أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في كل عام، حين يمرّ يوم الثامن والعشرين من أيار، لا نستعيد نحن أبناء هذا الجيل اليساري حدثًا تاريخيًا باردًا من أرشيف القرن التاسع عشر، بل نستعيد جرحًا حيًا في الذاكرة الثورية العالمية. نستعيد كومونة باريس، تلك التجربة التي اندلعت في 18 آذار 1871، حين رفضت باريس الشعبية أن تُسلّم سلاحها وحلمها لحكومة فرساي، واستمرت حتى 28 أيار من العام نفسه، يوم سُحقت عسكريًا في ختام ما عُرف بـ“الأسبوع الدامي”.
كومونة باريس لم تكن مجرد انتفاضة عابرة في مدينة محاصرة؛ كانت أول محاولة حديثة لأن يحكم العمال والفقراء والناس العاديون مدينتهم بأنفسهم. وحين انتهت المعركة عند مقبرة بير لاشيز، وحين سقط المقاتلون الكومونيون عند الجدار الذي صار لاحقًا “جدار الكومونيين”، لم يكن الرصاص يقتل أجسادًا فقط، بل كان يحاول قتل إمكانية تاريخية: أن ينهض المسحوقون لا ليحتجوا فحسب، بل ليحكموا.
لهذا ارتبط وجداننا اليساري بشهداء تلك المقبرة بعاطفة لا تنفصل عن الفكرة. فيهم نرى صورة الذين دافعوا عن قناعاتهم حتى النهاية، لا لأن النصر كان مضمونًا، بل لأن الاستسلام كان خيانة لمعنى الحياة نفسها. صارت كومونة باريس بالنسبة إلينا نموذجًا في الثورة، وفي الوفاء للمبدأ، وفي الدفاع عن كرامة الفقراء حين تتحول السياسة إلى متراس، وحين يصبح الحلم الاجتماعي أثمن من النجاة الفردية. وذكرى ذلك اليوم، 28 أيار، كانت دافعي لكتابة هذا المقال: لا رثاءً للماضي، بل محاولة لفهم ما الذي جعل الكومونة تولد، وما الذي جعلها تسقط، ولماذا بقيت رغم الهزيمة واحدة من أعظم مدارس اليسار في التاريخ الحديث، وواحدة من أكثر الدروس التي لم تتعلمها أوروبا كما يجب.
الخلفية السياسية لكومونة باريس
ولدت كومونة باريس من رحم الهزيمة والانقسام الطبقي والسياسي في فرنسا. فقد دخل نابليون الثالث حربًا كارثية ضد بروسيا سنة 1870، وانتهت الحرب بهزيمة مذلة في معركة سيدان، حيث أُسر الإمبراطور وسقطت الإمبراطورية الثانية. أُعلنت الجمهورية الثالثة، لكن هذه الجمهورية لم تولد منسجمة مع نفسها؛ فقد كانت باريس مدينة جمهورية، ثورية، مسلحة، ومشبعة بتقاليد الانتفاضات الشعبية، بينما كانت الجمعية الوطنية الجديدة تميل إلى المحافظة والملكية، وتعبر إلى حد بعيد عن أرياف خائفة من راديكالية العاصمة.
عاشت باريس حصارًا قاسيًا من القوات البروسية. الجوع، البرد، القصف، وانهيار الثقة بالسلطة المركزية كلها صنعت حالة سياسية جديدة. لم تعد الجماهير الباريسية ترى في الدولة القديمة أداة خلاص وطني، بل جهازًا عاجزًا عن الدفاع عن الشعب وقادرًا فقط على قمعه. في هذه الظروف برز الحرس الوطني، وهو قوة مسلحة من المواطنين، بوصفه التعبير العملي عن باريس الشعبية.
بعد توقيع الهدنة مع بروسيا، بدت حكومة أدولف تيير مستعدة لقبول شروط الهزيمة، لكنها لم تكن مستعدة لقبول باريس مسلحة ومستقلة الإرادة. هنا بدأ الصدام بين عاصمتين رمزيتين: باريس، مدينة الثورة والجمهورية الاجتماعية، وفرساي، مقر الحكومة المحافظة والدولة المركزية الخائفة من الشعب.
الشرارة المباشرة لنشأة الكومونة
في 18 آذار 1871، حاولت حكومة تيير نزع مدافع الحرس الوطني من مرتفعات مونمارتر. كانت هذه المدافع بالنسبة إلى سكان باريس رمزًا للدفاع الشعبي، وقد جُمعت تكاليف كثير منها من تبرعات الأهالي أثناء الحصار. لذلك لم ينظر إليها الباريسيون كسلاح تابع للحكومة، بل كملكية شعبية مرتبطة بحق المدينة في الدفاع عن نفسها.
عندما أُرسل الجيش للاستيلاء على المدافع، رفض كثير من الجنود إطلاق النار على الأهالي، وانضم بعضهم إلى الجماهير. فشلت العملية، وانسحبت حكومة تيير إلى فرساي. ومن تلك اللحظة دخلت باريس مرحلة جديدة: لم تعد مجرد مدينة متمردة، بل أصبحت فضاءً سياسيًا يسعى إلى بناء سلطة بديلة.
