السبت, يونيو 13, 2026
20.8 C
Beirut

صور… حكاية من الطفولة لزفّة بنات الحيّ لبيوت عرسانهم .. أرجوان الحياة بين عدوّ يقصفها وحزبٍ يخاف ضوءها!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتبت هند حمود عبر صفحتها للتواصل الإجتماعي “الحيّ اللي كلكن شفتوه اليوم اتدمّر، حيّ الآثار بصور.

هو حكاية من الطفولة… لزفّة بنات الحيّ لبيوت عرسانن.

يعني من اللعب تحت البيت، ونطلع قبل أذان المغرب أو “مناكل عيطة”، لكزدورة الصبايا والدردشة بعد المدرسة، وسيارة شاب مارق حاطط غنية لحبيبته والحيّ كلّه عم يسمع معه.

هو القهوة عند الجارة اللي ما كانت توثق الا بجارتها لتعطيها مفتاح بيتها لتسقيلها الزراريع إذا غابت يومين عن الحي.

هو الفيقة الصبح ع صوت بياع الخضرة والفواكه، والجارة اللي بتنزل السلة ليحطلها فيها الغراض.

هو الأكلة من عند ناديا إذا ماما مش طابخة شي بحبّه.

هو كتير ذكريات حلوة وحنين بعدها معلّقة بكل زاوية ببيوتنا.

بعز علينا نشوفه هيك، بس الثأر لا محال رح ناخده”.

أبكاني هذا الرثاء، فلقد زرتُ أنا مسعود محمد صور يوم كنّا نحضّر للانتخابات النيابية عام 2000، تلك الانتخابات التي خاضها حبيب صادق في الجنوب، ورافقتُ شبابًا مثلي آمنوا أن السياسة ليست قدرًا مغلقًا، وأن الجنوب ليس ملكًا لنمطية كئيبة ظلامية أرادوا فرضها عليه كما تُفرض العتمة على نافذة مفتوحة. ذهبنا نعمل معه، لا لأننا كنا نملك وهم الانتصار السهل، بل لأننا كنا نريد أن نقول إن في الجنوب صوتًا آخر، ووجهًا آخر، وحلمًا آخر غير ذلك الذي يريدونه مطيعًا، خائفًا، مكسوًا بالسواد.

في تلك الزيارة، تعلّقتُ بصور وببحرها. سبحتُ ليلًا تحت القمر في مائها، ونمتُ على شاطئها تحت سمائها، تحت سواد ليلها الذي لم يكن سواد قمعٍ ولا حداد، بل عتمة حنونة تخبّئ العشاق في ظلّها، ليتمتموا القصائد بقبلاتهم التي يسرقونها في عتمة الليل. منذ ذلك الوقت صارت صور في داخلي أكثر من مدينة. صارت بحرًا شخصيًا، وندبة مضيئة، وذكرى لا تجفّ.

صور ليست مدينةً على البحر فقط. صور فكرة. صور ذاكرة سبقت الخرائط، وميناء علّم المتوسط أن المدن لا تُقاس بحجمها، بل بما تمنحه للعالم من لونٍ ومعنى وحرية. من صور خرج الأرجوان، لا كلونٍ للترف والملوك فحسب، بل كعلامة على أن هذه المدينة تعرف كيف تصنع من البحر جمالًا، ومن الصدفة سرًّا، ومن الملح حضارة.

لكن صور اليوم لا تُلوَّن بأرجوانها القديم، بل بدم أهلها وغبار بيوتها. أي وجعٍ هذا أن تصبح المدينة التي منحت العالم لون الحياة مطاردةً بلون الموت؟ أي قسوة أن تُدفع صور، مدينة البحر والانفتاح والفرح، إلى النزوح والخوف والركام، بين عدوٍّ يستهدفها من الخارج، وحزبٍ صادر قرارها من الداخل؟

العدو يقصفها لأنه يرى في الجنوب مساحة حرب لا مدينة بشر. يضرب بيوتها كأنها حجارة بلا ذاكرة، ويطارد أهلها كأنهم أرقام في نشرات الأخبار. لكن المأساة لا تبدأ فقط من الصاروخ الذي يسقط، بل من السياسة التي جعلت الصاروخ قدرًا يوميًا، ومن السلاح الذي خطف حق الناس في أن يقرروا متى يعيشون ومتى يموتون، متى يفرحون ومتى يهربون، متى يفتحون أبوابهم للبحر ومتى يتركونها للغبار.

حزب الله، الذي تسببت خياراته وحروبه في تعريض صور والجنوب للقصف والتدمير والنزوح، لا يعرف صور. يعرف طرقاتها حين يحتاجها للعبور، ويعرف أحياءها حين يحتاجها للبيان، ويعرف ناسها حين يريدهم جمهورًا أو دروعًا أو وقودًا، لكنه لا يعرف روحها. لا يعرف أن صور لا تشبه المتاريس، ولا تشبه اللغة المغلقة، ولا تشبه الرايات التي تريد للناس أن يعيشوا داخل لون واحد وصوت واحد وخوف واحد.

صور مدينة انفتاح. مدينة بحر. مدينة نساء يمشين تحت الشمس لا تحت وصاية العتمة. مدينة مقاهٍ وشواطئ ومواسم فرح. مدينة لم تكن يومًا ضيقة على أهلها ولا على زائريها. حين كان حزب الله يحاول أن يغلق الجنوب ويلبسه شادوره الأسود المستورد من إيران، كانت صور تفتح شواطئها للضحك، وتترك الموج يعلّم الناس أن الحياة أوسع من الحزب، وأجمل من السلاح، وأبقى من خطابات التعبئة.

