الفرق بين التجربتين، يجب العودة إلى ماركس نفسه. ماركس لم يكن مجرد داعية لتأميم المصانع، بل كان مفكرًا في التاريخ والاقتصاد السياسي. في قلب فكره توجد فكرة أساسية: أن المجتمعات لا تتغير فقط بالإرادة السياسية، بل بتطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.

في مقدمة كتابه مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، يضع ماركس إحدى أهم قواعد المادية التاريخية حين يقول إن الناس في إنتاجهم الاجتماعي يدخلون في علاقات محددة وضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وإن هذه العلاقات تتناسب مع درجة معينة من تطور قوى الإنتاج المادية. معنى ذلك أن الاقتصاد ليس مجرد قطاع منفصل داخل المجتمع، بل هو البنية العميقة التي تقوم عليها السياسة والقانون والثقافة والأفكار.

وفي النص نفسه، يقول ماركس إن أي نظام اجتماعي لا يزول قبل أن تتطور كل قوى الإنتاج التي يتسع لها، وإن علاقات إنتاج جديدة وأعلى لا تظهر قبل أن تنضج شروط وجودها المادية داخل المجتمع القديم نفسه. هذه العبارة مهمة جدًا في فهم الفرق بين السوفيات والصينيين. فالسوفيات حاولوا، بدرجة كبيرة، اختصار التاريخ عبر السلطة السياسية والتخطيط المركزي، أما الصينيون، خصوصًا بعد ماو، فقد تصرفوا وكأنهم يقولون: لا يمكن بناء اشتراكية قوية من دون قاعدة إنتاجية قوية.

في نقد برنامج غوتا، كتب ماركس عبارته الشهيرة: “من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته.” لكن هذه العبارة لا تتعلق بالمرحلة الأولى من المجتمع الخارج من الرأسمالية، بل بالمرحلة العليا من المجتمع الشيوعي. ماركس كان واعيًا أن المجتمع الجديد سيظل في بداياته يحمل آثار المجتمع القديم، ولذلك قال في النص نفسه إن “الحق لا يمكن أن يكون أعلى من البنية الاقتصادية للمجتمع ومن تطوره الثقافي المشروط بها.”

هذه النقطة جوهرية. فإذا كانت الاشتراكية تحتاج مستوى عاليًا من تطور الإنتاج، فكيف يمكن بناؤها في بلد متخلف زراعيًا مثل روسيا القيصرية أو الصين قبل الثورة؟ هنا ظهرت معضلة السوفيات والصينيين: كيف نبني الاشتراكية في بلد لم يمر كاملًا بالتطور الرأسمالي الصناعي الذي كان ماركس يراه شرطًا تاريخيًا مهمًا؟

من هذه الزاوية، لا يكون السؤال: من رفع شعار ماركس أكثر؟ بل: من فهم منطق ماركس التاريخي بطريقة أعمق؟

ثانيًا: إنجلز والتحذير من تحويل الاشتراكية إلى وصفة جامدة

قبل الانتقال إلى التجربة السوفياتية، من المفيد التوقف عند فريدريش إنجلز، شريك ماركس الفكري. في كتابه الاشتراكية: الطوباوية والعلمية، يميز إنجلز بين الاشتراكية الطوباوية التي تنطلق من الرغبة الأخلاقية في مجتمع عادل، والاشتراكية العلمية التي تنطلق من تحليل تطور الرأسمالية وتناقضاتها وقوى الإنتاج داخلها.

هذه الفكرة تساعدنا على فهم المشكلة السوفياتية لاحقًا. فالاشتراكية إذا تحولت إلى وصفة جاهزة مفروضة من الدولة، تفقد طابعها العلمي وتتحول إلى عقيدة جامدة. أما إذا بقيت منهجًا لتحليل الواقع المتغير، فإنها تستطيع التكيف مع ظروف مختلفة.

وفي رسالته المعروفة إلى جوزيف بلوخ عام 1890، أوضح إنجلز أن العامل الاقتصادي حاسم في النهاية، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يتحرك في التاريخ. السياسة، والقانون، والدولة، والأفكار، والصراعات الاجتماعية، كلها تؤثر أيضًا في مسار التاريخ. المعنى هنا أن الماركسية لا تختزل المجتمع في الاقتصاد اختزالًا ميكانيكيًا، ولا تقول إن تغيير شكل الملكية وحده يكفي لتغيير المجتمع كله.

من هنا يمكن القول إن السوفيات فهموا جانبًا من ماركس وإنجلز: أهمية الملكية العامة والتخطيط والصراع الطبقي. لكنهم أهملوا جانبًا آخر: أن الاشتراكية لا تُفرض فقط من فوق، بل تحتاج شروطًا مادية وثقافية وإنتاجية ومؤسساتية قادرة على الاستمرار.

ثالثًا: لينين والمرحلة الانتقالية

قامت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 في بلد واسع وفقير ومتأخر صناعيًا مقارنة بألمانيا وبريطانيا وفرنسا. صحيح أن روسيا كان فيها عمال ومصانع، لكنها بقيت في معظمها بلدًا زراعيًا. لذلك واجه لينين والبلاشفة سؤالًا صعبًا: كيف يمكن بناء الاشتراكية في بلد لا يملك قاعدة صناعية متقدمة؟

لينين كان أكثر مرونة مما أصبحت عليه التجربة السوفياتية لاحقًا. بعد الحرب الأهلية، أطلق السياسة الاقتصادية الجديدة، وسمح بقدر من السوق والتجارة والمبادرة الخاصة، خاصة في الزراعة والتجارة الصغيرة. لم يكن لينين يرى ذلك خيانة للاشتراكية، بل مرحلة ضرورية لإنعاش الاقتصاد.

في نصه الضريبة العينية، دافع لينين عن هذه السياسة، وشرح أن الانتقال من شيوعية الحرب إلى شكل أكثر مرونة في الاقتصاد كان ضرورة عملية. والأهم أنه قال إن “رأسمالية الدولة” يمكن أن تكون خطوة إلى الأمام مقارنة بالتشتت الاقتصادي والإنتاج الصغير والفوضى التي كانت تعيشها روسيا بعد الحرب الأهلية. لم يكن لينين يقصد أن رأسمالية الدولة هي الاشتراكية نفسها، بل كان يقصد أنها، في ظروف روسيا المتخلفة وتحت سلطة سوفياتية، قد تكون مرحلة انتقالية أفضل من الفوضى والتجزئة الاقتصادية.