بعد أيام، جرت انتخابات الكومونة، وتشكّل مجلسها من خليط واسع من الجمهوريين الراديكاليين، والاشتراكيين، والبرودونيين، والبلانكيين، وأعضاء من الأممية الأولى. هذه التعددية منحت الكومونة طابعًا شعبيًا واسعًا، لكنها حملت في داخلها أيضًا بذور التردد والتناقض، خصوصًا في القضايا العسكرية والتنظيمية.
ماذا أرادت كومونة باريس؟
كانت كومونة باريس مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يتجاوز مجرد تغيير الحكومة. لقد طرحت سؤالًا جذريًا: هل يمكن للعمال والفقراء وسكان المدينة أن يديروا شؤونهم بأنفسهم، بلا دولة مركزية متعالية، وبلا جيش دائم منفصل عن الشعب، وبلا بيروقراطية تحكم من فوق؟
أرادت الكومونة جمهورية اجتماعية لا جمهورية شكلية. أي جمهورية لا تكتفي بإعلان الحقوق، بل تمسّ شروط الحياة اليومية: العمل، الأجر، التعليم، السكن، الدين، السلطة، والملكية. ومن هنا جاءت أهميتها النظرية في الفكر الماركسي. فقد رأى ماركس في الكومونة شكلًا جديدًا للسلطة، لا يستولي فقط على جهاز الدولة القديم، بل يبدأ بتفكيكه واستبداله بسلطة شعبية منتخبة وقابلة للعزل.
كتب ماركس في معنى الكومونة أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتفي بالاستيلاء على آلة الدولة الجاهزة واستخدامها لمصلحتها. هذه الفكرة أصبحت لاحقًا من أهم الدروس النظرية في الماركسية: الثورة الاجتماعية لا تكتمل بمجرد تغيير من يجلس في القصر أو الوزارة، بل تحتاج إلى تغيير شكل السلطة نفسها.
إنجازات الكومونة
رغم أن عمر كومونة باريس لم يتجاوز اثنين وسبعين يومًا تقريبًا، ورغم أنها عاشت تحت ضغط الحرب والحصار، فإنها أنجزت وطرحت إجراءات ذات معنى تاريخي كبير.
ألغت الكومونة الجيش الدائم واستبدلته بتسليح الشعب عبر الحرس الوطني، في محاولة لكسر احتكار العنف من قبل الدولة القديمة. كما أقرت الفصل بين الكنيسة والدولة، ووقفت ضد تمويل المؤسسات الدينية من المال العام، ودفعت باتجاه تعليم علماني ومجاني.
اجتماعيًا، اتخذت إجراءات لمصلحة الفقراء والعمال، منها تأجيل أو تخفيف أعباء الإيجارات والديون المتراكمة خلال الحصار، ومنع بيع الأدوات المرهونة التي اضطر الفقراء إلى رهنها للبقاء على قيد الحياة، وإلغاء العمل الليلي في المخابز. كما ناقشت تسليم الورش والمصانع التي هجرها أصحابها إلى جمعيات تعاونية يديرها العمال.
كانت هذه الإجراءات محدودة من حيث الزمن والتطبيق، لكنها كبيرة من حيث الدلالة. لقد أعلنت أن السياسة ليست شأن البرلمانات وحدها، بل شأن الخبز، والورشة، والمدرسة، والحي، والمرأة، والعامل، والجندي. لذلك صارت الكومونة في الوعي اليساري رمزًا لأول حكومة حاولت أن تجعل حاجات الطبقات الشعبية مركز الحكم.
وكان للنساء حضور مهم في التجربة الكومونية. شاركن في التنظيم، والإسعاف، والدعاية، والمتاريس، والنوادي السياسية. برزت أسماء مثل لويز ميشيل، التي تحولت لاحقًا إلى رمز للمرأة الثورية. ومع أن الكومونة لم تحقق مساواة كاملة، فإنها فتحت مجالًا جديدًا أمام مشاركة النساء في الفعل السياسي والاجتماعي الثوري.
أسباب فشل كومونة باريس
لم تسقط الكومونة لأنها كانت بلا قضية، بل لأنها واجهت ميزان قوى شديد القسوة، ولأنها ارتكبت أخطاء استراتيجية قاتلة.
أول أسباب الفشل كان التردد في الهجوم على فرساي. بعد انسحاب حكومة تيير، كانت فرساي في وضع مرتبك، وكان يمكن للكومونة أن تبادر عسكريًا قبل أن تستعيد الحكومة أنفاسها. لكنها تأخرت، وفضّلت تثبيت سلطتها داخل باريس بدل ضرب مركز الثورة المضادة. هذا التردد منح تيير الوقت لإعادة تنظيم الجيش، وجمع القوات، والاستعداد لهجوم شامل.
ثانيًا، لم تسيطر الكومونة على بنك فرنسا. وهذا خطأ بالغ الأهمية في القراءة الماركسية للتجربة. فقد امتلكت الكومونة الشارع والمتاريس، لكنها لم تمسك بمركز المال. تركت قوة مالية ضخمة تعمل تقريبًا تحت سلطة خصومها، بدل أن تستخدمها لتمويل الدفاع، وتنظيم الاقتصاد، والضغط على حكومة فرساي. ولهذا رأى كثير من الماركسيين لاحقًا أن الكومونة تصرفت بنبل أخلاقي مفرط تجاه مؤسسة لم تكن بريئة ولا محايدة.