ولهذا يخافها حزب الله في عمقه. يخاف انفتاحها لأنه يكشف انغلاقه. يخاف بحرها لأنه لا يستطيع أن يحاصره. يخاف نسيمها لأنه لا يستأذن الحواجز. يخاف أرجوانها لأن لونه الأصفر الباهت، مهما علا على الرايات، لا يشبه لونها الأحمر. أحمر صور ليس دمًا، بل حياة. ليس نزفًا، بل شمسٌ تذوب على البحر. ليس حربًا، بل حبٌّ قديم يعرف كيف يعود من تحت الرماد.

صور التي كتبها عباس بيضون لم تكن مكانًا عاديًا. كانت جرحًا شعريًا، مدينةً تسقط من التاريخ ولا تسقط من الوجدان. يقول عنها: «أنتِ صور التي سقطت، من جيب التاريخ». كأن الشاعر، ابن المدينة، كان يعرف أن صور لا تُحفظ في الكتب وحدها، بل في ذلك الجيب السرّي من الذاكرة، حيث تسقط المدن أحيانًا لا لتموت، بل لتصير أكثر حضورًا، أكثر ألمًا، وأكثر شبهًا بأبنائها الذين يحملونها في اللغة كما يحمل النازح مفتاح بيته.

عباس بيضون يشبه صور لأنه لم يكتبها كواجهة سياحية ولا كصورة فولكلورية. كتبها كمدينة مثقلة بالتاريخ والبحر والجراح، مدينة لا يمكن اختصارها في مشهد واحد أو حكاية واحدة. كتبها كبحرٍ لا يهدأ، وكندبةٍ لا تريد أن تتحول إلى زينة. لغته تشبه حجارتها القديمة: فيها ملح، وفيها عتمة، وفيها ضوء يخرج من الشقوق. وبسام حجّار، ابن صور أيضًا، كان يشبه صمتها العميق؛ شاعرًا ومترجمًا وناقدًا، كأن قصيدته خرجت من تلك المسافة بين البحر والموت، بين الغياب والضوء. وعبد المنعم الرفاعي، الذي وُلد في صور ثم حمل الشعر والسياسة إلى فضاءات عربية أوسع، يشهد بدوره أن هذه المدينة لا تنجب أبناءً لحدودها فقط، بل لأفقٍ أكبر من الجغرافيا.

هؤلاء يشبهون صور لأنهم لم يختصروها في شعار. يشبهونها لأنهم فهموا أن المدينة الحقيقية ليست صوتًا واحدًا، بل أصوات كثيرة. ليست راية واحدة، بل ألوان متداخلة. ليست بندقية، بل ذاكرة وكتاب وقصيدة ومرفأ وحلم. صور التي أنجبت الشعر لا تستحق أن تُختصر في خبر عاجل. صور التي منحت العالم الأرجوان لا تستحق أن تُصبغ بالسواد. صور التي عرفت التجارة والثقافة والبحر والحب لا تستحق أن تُختطف باسم محور، ولا أن تُستباح باسم عدو.

كم مؤلم أن ترقص بيوت صور اليوم من الألم بدل أن ترقص فرحًا بآلهة الحب. كم مؤلم أن تهتز شرفاتها لا على وقع الموسيقى، بل على ارتجاج القصف. كم مؤلم أن يغادر أهلها بيوتهم لا لأنهم يريدون السفر، بل لأن السياسة قررت أن تكون حياتهم مؤجلة، وأن يكون خبزهم مرهونًا بحسابات لا تشبههم.

العدو يريد صور مكسورة. وحزب الله يريدها مطيعة. أما صور نفسها فتريد أن تكون حرّة. تريد بحرها لا خنادقها. تريد مدارسها لا ملاجئها. تريد شعراءها لا مشيّعيها. تريد الأرجوان لا الدم. تريد أن تظل مدينة الحياة، لا مدينة البيانات العسكرية.

ليست صور ضد المقاومة بمعناها النبيل، حين تكون دفاعًا عن الناس والأرض والكرامة. لكنها ضد تحويل المقاومة إلى سلطة فوق الدولة، وفوق الناس، وفوق المدن. ضد أن يصبح الجنوب رهينة قرار لا يُسأل عنه أهله. ضد أن تُختصر كرامة الناس في الموت، وأن يُصبح الاعتراض خيانة، وأن تُصبح الحياة نفسها ترفًا مشبوهًا.

صور لا تشبه الذين يلوّثونها بالموت. لا تشبه العدو الذي يقصفها، ولا الحزب الذي يخاف ضوءها. هي أقدم من صواريخهم، وأجمل من راياتهم، وأوسع من أيديولوجياتهم. صور لا تنتمي إلى من يريدها منصة حرب، بل إلى من يريدها مدينة مفتوحة للبحر والفرح والكتب والحب.

سيأتي يوم تخلع فيه صور غبار الحرب عن كتفيها. ستغسل شوارعها بالمطر والملح، وتعيد إلى نوافذها الضوء، وإلى شواطئها الضحك، وإلى أرجوانها معناه الأول. لا الأحمر الذي يتركه النزيف على الأرصفة، بل الأحمر الذي يولد من البحر، من الجمال، من الحياة.

صور مدينة الحياة. ومن لا يرى ذلك، لا يعرفها، ولو رفع فوقها ألف راية، ولو أقام فيها ألف عام.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لم أخرج من الحلم… خرجتُ فقط من بعض الأوهام

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يسألني بعض الأصدقاء:لماذا تستعيد سيرة اليسار؟لماذا تعود إلى تلك...

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكثر من مطرب كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في...