هذه الفكرة تجعل لينين، في لحظة معينة، أقرب إلى المنطق الصيني اللاحق مما هو إلى الجمود الستاليني. فالصين بعد دينغ شياو بينغ ستقول شيئًا مشابهًا: يمكن استخدام السوق، والتجارة، والاستثمار، وحتى رأس المال الأجنبي، بشرط أن يبقى الاتجاه السياسي العام بيد الحزب والدولة.

وفي نصوصه حول الكهرباء والتحديث، عبّر لينين عن فكرته الشهيرة بأن الشيوعية هي السلطة السوفياتية مضافًا إليها كهربة البلاد كلها. هذه العبارة لا ينبغي فهمها حرفيًا كتعريف كامل للشيوعية، بل كإشارة إلى أن الثورة السياسية لا تكفي وحدها؛ فلا اشتراكية من دون قاعدة تقنية وإنتاجية حديثة.

لكن بعد وفاة لينين، ومع صعود ستالين، اتجه الاتحاد السوفياتي إلى طريق آخر: طريق التخطيط المركزي الصارم، والتصنيع السريع، والتجميع الزراعي القسري، وتحويل الاشتراكية إلى جهاز دولة شديد المركزية.

رابعًا: التجربة السوفياتية: الاشتراكية كدولة مركزية

في عهد ستالين، أصبحت الاشتراكية تعني عمليًا: التخطيط المركزي، التصنيع الثقيل، التجميع الزراعي القسري، وتأميم الاقتصاد على نطاق واسع. كان ستالين مقتنعًا أن الاتحاد السوفياتي متأخر جدًا عن الغرب، وأن عليه أن يختصر عقودًا من التطور خلال سنوات قليلة، وإلا سيتعرض للسحق.

في خطابه المعروف مهام رجال الاقتصاد عام 1931، قال ستالين إن الاتحاد السوفياتي متأخر خمسين أو مئة سنة عن البلدان المتقدمة، وإن عليه أن يقطع هذه المسافة خلال عشر سنوات، وإلا فسيتم سحقه. هذه العبارة تلخص المنطق السوفياتي كله: التنمية ليست مسألة رخاء فقط، بل مسألة بقاء.

لذلك تحولت الاشتراكية السوفياتية إلى مشروع تعبئة عسكرية وصناعية. الدولة تريد مصانع، فولاذًا، فحمًا، دبابات، سككًا حديدية، كهرباء، وجيشًا قويًا. ومن أجل ذلك جرى التضحية بالاستهلاك، وبالزراعة، وبالحريات السياسية، وبحياة ملايين الناس أحيانًا.

السوفيات أخذوا من ماركس فكرة أن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أساس الاستغلال الطبقي. ولذلك اعتقدوا أن إلغاء هذه الملكية وتحويلها إلى ملكية دولة هو الطريق المباشر إلى الاشتراكية. لكن المشكلة أن ملكية الدولة لا تعني تلقائيًا ملكية المجتمع. فقد تصبح الدولة نفسها جهازًا منفصلًا عن المجتمع، وتصبح البيروقراطية هي المالك الفعلي باسم الشعب.

هنا يمكن استحضار روزا لوكسمبورغ، وهي مفكرة ماركسية ثورية، في كتابها الثورة الروسية. فقد كتبت أن الحرية إذا اقتصرت على أنصار الحكومة أو أعضاء حزب واحد فهي ليست حرية حقيقية، وأن الحرية هي دائمًا حرية من يفكر بطريقة مختلفة. أهمية هذه العبارة أنها تكشف مأزق التجربة السوفياتية: أرادت تحرير الطبقات الكادحة اقتصاديًا، لكنها خنقت السياسة والمجتمع باسم الثورة.

خامسًا: قوة النموذج السوفياتي وحدوده

لا يمكن إنكار أن النموذج السوفياتي حقق إنجازات ضخمة. فقد نقل روسيا من بلد زراعي متأخر إلى قوة صناعية وعسكرية كبرى. كما لعب الاتحاد السوفياتي دورًا حاسمًا في هزيمة النازية، وأصبح قوة نووية وفضائية، وحقق تقدمًا كبيرًا في التعليم والصحة والعلوم.

لكن المشكلة أن هذا النموذج كان قويًا في التعبئة وضعيفًا في المرونة. كان قادرًا على إنتاج الدبابات والصواريخ، لكنه كان أقل قدرة على إنتاج سلع استهلاكية جيدة ومتنوعة. كان قادرًا على بناء مصانع ضخمة، لكنه عانى في الزراعة والإنتاج اليومي. كان قادرًا على فرض الخطة، لكنه لم يكن قادرًا دائمًا على معرفة حاجات الناس الفعلية.

في الاقتصاد المخطط مركزيًا، تحدد الدولة ماذا يُنتج، وكم يُنتج، وأين يُنتج، وبأي سعر يُباع. هذا يعطي الدولة قدرة هائلة على توجيه الموارد، لكنه يخلق مشكلة معلومات وحوافز. فالمسؤول في المركز لا يعرف دائمًا حاجات كل مدينة وقرية ومصنع. والمدير في المصنع يهتم بتحقيق أرقام الخطة أكثر من اهتمامه بالجودة أو رغبات المستهلك.

لذلك يمكن أن ينتج المصنع كمية ضخمة من الأحذية، لكن بمقاسات غير مناسبة. أو ينتج أدوات كثيرة، لكن بجودة ضعيفة. المهم أن تتحقق أرقام الخطة، لا أن تُلبى الحاجة الحقيقية للمجتمع.

هنا يمكن تذكر نقد فريدريش هايك، رغم أنه ليس ماركسيًا، في مقاله استخدام المعرفة في المجتمع، حيث رأى أن المعرفة الاقتصادية موزعة بين ملايين الأفراد ولا يمكن لمركز واحد أن يجمعها كلها. ورغم أن هايك كان خصمًا للاشتراكية، إلا أن هذه النقطة تفسر جانبًا من أزمة الاقتصاد السوفياتي: المركز كان قويًا في إصدار الأوامر، لكنه ضعيف في التقاط التفاصيل الدقيقة للحياة الاقتصادية.