ثالثًا، بقيت الكومونة معزولة داخل باريس. لم تتحول إلى ثورة فرنسية عامة. صحيح أن محاولات شبيهة ظهرت في مدن أخرى، لكنها كانت قصيرة ومعزولة وسُحقت بسرعة. أما الريف، فظل إلى حد كبير خائفًا أو محافظًا أو غير مقتنع بمشروع باريس. وقد نجحت حكومة فرساي في تصوير الكومونة كفوضى باريسية تهدد الأمة والدين والملكية، بدل أن تظهر بوصفها مشروعًا لتحرير العمال والفلاحين معًا.
رابعًا، عانت الكومونة من ضعف القيادة العسكرية الموحدة. كان الحرس الوطني شجاعًا، لكنه لم يكن جيشًا منظمًا قادرًا على مواجهة جيش فرساي. الديمقراطية الداخلية كانت من أعظم فضائل الكومونة، لكنها في لحظة الحرب احتاجت إلى حسم وتنظيم وقيادة مركزية واضحة. هنا جاء درس لينين لاحقًا، حين رأى أن بطولة الجماهير لا تكفي إذا لم تمتلك الثورة تنظيمًا قادرًا على اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة.
خامسًا، كانت الكومونة محاصرة بين عدوين: حكومة فرساي من جهة، وبروسيا المنتصرة من جهة أخرى. لم تكن بروسيا معنية بانتصار ثورة اجتماعية في قلب أوروبا، ولذلك سمحت عمليًا بترتيبات ساعدت حكومة فرساي على استعادة قوتها ضد باريس. هكذا وجدت الكومونة نفسها في مواجهة تحالف موضوعي بين الدولة المهزومة أمام الخارج والدولة المنتصرة في الحرب، لأنهما اتفقتا على أمر واحد: الخوف من الثورة الاجتماعية.
الكومونة في عين ماركس وإنجلز ولينين
رأى ماركس في كومونة باريس حدثًا مفصليًا في تاريخ الصراع الطبقي. لم يعتبرها مجرد انتفاضة بطولية، بل شكلًا سياسيًا مكتشفًا أخيرًا لتحرر العمل. كان معناها عنده أن الطبقة العاملة حين تصل إلى الحكم لا يمكنها أن ترث الدولة القديمة كما هي؛ عليها أن تكسر جهازها البيروقراطي والعسكري، وأن تبني سلطة من نوع جديد.
أما إنجلز، فقد رأى في الكومونة مثالًا عمليًا على ما سماه لاحقًا دكتاتورية البروليتاريا، لا بمعنى الاستبداد الفردي، بل بمعنى سلطة الطبقة العاملة المنظمة ضد عودة الطبقات المالكة. كان جوهر الفكرة أن الثورة لا تستطيع أن تبقى محايدة بين المستغِل والمستغَل، بل تحتاج إلى سلطة تحمي التحول الاجتماعي من الثورة المضادة.
لينين عاد إلى الكومونة في كتابه “الدولة والثورة”، واعتبرها تجربة حاسمة لفهم الدولة. رأى فيها محاولة لتحطيم الجيش الدائم والبيروقراطية، لكنه شدد في الوقت نفسه على دروس فشلها: لم تكن حاسمة بما يكفي مع أعدائها، ولم تستولِ على مراكز القوة الاقتصادية، ولم تطور تنظيمًا ثوريًا قادرًا على قيادة الصراع إلى نهايته.
ومن هنا أصبحت الكومونة مدرسة مزدوجة لليسار: مدرسة في البطولة والديمقراطية الشعبية، ومدرسة في حدود العفوية والتردد. لقد علّمت اليسار أن الجماهير قادرة على صنع التاريخ، لكنها علّمته أيضًا أن التاريخ لا يرحم الثورات التي تترك أعداءها يعيدون تنظيم صفوفهم.
أهم ما كُتب عن كومونة باريس وتقييمات الكتّاب
لم تكن كومونة باريس حدثًا سياسيًا انتهى في أيار 1871، بل تحولت سريعًا إلى موضوع مركزي في الكتابة الثورية والتاريخية. كتب عنها ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي بوصفها مختبرًا للصراع الطبقي والدولة والثورة، كما عاد إليها مؤرخون لاحقون لقراءتها من زوايا اجتماعية وثقافية وسياسية متعددة. لذلك فإن تاريخ الكومونة ليس فقط ما حدث في شوارع باريس، بل أيضًا ما كُتب عنها، وكيف فُهمت، وكيف استُخدمت في بناء الوعي اليساري.
كان أهم نص ماركسي مباشر عن الكومونة هو كتاب كارل ماركس “الحرب الأهلية في فرنسا”، الذي كُتب باسم المجلس العام للأممية الأولى بعد أسابيع قليلة من سقوطها. في هذا النص لم يتعامل ماركس مع الكومونة كتمرد محلي، بل كأول شكل تاريخي لسلطة الطبقة العاملة. رأى فيها “الشكل السياسي المكتشف أخيرًا لتحرير العمل”، واعتبر أن أعظم دروسها هو أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستولي ببساطة على آلة الدولة الجاهزة وتستخدمها لمصلحتها، بل عليها أن تحطم الشكل القديم للدولة وتبني سلطة جديدة من الأسفل. تقييم ماركس كان شديد الإعجاب بالكومونة، لكنه لم يكن عاطفيًا فقط؛ فقد رأى عظمتها في شكلها السياسي، وفي انتخاب مسؤوليها، وقابليتهم للعزل، وإلغاء الجيش الدائم، ومحاولة تحويل الحكم إلى وظيفة اجتماعية لا امتيازًا طبقيًا.
أما فريدريك إنجلز، فقد عاد إلى الكومونة لاحقًا، خصوصًا في مقدمته لطبعة “الحرب الأهلية في فرنسا”، ورأى فيها المثال العملي الأوضح على ما سماه الماركسيون “ديكتاتورية البروليتاريا”. لم يكن يقصد بذلك الاستبداد الفردي أو القمع الأعمى، بل سلطة الطبقة العاملة المنظمة في مواجهة الطبقات المالكة والثورة المضادة. تقييم إنجلز للكومونة ركّز على أنها كشفت إمكانية استبدال الدولة البيروقراطية والعسكرية بديمقراطية عمالية مباشرة، لكنه رأى أيضًا أن ضعفها كان في عدم الحسم الكافي تجاه أعدائها.
لينين جعل الكومونة أحد الأعمدة النظرية في كتابه “الدولة والثورة”. قرأها بوصفها برهانًا تاريخيًا على ضرورة تحطيم جهاز الدولة البرجوازية، لا الاكتفاء بإصلاحه أو الاستيلاء عليه من الداخل. بالنسبة إلى لينين، كانت الكومونة عظيمة لأنها ألغت الجيش الدائم وفتحت الطريق لسلطة شعبية، لكنها فشلت لأنها لم تمضِ بعيدًا بما يكفي: لم تستولِ على بنك فرنسا، ولم تضرب فرساي في الوقت المناسب، ولم تمتلك قيادة ثورية مركزية قادرة على تحويل الانتفاضة إلى انتصار. كان تقييم لينين إذن مزدوجًا: تمجيد التجربة بوصفها أعظم درس عملي للثورة، ونقد قاسٍ لترددها ونصف إجراءاتها.
أما ليون تروتسكي، فقد قرأ الكومونة من زاوية أزمة القيادة. في كتاباته عنها، خصوصًا عند مقارنتها بثورة أكتوبر، رأى أن الكومونة امتلكت جماهير ثورية وشجاعة هائلة، لكنها افتقرت إلى حزب ثوري منظم قادر على توحيد القرار السياسي والعسكري. بالنسبة إلى تروتسكي، كانت مأساة الكومونة أن الجماهير كانت مستعدة للتضحية، لكن القيادة لم تكن مستعدة للحسم. لذلك اعتبر أن الكومونة أكدت أن العفوية تصنع الانتفاضة، لكنها لا تكفي لبناء سلطة قادرة على البقاء.
ومن خارج الماركسية الصارمة، كتب عنها الأناركيون والفيدراليون باعتبارها تجربة في الحكم الذاتي الشعبي. رأى فيها بيتر كروبوتكين، مثلًا، دليلًا على قدرة الجماعات المحلية والبلديات الحرة على إدارة شؤونها دون دولة مركزية خانقة. غير أن القراءة الأناركية ركزت على الطابع البلدي والفيدرالي للكومونة أكثر من تركيزها على مسألة السلطة الطبقية. لذلك كانت الكومونة في نظر الأناركيين برهانًا على إمكان التنظيم من الأسفل، بينما كانت في نظر الماركسيين برهانًا على ضرورة سلطة عمالية تكسر الدولة القديمة.
وفي الكتابات التاريخية الحديثة، تنوعت التقييمات. رأى بعض المؤرخين، مثل بروسبير-أوليفييه ليساغاري، وهو من شهود التجربة ومن المدافعين عنها، أن الكومونة كانت ثورة شعبية عظيمة خذلتها الترددات والأخطاء وسحقها انتقام برجوازي دموي. كتابه “تاريخ كومونة 1871” يُعد من أهم الشهادات القريبة من الحدث، لأنه كتب بروح المناضل لا بروح المؤرخ البارد، لكنه مع ذلك قدّم تفاصيل واسعة عن الوقائع والصراعات الداخلية.
أما المؤرخون اللاحقون مثل روبرت تومبس، فقد حاولوا إعادة قراءة الكومونة بعيدًا عن الأسطورة، سواء الأسطورة اليسارية التي جعلت منها نموذجًا شبه مقدس، أو الأسطورة اليمينية التي صوّرتها كفوضى دموية. تومبس، مثلًا، شدد على ضرورة التمييز بين الذاكرة والحدث، وراجع أرقام ضحايا الأسبوع الدامي، معتبرًا أن بعض الأرقام المتداولة في الذاكرة السياسية قد تكون مبالغًا فيها. أهمية هذه القراءة أنها لا تنفي وحشية القمع، لكنها تدعو إلى فهم الكومونة تاريخيًا لا أسطوريًا فقط.