لكن النقد الماركسي الداخلي لهذه المشكلة لا يقل أهمية. فالمشكلة ليست فقط في غياب السوق، بل في غياب الرقابة الديمقراطية العمالية والشعبية على التخطيط. الاشتراكية عند ماركس لم تكن أن تحل البيروقراطية محل الرأسمالي، بل أن يصبح المنتجون أنفسهم قادرين على إدارة إنتاجهم ومجتمعهم.

هنا ظهر التناقض العميق في التجربة السوفياتية: الدولة امتلكت وسائل الإنتاج باسم الشعب، لكن الشعب لم يكن يملك حقًا إدارة الاقتصاد أو مراقبة السلطة. فظهرت بيروقراطية ضخمة تتحدث باسم الاشتراكية، لكنها تتحكم فعليًا في الدولة والمجتمع.

سادسًا: تروتسكي ونقد البيروقراطية السوفياتية

ليون تروتسكي، أحد قادة الثورة البلشفية، قدم نقدًا مهمًا للاتحاد السوفياتي بعد صعود ستالين. في كتابه الثورة المغدورة، اعتبر تروتسكي أن الاتحاد السوفياتي لم يعد رأسماليًا بالمعنى التقليدي، لكنه أيضًا لم يحقق الاشتراكية الحقيقية، بل أصبح، في تحليله، دولة عمالية مشوهة تسيطر عليها بيروقراطية.

كان تروتسكي يرى أن التخطيط والملكية العامة إنجازان مهمان، لكنهما يفقدان معناهما إذا سيطرت عليهما طبقة بيروقراطية لا تخضع لرقابة العمال. بالنسبة له، المشكلة ليست فقط اقتصادية، بل سياسية أيضًا: لا اشتراكية حقيقية من دون ديمقراطية عمالية.

وينبغي هنا الانتباه إلى الدقة: العبارة الشائعة التي تقول إن “الاقتصاد المخطط يحتاج إلى الديمقراطية كما يحتاج الجسم البشري إلى الأوكسجين” تُستخدم كثيرًا لتلخيص موقف تروتسكي، لكنها ليست بالضرورة اقتباسًا حرفيًا مباشرًا من نصه بالصيغة المتداولة. الأدق أن نقول إن معنى نقد تروتسكي في الثورة المغدورة يذهب إلى أن التخطيط من دون رقابة ديمقراطية عمالية يتحول إلى إدارة بيروقراطية عمياء.

من هذه الزاوية، لا يكون فشل الاتحاد السوفياتي فشلًا لماركس نفسه، بل فشلًا في تحويل الماركسية إلى نظام حي قادر على تصحيح أخطائه. لقد امتلك الاتحاد السوفياتي جهازًا قويًا، لكنه فقد القدرة على النقد الذاتي. ومع الوقت، أصبحت الأيديولوجيا لغة تبرير لا أداة تحليل.

سابعًا: غرامشي والهيمنة: لماذا لا تكفي الدولة وحدها؟

أنطونيو غرامشي، المفكر الماركسي الإيطالي، يساعدنا على فهم جانب آخر من الفرق بين التجربة السوفياتية والصينية. في دفاتر السجن، طوّر غرامشي مفهوم الهيمنة، أي أن السلطة لا تستمر بالقسر وحده، بل تحتاج أيضًا إلى قبول اجتماعي وثقافي وأخلاقي.

غرامشي لم يكن يتحدث عن الصين أو الاتحاد السوفياتي مباشرة بهذه الصيغة، لكن مفهومه يساعدنا على التحليل. من هذه الزاوية، كان الاتحاد السوفياتي قويًا في السيطرة، لكنه ضعف تدريجيًا في بناء الهيمنة. فمع الوقت، تراجعت قدرة الحزب الشيوعي السوفياتي على إقناع الناس بأن مشروعه يمثل المستقبل. صار النظام قائمًا على الخوف، والروتين، والامتيازات البيروقراطية، والجمود.

أما الصين، فقد بنت شرعيتها بعد دينغ شياو بينغ على أساس مختلف: النمو الاقتصادي، تحسين مستوى المعيشة، الاستقرار، وبناء القوة الوطنية. لم تعد الشرعية قائمة فقط على الذاكرة الثورية، بل على سؤال عملي: هل تتحسن حياة الناس؟ هل تصبح الصين أقوى؟ هل تستعيد مكانتها العالمية؟

هنا يظهر الفرق السياسي العميق. السوفيات اعتمدوا على أيديولوجيا صلبة لكنها فقدت فعاليتها مع الركود. الصينيون استخدموا أيديولوجيا مرنة تربط الماركسية بالتنمية والقومية والاستقرار. وبذلك لم تعد الماركسية في الصين مجرد خطاب طبقي، بل أصبحت جزءًا من مشروع نهضة وطنية.

ثامنًا: الصين الماوية: ماركس عبر الفلاح والثورة المستمرة

أما الصين، فقد بدأت من وضع أكثر تخلفًا من روسيا. كانت بلدًا زراعيًا واسعًا، أنهكته الحروب الأهلية، والغزو الياباني، والفقر، والانقسام. لذلك لم يكن ممكنًا تطبيق الماركسية الكلاسيكية كما هي، لأن الطبقة العاملة الصناعية كانت صغيرة جدًا مقارنة بالفلاحين.

هنا جاء ماو تسي تونغ ليقوم بتعديل كبير في الماركسية العملية. ففي حين أن ماركس ركز على الطبقة العاملة الصناعية في البلدان الرأسمالية المتقدمة، جعل ماو الفلاحين قوة الثورة الأساسية في الصين. اعتمد على الحرب الشعبية، والريف، والتنظيم الحزبي، وحصار المدن من القرى.

ماو لم يقرأ ماركس كنص أوروبي جامد، بل حاول صيننة الماركسية، أي جعلها مناسبة لواقع الصين. في نصه ضد عبادة الكتاب، قال ماو عبارته الشهيرة: “لا تحقيق، لا حق في الكلام.” والمقصود أن النظرية لا تأتي من الكتب وحدها، بل من التحقيق في الواقع الملموس. هذه العبارة مهمة لأنها تضرب جوهر الجمود العقائدي: لا يكفي أن تحفظ النصوص الماركسية، بل يجب أن تفهم المجتمع الذي تريد تغييره.

وفي نصه في التناقض، ركز ماو على فكرة أن قانون التناقض، أي وحدة الأضداد، هو القانون الأساسي للديالكتيك المادي. هذه الفكرة جعلته يرى الثورة لا كحدث واحد، بل كعملية مستمرة تتغير بحسب التناقضات المحددة في كل مرحلة.