كذلك أعاد مؤرخون اجتماعيون وثقافيون مثل جاك روجري، وكريستين روس، وغيرهما، النظر في الكومونة بوصفها تجربة في تخيل حياة أخرى، لا مجرد صراع على السلطة. في هذه القراءات، تظهر الكومونة كفضاء لإعادة اختراع السياسة اليومية: التعليم، الفن، العمل، المدينة، علاقة النساء بالثورة، ومعنى أن يتحول السكان إلى فاعلين لا رعايا. خصوصًا عند كريستين روس، تبدو الكومونة لا كحدث فرنسي مغلق، بل كأفق أممي لتحرير العمل والحياة والمدينة من سلطة الدولة والرأسمال.
وعند النظر إلى مجمل ما كُتب عنها، يمكن القول إن تقييمات الكتّاب انقسمت إلى ثلاثة اتجاهات كبرى. الاتجاه الماركسي رأى فيها أول تجربة لسلطة الطبقة العاملة، وأخذ منها درس تحطيم الدولة القديمة وبناء سلطة جديدة. الاتجاه الأناركي والفيدرالي رأى فيها نموذجًا للحكم الذاتي المحلي والديمقراطية المباشرة. أما الاتجاه التاريخي النقدي الحديث، فقد حاول تحريرها من التقديس والشيطنة معًا، وفهمها في شروطها الواقعية: مدينة محاصرة، طبقة عاملة صاعدة، دولة مهزومة، حكومة محافظة، وحرب أهلية قصيرة لكنها شديدة الدلالة.
لكن ما يجمع أغلب هذه الكتابات، حتى حين تختلف في التقييم، هو الاعتراف بأن كومونة باريس كانت حدثًا أكبر من عمره الزمني. لقد عاشت اثنين وسبعين يومًا، لكنها فتحت قرنًا ونصف القرن من الأسئلة. لهذا ظلّ الكتّاب يعودون إليها: لا لأنها قدّمت نموذجًا كاملًا، بل لأنها طرحت المشكلة في أنقى صورها وأكثرها مأساوية: كيف يمكن للمقهورين أن يحكموا؟ وكيف يمكن للثورة أن تنتقل من المتراس إلى المؤسسة، ومن التضحية إلى البقاء، ومن الذاكرة إلى المستقبل؟
الأسبوع الدامي وشهداء المقبرة
بين 21 و28 أيار 1871، دخلت قوات فرساي باريس وبدأ ما عُرف بالأسبوع الدامي. قاتل الكومونيون في الشوارع، في الأحياء الشعبية، فوق المتاريس، وحولوا المدينة إلى ساحة دفاع أخير عن حلمهم. ومع تقدم قوات فرساي، وقعت إعدامات جماعية، وامتلأت السجون، وسقط آلاف القتلى.
في مقبرة بير لاشيز، تحصن آخر المدافعين عن الكومونة. هناك، عند الجدار الذي صار يعرف بجدار الكومونيين، أُعدم عدد من المقاتلين رميًا بالرصاص. ومنذ ذلك الوقت لم تعد المقبرة مكانًا للموت فقط، بل صارت مكانًا لذاكرة الثورة. صار الجدار شاهدًا على أن الهزيمة قد تكون أحيانًا أعمق أثرًا من انتصار عابر، إذا حملت في داخلها معنى التضحية والوفاء للفكرة.
لهذا لا يزور اليساريون ذكرى الكومونة كمن يزور أطلالًا قديمة. إنهم يعودون إليها كما يعود المرء إلى أصل من أصوله الروحية. ففي شهداء المقبرة نرى أولئك الذين قالوا إن العدالة تستحق أن يُدافع عنها حتى اللحظة الأخيرة، وإن الفقراء ليسوا مادة للشفقة، بل قوة قادرة على الحكم والتنظيم والخلق.
تأثير الكومونة على الفكر اليساري
تركت كومونة باريس أثرًا عميقًا في الماركسية والاشتراكية والفكر الثوري عمومًا. قبل الكومونة كان الحديث عن حكم الطبقة العاملة أقرب إلى تصور نظري. بعد الكومونة صار هناك مثال تاريخي، ولو قصير، على سلطة شعبية منتخبة، مسلحة، ومعادية للبيروقراطية والامتيازات.
بالنسبة إلى الماركسيين، أكدت الكومونة أن الدولة ليست أداة محايدة. إنها جهاز طبقي، وحين تسيطر عليه الطبقات المالكة تستخدمه لحماية الملكية والامتياز. لذلك لا يكفي تغيير الحكومة؛ يجب تغيير بنية الدولة نفسها. هذه الفكرة ستصبح لاحقًا مركزية في كل التراث الماركسي الثوري.
وبالنسبة إلى الحركات العمالية، صارت الكومونة رمزًا لقدرة العمال على إدارة المجتمع. لم تعد الطبقة العاملة مجرد قوة احتجاج أو إضراب، بل ظهرت كقوة سياسية قادرة على التشريع والإدارة والدفاع والتنظيم. هذا المعنى كان هائلًا في تشكيل الخيال السياسي لليسار في القرن العشرين.