لكن الماوية وقعت في مشكلة كبرى: بالغت أحيانًا في قوة الإرادة السياسية والثورية على حساب الاقتصاد. في القفزة الكبرى إلى الأمام، حاولت الصين أن تقفز سريعًا إلى التصنيع والإنتاج الجماعي، لكن النتائج كانت كارثية. وفي الثورة الثقافية، حاول ماو مهاجمة البيروقراطية وإحياء الروح الثورية، لكن ذلك أدى إلى فوضى سياسية واجتماعية واسعة.

لذلك يمكن القول إن ماو كان مبدعًا في تكييف الماركسية مع الواقع الصيني سياسيًا، لكنه لم ينجح اقتصاديًا في بناء نموذج تنموي مستقر. لقد فهم أهمية الخصوصية الصينية، لكنه لم يعطِ قوى الإنتاج وشروطها المادية ما يكفي من الاحترام.

تاسعًا: دينغ شياو بينغ: الاشتراكية لا تعني الفقر

التحول الأكبر في الصين جاء بعد ماو، مع دينغ شياو بينغ. هنا بدأت القراءة الصينية الأكثر براغماتية لماركس. دينغ لم يعلن التخلي عن الماركسية أو الاشتراكية، لكنه غيّر معيار الحكم على السياسات.

بدل أن يسأل: هل هذه السياسة اشتراكية نقية؟
سأل: هل هذه السياسة تطور قوى الإنتاج؟ هل ترفع مستوى المعيشة؟ هل تقوي الصين؟ هل تحافظ على سلطة الحزب؟

في نصه لنبنِ اشتراكية ذات خصائص صينية، وفي خطبه اللاحقة حول الإصلاح والانفتاح، أكد دينغ أن المهمة الأساسية في المرحلة الاشتراكية هي تطوير قوى الإنتاج. وفي نصه للدفاع عن الاشتراكية يجب القضاء على الفقر، قال بوضوح إن بناء الاشتراكية يتطلب تطوير قوى الإنتاج، وإن “الفقر ليس اشتراكية”. هذه العبارة ربما تكون مفتاح فهم التجربة الصينية كلها. فالصين رأت أن الاشتراكية لا تعني توزيع الفقر بالتساوي، بل بناء القدرة على إنتاج الثروة أولًا.

وهنا يبدو دينغ أقرب إلى ماركس من حيث التركيز على قوى الإنتاج. فماركس كان يرى أن الوعي والسياسة والقانون والأفكار تتشكل على أساس البنية المادية للمجتمع. فإذا كان المجتمع فقيرًا ومتخلفًا، فلن يستطيع بناء اشتراكية حقيقية مهما رفع من شعارات. لذلك قالت الصين عمليًا: علينا أولًا أن نصبح أقوياء ومنتجين ومتقدمين، ثم نحدد شكل الاشتراكية الممكنة.

وتنسب إلى دينغ عبارته الشهيرة: “لا يهم إن كان القط أسود أو أبيض، ما دام يصطاد الفئران.” من الأفضل التعامل مع هذه العبارة بوصفها تلخيصًا لبراغماتية دينغ السياسية والاقتصادية، لا كنظرية مكتوبة بالمعنى الأكاديمي. لكنها تشرح بدقة روحه الإصلاحية: الأداة لا تُقاس باسمها الأيديولوجي، بل بنتيجتها العملية. السوق ليست شرًا مطلقًا، والخطة ليست خيرًا مطلقًا. المهم: هل تخدم التنمية أم لا؟

وفي جولته الجنوبية عام 1992، ارتبط بدينغ أيضًا شعار “التنمية هي الحقيقة الصلبة” أو “التنمية هي الحقيقة الحاسمة”. هذه العبارة أصبحت جوهر الاقتصاد السياسي الصيني. فالاشتراكية لا تُقاس فقط بالملكية العامة، بل بالقدرة على تطوير البلاد، ورفع الإنتاجية، وتحسين حياة الناس، وبناء قوة وطنية قادرة على الصمود في عالم تنافسي.

عاشرًا: السوق كأداة لا كعقيدة

هنا يكمن الفرق الجوهري بين موسكو وبكين. الاتحاد السوفياتي نظر إلى السوق باعتبارها نقيضًا للاشتراكية. أما الصين فنظرت إلى السوق باعتبارها أداة يمكن استخدامها داخل مشروع تقوده الدولة والحزب.

الصينيون لم يقولوا إن الرأسمالية أفضل من الاشتراكية. بل قالوا إن بعض آليات الرأسمالية، مثل المنافسة، الاستثمار، الأسعار، المبادرة الفردية، والتجارة العالمية، يمكن استخدامها من أجل بناء اقتصاد قوي تحت قيادة سياسية شيوعية.

ظهرت هنا صيغة “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”. هذه الصيغة تعني أن الصين لا تنسخ التجربة السوفياتية، ولا تنسخ الرأسمالية الغربية، بل تحاول بناء نموذج خاص: حزب شيوعي يحتكر السلطة السياسية، دولة قوية توجه المسار العام، سوق واسعة تنشط الإنتاج، قطاع خاص يعمل ضمن الحدود المرسومة، وشركات دولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية.

هذا النموذج ليس اشتراكية كلاسيكية بالمعنى الماركسي النقي، وليس رأسمالية ليبرالية بالمعنى الغربي. إنه نموذج هجين: اقتصاد سوق تحت سلطة حزب شيوعي ودولة تنموية.

ومن أجل تبرير هذا التحول، طورت الصين مفهوم “المرحلة الأولية من الاشتراكية”. هذا المفهوم يعني أن الصين لا تزال في مرحلة طويلة من بناء الشروط المادية للاشتراكية، ولذلك يمكنها استخدام أدوات السوق ورأس المال والتجارة، لأنها لم تصل بعد إلى مرحلة اشتراكية متقدمة.

بهذا المعنى، أعادت الصين قراءة ماركس بطريقة تاريخية: لا تقفز إلى المرحلة العليا قبل بناء شروطها. وهذا هو لبّ الفرق مع التجربة السوفياتية التي تصرفت أحيانًا وكأن تغيير الملكية يكفي لتغيير المجتمع كله.

حادي عشر: الزراعة بين التجميع السوفياتي والحافز الصيني

أحد أوضح الفروق بين التجربتين يظهر في الزراعة.

في الاتحاد السوفياتي، جرى فرض التجميع الزراعي قسرًا. أرادت الدولة تحويل الفلاحين إلى جزء من اقتصاد مخطط، واستخراج الفائض الزراعي من الريف لتمويل الصناعة. لكن هذا أدى إلى مقاومة واسعة، وعنف، ومجاعات، وتراجع في الإنتاج الزراعي في فترات كثيرة.

كان الفلاح السوفياتي يشعر أن الدولة تأخذ منه ولا تعطيه حافزًا كافيًا. الأرض ليست له، والإنتاج تحدده الخطة، والأسعار تحددها الدولة. لذلك ضعفت المبادرة الفردية، وتراجع الحافز.

أما في الصين بعد الإصلاحات، فقد بدأ التحول من الريف. جرى اعتماد نظام المسؤولية الأسرية. الأرض بقيت رسميًا ضمن الإطار العام أو الجماعي، لكن الأسرة أصبحت مسؤولة عن الإنتاج، وتستطيع الاستفادة من الفائض بعد تسليم جزء محدد. هذا خلق حافزًا مباشرًا للفلاحين لزيادة الإنتاج.

الفرق هنا واضح:
السوفيات حاولوا إخضاع الفلاح للخطة.
الصينيون حاولوا ربط الفلاح بالحافز والإنتاج.

وهذا يوضح الفرق النظري أيضًا. السوفيات اعتبروا الاشتراكية شكل ملكية. أما الصينيون فاعتبروها مسارًا لتطوير الإنتاج تحت قيادة الدولة.

في لغة ماركسية، يمكن القول إن السوفيات ركزوا على علاقات الإنتاج، أي الملكية والتنظيم، بينما ركز الصينيون بعد دينغ على قوى الإنتاج، أي القدرة الفعلية على الإنتاج والتكنولوجيا والعمل والحوافز. والماركسية، إذا قُرئت تاريخيًا، لا تفصل بين الاثنين، لكنها لا تسمح أيضًا بتغيير علاقات الإنتاج بطريقة تخنق قوى الإنتاج.

ثاني عشر: الصناعة بين القلعة السوفياتية والمصنع الصيني

في الصناعة، ركز الاتحاد السوفياتي على الصناعات الثقيلة: الفولاذ، الفحم، الطاقة، السلاح، الآلات، والفضاء. هذا جعله قوة عظمى، لكنه جعله أيضًا اقتصادًا غير متوازن. فالصناعة العسكرية والثقيلة تقدمت، بينما بقيت السلع الاستهلاكية ضعيفة.

أما الصين، فقد بدأت من الصناعات الخفيفة والتصديرية: الملابس، الألعاب، الإلكترونيات البسيطة، التجميع، ثم انتقلت تدريجيًا إلى التكنولوجيا الأعلى: الاتصالات، القطارات السريعة، الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، الذكاء الاصطناعي، والصناعات الرقمية.

الاتحاد السوفياتي أراد القفز إلى موقع القوة العظمى عبر التصنيع الثقيل من الأعلى.
الصين قبلت أن تبدأ من موقع “مصنع العالم”، ثم تصعد تدريجيًا في السلسلة الصناعية.

وهنا يظهر ذكاء التجربة الصينية. فهي لم تحتقر العمل البسيط أو الصناعات الصغيرة، بل استخدمتها كمدخل للتراكم، والتعلم الصناعي، وبناء البنية التحتية، وتدريب العمال، وجذب التكنولوجيا.

في رأس المال، حلل ماركس الرأسمالية بوصفها نظامًا يطلق قوى إنتاج هائلة، لكنه يفعل ذلك عبر الاستغلال والتراكم والتناقضات. الصين استخدمت هذا الجانب من الرأسمالية: قدرتها على التنظيم، والتراكم، والتكنولوجيا، والأسواق. لكنها حاولت أن تبقي القرار السياسي النهائي بيد الدولة والحزب.

وهنا تكمن المفارقة: الصين استخدمت ديناميكية رأسمالية من أجل مشروع تقوده دولة شيوعية. وهذا ما لم يفعله الاتحاد السوفياتي، الذي عزل نفسه نسبيًا عن الرأسمالية العالمية وحاول بناء منظومة مكتفية بذاتها.

ثالث عشر: العلاقة مع الرأسمالية العالمية

السوفيات تعاملوا مع الرأسمالية العالمية باعتبارها معسكرًا معاديًا يجب الانفصال عنه أو مواجهته. أما الصين فدخلت في قلب الرأسمالية العالمية، لكنها حاولت أن تفعل ذلك بشروطها.

فتحت الصين مناطق اقتصادية خاصة، جذبت الاستثمار الأجنبي، سمحت للشركات الغربية واليابانية والكورية بالدخول، تعلمت من التكنولوجيا العالمية، واستفادت من الأسواق الخارجية. لكنها في الوقت نفسه أبقت السلطة السياسية بيد الحزب، ولم تسمح لرأس المال الأجنبي بأن يتحول إلى قوة سياسية مستقلة داخل الصين.

هذه نقطة أساسية: الصين لم تفتح اقتصادها لأنها أصبحت ليبرالية، بل لأنها أرادت استخدام العولمة لبناء قوتها الوطنية.

بمعنى آخر:
الاتحاد السوفياتي أراد أن يهزم الرأسمالية بالانفصال عنها.
الصين أرادت أن تتعلم من الرأسمالية وتستخدمها ثم تنافسها.

وهذا ما حدث فعلًا في قطاعات كثيرة. بدأت الصين بتجميع منتجات الشركات الأجنبية، ثم أصبحت تنتج، ثم تطور، ثم تنافس في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والصناعة.

هنا تبدو الصين أقرب إلى نوع من “اللينينية الاقتصادية” المعدلة: استخدام تناقضات الرأسمالية العالمية لخدمة مشروع وطني تقوده الدولة. لكن الفرق أن الصين فعلت ذلك على نطاق أوسع، وبمرونة أكبر، وبعقلية تجريبية واضحة.

رابع عشر: الحزب والدولة في التجربتين

كلا النموذجين، السوفياتي والصيني، قاما على حزب واحد. لكن وظيفة الحزب اختلفت.