أما بالنسبة إلى التيارات الأناركية والنقابية الثورية، فقد كانت الكومونة دليلًا على إمكانية الحكم المحلي والفيدرالية الشعبية والإدارة الذاتية. لذلك ظلت الكومونة ملكًا رمزيًا لكل اليسار، رغم اختلاف تفسيرها بين الماركسيين والأناركيين والاشتراكيين. كل تيار وجد فيها شيئًا من صورته: الدولة العمالية، أو المجتمع الذاتي، أو سلطة المنتجين، أو الديمقراطية المباشرة.
الدرس المؤجل: ما لم يتعلمه اليسار الأوروبي من كومونة باريس
ما لم يتعلمه اليسار الأوروبي من كومونة باريس ليس درسًا واحدًا، بل مجموعة دروس تكررت إخفاقاتها بأشكال مختلفة: في الثورة، وفي الدولة، وفي التنظيم، وفي العلاقة مع المجتمع الأوسع. والكلام هنا لا يعني أن اليسار الأوروبي لم يتأثر بالكومونة؛ بالعكس، جعلها أيقونة كبرى في ذاكرته السياسية والنضالية. لكنه، في كثير من الأحيان، حفظ صورتها العاطفية أكثر مما استوعب شروطها السياسية.
لقد بقيت الكومونة في وجدان اليسار رمزًا للشهداء والمتاريس وجدار الكومونيين، لكنها كانت أيضًا تجربة قاسية في معنى السلطة. فهي لم تقل لليسار إن الشجاعة وحدها تصنع التاريخ، بل قالت إن الشجاعة التي لا تتحول إلى تنظيم واستراتيجية قد تنتهي إلى مجزرة. من هنا يبدأ الدرس المؤجل: الثورة لا تنتصر لأنها عادلة فقط، بل لأنها تعرف كيف تحمي عدالتها بالقوة، والتحالفات، والمال، والقرار، والامتداد الاجتماعي.
أول ما لم يتعلمه اليسار الأوروبي بما يكفي هو أن البطولة لا تكفي. فقد كان أعظم ما في كومونة باريس بطولة الناس العاديين: العمال، الحرفيين، النساء، الحرس الوطني، وسكان الأحياء الشعبية. لكن البطولة وحدها لم تمنع الهزيمة. كثير من اليسار ورث من الكومونة صورتها الملحمية: المتاريس، الشهداء، المقبرة، الدفاع حتى اللحظة الأخيرة. لكنه أحيانًا حوّل هذه الصورة إلى رومانسية سياسية، كأن نقاء الموقف يعوض ضعف التنظيم أو سوء تقدير ميزان القوى.
وثاني ما لم يتعلمه هو خطورة ترك الدولة القديمة قائمة. بعد الكومونة كتب ماركس أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تضع يدها ببساطة على آلة الدولة الجاهزة وتستخدمها لمصلحتها. كان معنى ذلك أن الدولة البرجوازية ليست جهازًا محايدًا؛ الجيش، الشرطة، القضاء، البيروقراطية، الإدارة، كلها مبنية لحماية نظام اجتماعي معين. لكن جزءًا واسعًا من اليسار الأوروبي، خصوصًا في تجربته الاشتراكية الديمقراطية، اعتقد لاحقًا أن الوصول إلى البرلمان أو الحكومة يكفي لتغيير المجتمع تدريجيًا. وهنا نسي الدرس المركزي للكومونة: السلطة لا تختصر في صناديق الاقتراع، بل توجد أيضًا في أجهزة الدولة العميقة، وفي المال، وفي الإعلام، وفي الجيش، وفي القضاء، وفي البيروقراطية.
وثالث الدروس غير المستوعبة أن المال مركز من مراكز السلطة. أحد أكبر أخطاء كومونة باريس أنها لم تسيطر على بنك فرنسا. امتلكت الشارع، والمتاريس، والشرعية الشعبية داخل باريس، لكنها تركت مركز المال يعمل تقريبًا خارج إرادتها. وهذا الدرس تكرر لاحقًا في تجارب يسارية كثيرة: يصل اليسار إلى الحكومة، لكنه لا يملك النظام المالي. يرفع شعارات العدالة الاجتماعية، لكنه يبقى مقيدًا بالبنوك، والأسواق، والديون، ورأس المال، والمؤسسات المالية. وعندما تبدأ المواجهة الحقيقية، يكتشف أن السلطة الاقتصادية قادرة على خنق السلطة السياسية.
كذلك لم يتعلم اليسار الأوروبي دائمًا ضرورة كسب المجتمع كله، لا الطليعة وحدها. بقيت كومونة باريس معزولة إلى حد كبير داخل العاصمة. لم تستطع كسب الريف الفرنسي، ولم تتحول إلى ثورة وطنية عامة. استغلت حكومة فرساي هذا العزل وصورت الكومونة كتمرد باريس ضد الأمة. وهذا الدرس تكرر بأشكال مختلفة: فقد بنى اليسار خطابه غالبًا حول المدن الكبرى، العمال الصناعيين، النقابات، الطلاب، والمثقفين، لكنه عجز في محطات كثيرة عن مخاطبة الريف، والأطراف، وصغار المالكين، والفئات الخائفة من التغيير. وحين يفشل اليسار في مخاطبة هذه الفئات، يملأ اليمين الفراغ، ويحوّل الخوف الاجتماعي إلى قوة سياسية ضد اليسار نفسه.
ومن الدروس التي لم تُستوعب جيدًا أيضًا ضرورة التوازن بين الديمقراطية والحسم. كانت الكومونة تجربة ديمقراطية عظيمة: انتخاب، عزل، نقاش، مشاركة شعبية، وسلطة من الأسفل. لكنها في لحظات الحرب احتاجت إلى حسم أسرع وتنظيم أوضح. ترددت في مهاجمة فرساي، وترددت في السيطرة على بنك فرنسا، وتعثرت في بناء قيادة عسكرية موحدة. واليسار الأوروبي وقع لاحقًا مرارًا بين خطأين: إما ديمقراطية داخلية واسعة بلا قدرة على اتخاذ القرار، أو مركزية حزبية تخنق المشاركة الشعبية. أما درس الكومونة فكان أعمق: المطلوب ليس إلغاء الديمقراطية باسم الحسم، ولا إلغاء الحسم باسم الديمقراطية، بل بناء تنظيم شعبي قادر على النقاش والقرار معًا.
كما لم يتعلم اليسار الأوروبي دائمًا أن اليمين لا يرحم عندما تُهدد مصالحه. تعامل بعض الكومونيين بنوع من النبل السياسي تجاه خصومهم، لكن فرساي لم تتردد حين استعادت قوتها. دخلت باريس بالمدافع والإعدامات الجماعية. هذا الدرس تكرر لاحقًا: حين تُهدد مصالح المال والملكية والسلطة فعليًا، يمكن لليمين أن يتحالف مع الجيش، والقضاء، ورأس المال، والإعلام، وحتى القوى الخارجية، من أجل سحق التجربة أو تطويقها. الصراع الطبقي ليس مناظرة أخلاقية؛ فالخصم لا يكتفي بالحجج عندما يشعر بأن امتيازاته في خطر.
ولعل من أكبر الإخفاقات أن اليسار الأوروبي لم يتعلم دائمًا كيف يحوّل الرمز إلى برنامج. تحولت كومونة باريس إلى أيقونة كبرى: تُرفع صورها، وتُكتب عنها القصائد، وتُستحضر في الخطب، ويُزار جدار الكومونيين كما تُزار المقامات الثورية. لكن تحويل الذكرى إلى طقس لا يعني فهمها. الوفاء الحقيقي للكومونة لا يكون بالبكاء على شهدائها فقط، بل بطرح أسئلتها العملية: كيف نبني ديمقراطية شعبية؟ كيف نراقب المنتخبين؟ كيف نفكك البيروقراطية؟ كيف نربط البلدية بالاقتصاد؟ كيف نحمي الخدمات العامة؟ كيف نواجه سلطة المال؟ كيف نجعل الأحياء والنقابات والتعاونيات جزءًا من الحكم؟
ومن الدروس التي ظلت ناقصة أيضًا أن السلطة المحلية وحدها لا تكفي. كانت الكومونة تجربة بلدية ثورية، جاءت قوتها من المدينة والأحياء والمجالس والحرس الوطني. لكنها سقطت لأنها بقيت محلية أكثر مما ينبغي. لم تستطع أن تربط باريس بفرنسا كلها. وهذا مهم لليسار المعاصر، الذي يميل أحيانًا إلى البلديات، التعاونيات، المبادرات المحلية، الحركات الأفقية، والفضاءات المستقلة. كل ذلك مهم وضروري، لكنه لا يكفي إذا بقيت الدولة المركزية، والاقتصاد الكبير، والحدود، والمؤسسات السيادية، في يد الخصوم. المحلي ضروري، لكنه لا يصبح قوة تاريخية إلا إذا ارتبط باستراتيجية وطنية وأممية.
أما البعد الأممي، فرغم حضوره الرمزي في ذاكرة الكومونة، لم يتحول دائمًا إلى ممارسة ثابتة لدى اليسار الأوروبي. كانت الكومونة حدثًا فرنسيًا، لكنها حملت معنى أمميًا، وشارك فيها ثوريون أجانب، ورأى فيها ماركس حدثًا عالميًا في تاريخ الطبقة العاملة. ومع ذلك ظل اليسار الأوروبي لاحقًا ممزقًا بين الأممية النظرية والمصالح الوطنية العملية. في أزمنة الحروب والأزمات، انحاز جزء منه إلى الدولة القومية أو الحسابات الانتخابية، بدل أن يتمسك بروح التضامن العابر للحدود. وهنا ضاع درس آخر من دروس الكومونة: الثورة الاجتماعية تخيف الأنظمة كلها، ولذلك تحتاج إلى تضامن يتجاوز الحدود.