في الاتحاد السوفياتي، تحول الحزب تدريجيًا إلى جهاز بيروقراطي ضخم يقرر كل شيء تقريبًا. الحزب يملك الحقيقة النظرية، والدولة تنفذ، والمجتمع يتلقى. ومع مرور الوقت، فقد الحزب قدرته على التجديد، وصار أكثر خوفًا من الإصلاح الحقيقي.

في الصين، بقي الحزب محتكرًا للسلطة، لكنه تعلم من انهيار الاتحاد السوفياتي. القيادة الصينية استنتجت أن الخطر لا يأتي فقط من الرأسمالية، بل من جمود الحزب أيضًا. لذلك سمحت بمرونة اقتصادية كبيرة، لكنها لم تسمح بتعددية سياسية تهدد سيطرة الحزب.

من منظور ديمقراطي، هذا يعني استمرار السلطوية. ومن منظور القيادة الصينية، هذا يعني حماية الاستقرار ومنع التفكك. الصين نظرت إلى تجربة غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي باعتبارها درسًا سلبيًا: فتح السياسة قبل ضبط الاقتصاد والدولة قد يؤدي إلى انهيار النظام كله.

لذلك فعلت الصين العكس: فتحت الاقتصاد، لكنها أغلقت السياسة. سمحت بالسوق، لكنها لم تسمح بليبرالية سياسية. سمحت لرأس المال بالنمو، لكنها أبقته تحت رقابة الحزب.

في كتابه ما العمل؟ وفي نصوصه السياسية الأخرى، شدد لينين على دور الحزب المنظم والطليعي. التجربة الصينية أخذت هذا الجانب اللينيني بوضوح: السوق قد تتوسع، لكن الحزب لا يتنازل عن القيادة. الفرق أن الاتحاد السوفياتي جعل الحزب مديرًا مباشرًا للاقتصاد كله تقريبًا، أما الصين فجعلت الحزب قائدًا سياسيًا واستراتيجيًا يترك مساحة محسوبة للسوق.

خامس عشر: شي جين بينغ والعودة إلى الانضباط الأيديولوجي

مع شي جين بينغ، دخلت الصين مرحلة جديدة. لم تتخلَّ عن اقتصاد السوق، لكنها شددت سيطرة الحزب على رأس المال والمجتمع. يمكن القول إن شي يحاول الجمع بين إرث دينغ الاقتصادي وإرث ماو السياسي: الاستمرار في التنمية والتكنولوجيا والسوق، لكن مع حضور أقوى للحزب والانضباط الأيديولوجي.

شي يؤكد دائمًا أن الماركسية يجب أن تتكيف مع الواقع الصيني، وأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي الطريق التاريخي للصين. لكنه في الوقت نفسه يريد منع رأس المال الخاص من التحول إلى قوة مستقلة عن الحزب.

في هذا السياق، يكرر الخطاب الصيني الرسمي أن “الحزب يقود كل شيء”. هذه العبارة تكشف جوهر المرحلة الحالية: السوق مقبولة، القطاع الخاص مقبول، التكنولوجيا مقبولة، الانفتاح مقبول، لكن ضمن حدود القيادة السياسية للحزب.

هذا يكشف تناقض النموذج الصيني الحالي. فالصين تحتاج السوق والقطاع الخاص والابتكار، لكنها تخاف من أن ينتج السوق قوى اجتماعية وسياسية تخرج عن السيطرة. لذلك نرى توازنًا دائمًا بين الانفتاح الاقتصادي والانضباط السياسي.

ومع شي، عادت الماركسية لتكون أداة ضبط أيديولوجي لا مجرد خطاب تاريخي. فبعد عقود من التركيز على النمو، تريد القيادة الصينية أن تؤكد أن السوق ليست هي التي تقود الصين، بل الحزب. وهذا يعني أن الصين تحاول منع التحول من “اشتراكية السوق” إلى “رأسمالية سياسية مستقلة عن الحزب”.

سادس عشر: ألتوسير وقراءة ماركس كمنهج لا كنص مقدس

يمكن هنا الاستفادة من المفكر الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير. في كتابه من أجل ماركس، وفي قراءته البنيوية لماركس، رأى ألتوسير أن أهمية ماركس ليست في مجموعة شعارات أخلاقية، بل في إحداث قطيعة معرفية في فهم التاريخ والمجتمع. أي أن ماركس، عند ألتوسير، ليس واعظًا أخلاقيًا فقط، بل مؤسس طريقة تحليل للبنى والعلاقات والتناقضات.

إذا طبقنا هذه الفكرة على التجربتين، سنجد أن السوفيات تعاملوا مع ماركس أحيانًا كمرجع مقدس يبرر قرارات الدولة. أما الصينيون، خصوصًا بعد دينغ، فتعاملوا معه كمنهج قابل للتكييف مع الواقع. وهذا لا يعني أنهم كانوا أكثر وفاءً له أخلاقيًا، بل ربما كانوا أكثر قدرة على استخدامه سياسيًا وتاريخيًا.

فالمنهج الماركسي لا يسأل فقط: هل توجد ملكية عامة؟ بل يسأل: ما طبيعة علاقات الإنتاج؟ ما مستوى قوى الإنتاج؟ من يسيطر على الفائض؟ كيف تتشكل الطبقات؟ ما موقع الدولة؟ ما علاقة الاقتصاد المحلي بالنظام العالمي؟ وما التناقضات التي ستنتج من هذا النموذج؟

بهذا المعنى، الصين ليست تطبيقًا بسيطًا لماركس، لكنها حالة مثيرة للتحليل الماركسي. فهي دولة يقودها حزب شيوعي، لكنها تستخدم السوق؛ ترفع شعار الاشتراكية، لكنها تنتج تفاوتًا طبقيًا؛ تدمج نفسها في الرأسمالية العالمية، لكنها ترفض الخضوع السياسي للغرب؛ تسمح لرأس المال بالنمو، لكنها لا تسمح له بحكم الدولة.

سابع عشر: سمير أمين والصين كفك ارتباط جزئي

من المفيد أيضًا استحضار المفكر الماركسي سمير أمين، الذي اهتم كثيرًا بمسألة المركز والأطراف في النظام الرأسمالي العالمي. في كتابه فك الارتباط، لم يكن سمير أمين يدعو إلى عزلة كاملة عن العالم، بل إلى أن تمتلك دول الأطراف قدرة على تحديد مسارها التنموي بدل الخضوع الكامل لقواعد السوق العالمية التي يحددها المركز الرأسمالي.