وأخيرًا، لم يتعلم اليسار الأوروبي دائمًا أن الهزيمة يجب أن تُقرأ لا أن تُقدس. أحيانًا يتعامل اليسار مع هزائمه كأنها دليل طهارة. كلما سقطت تجربة، تحولت إلى أسطورة. لكن تقديس الهزيمة خطر، لأنه يعفي من النقد. كومونة باريس تستحق المجد، لكنها تستحق النقد أيضًا. عظمتها لا تلغي أخطاءها. والوفاء الحقيقي لشهدائها ليس أن نقول إنهم كانوا على حق فقط، بل أن نسأل: لماذا لم ينتصروا؟ ماذا كان يجب أن يفعلوا؟ وما الأخطاء التي يجب ألا تتكرر؟
ما الذي كان مطلوبًا لاستمرارها؟
كان استمرار كومونة باريس يتطلب شروطًا لم تتوافر لها. أولها المبادرة العسكرية السريعة ضد فرساي قبل أن تستعيد الحكومة قوتها. فالثورة التي تترك مركز الثورة المضادة قائمًا تمنحه فرصة التحضير للانتقام.
وكان مطلوبًا منها أن تسيطر على بنك فرنسا، لأن الثورة لا تستطيع أن تعيش على الحماسة وحدها. المال ليس تفصيلًا تقنيًا في الصراع الطبقي، بل هو أحد مراكز السلطة. من يترك المال في يد خصمه يترك له القدرة على شراء السلاح، وتنظيم الجيش، وتمويل الحصار.
وكان مطلوبًا أيضًا توسيع الثورة خارج باريس. كان على الكومونة أن تكسب المدن الأخرى والريف، وأن تقدم برنامجًا واضحًا للفلاحين، يطمئنهم ويدافع عن مصالحهم ضد الديون والضرائب والمرابين وكبار الملاك. فبدون تحالف بين العمال والفلاحين، بقيت باريس جزيرة ثورية وسط بحر من الخوف المحافظ.
وكانت تحتاج إلى قيادة سياسية أوضح. تعدديتها كانت جميلة وغنية، لكنها احتاجت في لحظة الحرب إلى وحدة استراتيجية. لم يكن المطلوب إلغاء الديمقراطية، بل حمايتها بقرار ثوري حاسم. فالديمقراطية الشعبية حين تواجه جيشًا مضادًا للثورة تحتاج إلى تنظيم، وإلا تحولت الشجاعة إلى استشهاد نبيل لا إلى انتصار.
من الذاكرة إلى الاستراتيجية
سقطت كومونة باريس عسكريًا، لكنها انتصرت في الذاكرة والفكر. هُزمت في الشوارع، لكنها بقيت في الكتب، والأحزاب، والنقابات، والأغاني، والرايات، والقبور التي صارت منارات. لم تكن الكومونة تجربة كاملة ولا مقدسة ولا خالية من الأخطاء، لكنها كانت واحدة من أنبل المحاولات التي قام بها العمال والفقراء ليقولوا إنهم ليسوا مجرد ضحايا للتاريخ، بل صانعون له.
إن ذكرى 28 أيار ليست ذكرى نهاية فقط. إنها ذكرى سؤال لا يزال مفتوحًا: كيف يمكن للناس أن يحكموا أنفسهم؟ كيف يمكن للثورة أن تجمع بين العاطفة والتنظيم، بين الديمقراطية والحسم، بين البطولة والسياسة، بين الحلم والقدرة على البقاء؟
وعند جدار الكومونيين في مقبرة بير لاشيز، لا تقف الذاكرة اليسارية أمام موتى مجهولين، بل أمام أسلاف رمزيين. أولئك الذين خسروا المعركة، لكنهم منحوا اليسار واحدة من أعظم حقائقه: أن الثورة ليست وعدًا سهلًا بالنصر، بل استعداد دائم للدفاع عن العدالة، حتى عندما يبدو العالم كله مصطفًا ضدها.
هكذا تبدو كومونة باريس، لا كذكرى حزينة فحسب، بل كاختبار دائم لجدية اليسار. فقد قالت له إن النقاء الأخلاقي لا يكفي، وإن الفقراء لا ينتصرون لمجرد أنهم مظلومون، وإن الثورة لا تعيش إذا تركت المال والسلاح والإدارة والإعلام في يد خصومها. وقالت له أيضًا إن المدينة الثورية إذا بقيت وحيدة تُخنق، وإن الديمقراطية إذا لم تعرف كيف تدافع عن نفسها تتحول إلى ضحية، وإن الشهداء لا يطلبون منا البكاء عليهم بقدر ما يطلبون ألا نكرر الأخطاء التي أوصلتهم إلى الجدار.
لذلك لا ينبغي أن تكون كومونة باريس مجرد أيقونة معلقة في ذاكرة اليسار الأوروبي. يجب أن تكون أداة تفكير ومدرسة تنظيم، وجرس إنذار. لقد خسر الكومونيون معركتهم، لكنهم تركوا سؤالًا لم يفقد راهنيته: كيف نحول العاطفة الثورية إلى قوة مادية؟ كيف نحول البطولة إلى تنظيم؟ كيف نحول التضحية إلى انتصار؟ وكيف نحول الذاكرة إلى استراتيجية قادرة على البقاء؟
:::