الصين، من هذه الزاوية، لم تفك ارتباطها بالعالم بمعنى الانغلاق، بل فعلت شيئًا أكثر تعقيدًا: دخلت العولمة لكنها حاولت ألا تصبح تابعة بالكامل. استخدمت التجارة العالمية، لكنها بنت دولة قوية. استقبلت الاستثمار الأجنبي، لكنها فرضت شروطًا ونقلت معرفة. انخرطت في السوق الدولية، لكنها احتفظت بسيطرة استراتيجية على التمويل، الأرض، البنية التحتية، والقطاعات الحيوية.

هذا ما يميز الصين عن كثير من دول الجنوب التي فتحت أسواقها فتحولت إلى تابعة أكثر. الصين فتحت السوق، لكنها لم تفتح الدولة. سمحت لرأس المال بالدخول، لكنها لم تسمح له بأن يكتب الدستور السياسي للبلاد.

من هنا، يمكن فهم الصين كمحاولة لاستخدام الرأسمالية العالمية من موقع دولة قوية، لا من موقع تبعية كاملة. وهذه نقطة اقتصادية سياسية أساسية في فهم نجاحها.

ثامن عشر: من فهم ماركس أكثر؟

الجواب يعتمد على أي جانب من ماركس نقصد.

إذا قصدنا ماركس الثوري الذي يريد تجاوز الرأسمالية وإلغاء الاستغلال والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فقد يبدو السوفيات أقرب إليه في الشكل. فقد أمموا الاقتصاد، ألغوا الرأسماليين الكبار، بنوا دولة تخطيطية، ورفعوا شعار الاشتراكية الأممية.

لكن إذا قصدنا ماركس المادي التاريخي الذي يرى أن الاشتراكية تحتاج قاعدة مادية متقدمة وتطورًا في قوى الإنتاج، فقد يكون الصينيون أقرب إلى منطقه العميق. فهم قالوا إن الاشتراكية لا يمكن أن تكون فقرًا عامًا، وإن تطوير الإنتاج شرط لأي مشروع اشتراكي.

هنا تصبح عبارة غسان الرفاعي مفهومة أكثر: ربما لم يكن يقصد أن الصينيين كانوا أكثر طهارة أيديولوجية، بل أنهم فهموا أن ماركس ليس وصفة جاهزة، بل منهج لفهم التاريخ والاقتصاد. فهموا أن تغيير المجتمع لا يتم بالشعار وحده، بل ببناء القوة الإنتاجية والمادية.

السوفيات أخذوا من ماركس فكرة الملكية العامة والصراع الطبقي.
الصينيون أخذوا من ماركس فكرة تطور قوى الإنتاج والتاريخ المادي.

السوفيات تعاملوا مع الماركسية كعقيدة دولة مغلقة.
الصينيون تعاملوا معها كمنهج قابل للتكييف مع المصلحة الوطنية والمرحلة التاريخية.

ومع ذلك، يجب ألا ننسى أن ماركس لم يكن منظّرًا للنمو الاقتصادي فقط. كان ناقدًا للاستغلال، والاغتراب، وتحويل الإنسان إلى أداة في آلة الإنتاج. ومن هذه الزاوية، فإن الصين ليست بريئة من التناقضات الرأسمالية التي نقدها ماركس. فالنمو الصيني قام أيضًا على عمل كثيف، وانضباط شديد، وفوارق طبقية، وضغط اجتماعي، وتفاوت بين المدن والريف.

لذلك لا يمكن القول إن الصين حققت ماركس. الأدق أنها فهمت جانبًا من ماركس أفضل من السوفيات، لكنها ابتعدت عن جوانب أخرى من مشروعه التحرري.

تاسع عشر: لكن هل الصين ماركسية فعلًا؟

هنا يجب الحذر. نجاح الصين الاقتصادي لا يعني أنها حققت الاشتراكية التي حلم بها ماركس. فالصين اليوم فيها تفاوت طبقي كبير، وطبقة رأسمالية وطنية، ومليارديرات، وعمال مهاجرون، وفوارق بين المدن والريف، وضغط عمل شديد، ومنافسة سوقية قوية.

لذلك من الصعب القول إن الصين تمثل شيوعية ماركس. هي أقرب إلى نموذج مركب: رأسمالية سوقية موجهة من الدولة، تحت قيادة حزب شيوعي، مع خطاب اشتراكي ومشروع قومي تنموي.

لكن في المقابل، الاتحاد السوفياتي نفسه لم يحقق شيوعية ماركس أيضًا. فقد أنتج طبقة بيروقراطية حاكمة، ودولة شديدة المركزية، ومجتمعًا لا يملك حرية سياسية حقيقية. الملكية كانت عامة في الاسم، لكن السيطرة الفعلية كانت بيد الحزب والدولة.

إذن كلا النموذجين ابتعد عن ماركس بطريقة مختلفة.
الاتحاد السوفياتي ابتعد عنه عبر البيروقراطية والخنق المركزي.
الصين ابتعدت عنه عبر السوق والتفاوت والطبقات الجديدة.

لكن الفرق أن الصين نجحت في النمو والتطور والبقاء، بينما انتهى الاتحاد السوفياتي إلى الركود ثم الانهيار.

عشرون: الفرق الدقيق بين التجربتين

يمكن تلخيص الفرق بين السوفيات والصينيين في عدة نقاط أساسية.

أولًا، السوفيات فهموا الاشتراكية باعتبارها تغييرًا في الملكية. فإذا أصبحت المصانع والأرض والبنوك ملكًا للدولة، فهذا يعني أنهم دخلوا الاشتراكية. أما الصينيون ففهموا الاشتراكية باعتبارها مسارًا تاريخيًا طويلًا لتطوير الإنتاج وبناء القوة الوطنية.

ثانيًا، السوفيات رأوا السوق خطرًا رأسماليًا. أما الصينيون فرأوا السوق أداة يمكن استخدامها ما دام الحزب يسيطر على الاتجاه السياسي العام.

ثالثًا، السوفيات فضلوا التخطيط المركزي المباشر. أما الصينيون فجمعوا بين التخطيط الاستراتيجي والسوق والمنافسة والاستثمار.

رابعًا، السوفيات بنوا اقتصادًا مغلقًا نسبيًا في مواجهة الغرب. أما الصينيون فانفتحوا على العالم واستخدموا التجارة والاستثمار والتكنولوجيا العالمية.

خامسًا، السوفيات أصلحوا متأخرين وبطريقة مرتبكة. أما الصينيون أصلحوا تدريجيًا وتجريبيًا: يجربون في منطقة أو قطاع، ثم يعممون إذا نجح.

سادسًا، السوفيات ربطوا الشرعية بالأيديولوجيا والانتصار العسكري والصناعي. أما الصين فربطت شرعية الحزب بالنمو، وتحسين المعيشة، والاستقرار، واستعادة مكانة الصين العالمية.

سابعًا، السوفيات جعلوا الخطة بديلًا عن السوق. أما الصينيون فجعلوا السوق أداة داخل الخطة الكبرى.

ثامنًا، السوفيات أرادوا تجاوز الرأسمالية بعزل أنفسهم عنها. أما الصينيون فأرادوا استخدام الرأسمالية العالمية لبناء قوة قادرة على منافستها.

واحد وعشرون: ماركس بين الدولة القلعة والدولة المصنع

يمكن استخدام صورتين لفهم الفرق.

الاتحاد السوفياتي كان “دولة القلعة”. دولة محاصرة، خائفة، عسكرية، مركزية، تريد أن تحمي نفسها من العالم الرأسمالي. لذلك بنت اقتصادًا ثقيلًا وصلبًا، لكنه قليل المرونة.

أما الصين فكانت “دولة المصنع”. دخلت السوق العالمية، أنتجت للعالم، تعلمت من العالم، راكمت الثروة، ثم بدأت تتحول من مصنع رخيص إلى قوة تكنولوجية وصناعية كبرى.

دولة القلعة السوفياتية كانت قوية في الحرب وضعيفة في الاستهلاك.
دولة المصنع الصينية كانت قوية في الإنتاج والتصدير والتكيف.

وهذا لا يعني أن الصين بلا أزمات. لديها مشاكل ضخمة: الشيخوخة السكانية، الديون المحلية، أزمة العقارات، التفاوت، بطالة الشباب، الرقابة السياسية، والتوتر مع الغرب. لكن حتى الآن، أظهرت قدرة أكبر من الاتحاد السوفياتي على التكيف.

الصورة الأدق أن السوفيات بنوا اشتراكية تعبئة، بينما بنت الصين اشتراكية تنمية. الأولى مناسبة للحرب والتصنيع السريع، لكنها صعبة الاستمرار في زمن الاستهلاك والتكنولوجيا والابتكار. الثانية أكثر مرونة اقتصاديًا، لكنها تحمل تناقضات طبقية وسياسية خطيرة.

اثنان وعشرون: الخلاصة النظرية

من الناحية الأيديولوجية، السوفيات كانوا أكثر صرامة في الشكل الاشتراكي: ملكية دولة، تخطيط مركزي، حزب واحد، اقتصاد مغلق، وعداء واضح للرأسمالية. لكن هذه الصرامة تحولت إلى جمود.

أما الصين فكانت أقل نقاءً في الشكل، لكنها أكثر مرونة في المنهج. أخذت من ماركس فكرة قوى الإنتاج، ومن لينين فكرة المرحلة الانتقالية واستخدام رأسمالية الدولة، ومن ماو فكرة الخصوصية الصينية والحزب الثوري، ومن دينغ فكرة أن الاشتراكية لا تعني الفقر، ومن التجربة السوفياتية درسًا سلبيًا: لا تسمح للجمود الاقتصادي والسياسي بأن يقتل النظام من الداخل.

هكذا يمكن فهم العبارة الأساسية: الصينيون لم يفهموا ماركس أفضل لأنهم طبقوا نصوصه حرفيًا، بل لأنهم لم يتعاملوا معه كنص حرفي. فهموه كمنهج تاريخي. والسوفيات لم يفشلوا لأنهم لم يقرؤوا ماركس، بل لأنهم حوّلوه إلى عقيدة دولة جامدة، ثم جعلوا الدولة فوق المجتمع، والخطة فوق الإنسان، والحزب فوق الحقيقة.

الخاتمة: ماذا قصد غسان الرفاعي؟

بعد هذه القراءة، أعتقد أن عبارة غسان الرفاعي بأن الصينيين فهموا ماركس أفضل من السوفيات لا تعني أن الصين أكثر نقاءً ماركسيًا من الاتحاد السوفياتي. بل تعني أن الصينيين فهموا جانبًا عميقًا من ماركس غاب جزئيًا عن التجربة السوفياتية: أن الاشتراكية ليست قرارًا إداريًا بإلغاء السوق، بل عملية تاريخية مرتبطة بتطور قوى الإنتاج.

السوفيات أرادوا بناء الاشتراكية بسرعة من خلال الدولة والخطة والتأميم. وقد نجحوا في بناء قوة عظمى، لكنهم خلقوا اقتصادًا صلبًا قليل المرونة، وانتهوا إلى الركود ثم الانهيار.

أما الصينيون، خاصة منذ دينغ شياو بينغ، فقد فهموا أن الفقر ليس اشتراكية، وأن السوق يمكن أن تكون أداة لا عقيدة، وأن الدولة تستطيع استخدام الرأسمالية العالمية لبناء قوتها دون أن تتخلى عن سيطرتها السياسية. لذلك كان التطبيق الصيني أقل نقاءً أيديولوجيًا، لكنه أكثر نجاحًا في الاقتصاد السياسي.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل التجربة الصينية إلى أسطورة. الصين لم تحقق مجتمع ماركس الشيوعي، ولم تلغِ التفاوت أو الاستغلال. لكنها نجحت في ما فشل فيه السوفيات: تحويل الماركسية من عقيدة جامدة إلى استراتيجية دولة طويلة النفس.

لذلك يمكن صياغة الخلاصة بهذه العبارة:

السوفيات قرأوا ماركس كمهندس لدولة التخطيط، أما الصينيون فقرأوه كمفكر في التاريخ وقوى الإنتاج. السوفيات حاولوا فرض الاشتراكية على الواقع، أما الصينيون فغيّروا شكل الاشتراكية وفق شروط الواقع. ولهذا لم يكن الصينيون بالضرورة أكثر وفاءً لماركس في الشكل، لكنهم ربما كانوا أقرب إلى منطقه التاريخي في التطبيق.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...