السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

كرد سوريا بين تبعية القيادات ورمزية التمثيل!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

أكراد سوريا اليوم يضيعون بين مجلس وطني كردي ينقصه الكثير ليكون وطنياً بالمعنى السوري العام، وينقصه أيضاً الكثير ليكون حامياً حقيقياً لقضايا الكرد القومية، وبين قسد وقواتها التي تسمّي نفسها ديمقراطية، وهي في ممارسات كثيرة بعيدة عن الديمقراطية بعد السماء عن الأرض. لم توفَّق سوريا، ولم يوفَّق كردها، بأن تخرج من بينهم قيادات تاريخية من طراز عبد الرحمن قاسملو، أو مصطفى سلطاني، أو جلال طالباني، أو مسعود بارزاني. بقي المشهد الكردي السوري، في معظمه، أسير أشباه القيادات والمرتزقة السياسيين، لا ينتج مشروعاً مستقلاً ولا رؤية وطنية جامعة.

والسبب الأول في ذلك أن الحركة الكردية السورية لم تتعوّد أن تكون مستقلة. فقد كانت دائماً، بدرجات مختلفة، تابعة للحركة الكردستانية في العراق أو تركيا. كان الولاء السياسي والتنظيمي موزعاً بين ثلاثة مراكز كبرى: عبد الله أوجلان، ومسعود بارزاني وقبله والده الملا مصطفى، وجلال طالباني، مع حفظ الألقاب. وكل واحد من هؤلاء القادة استخدم الورقة الكردية السورية، بصورة أو بأخرى، لخدمة قضيته وموقعه وحساباته الإقليمية. وبذلك لم يتحول كرد سوريا إلى أصحاب قرار مستقل، بل ظلوا في كثير من الأحيان مادة سياسية مستعملة في صراعات الآخرين.

وكان هناك خط أحمر لا يتجاوزه الجميع: غضب حافظ الأسد. فقد احتضن الأسد هؤلاء القادة كلٌّ لغاياته؛ جلال طالباني ومسعود بارزاني لمناكفة صدام حسين، وعبد الله أوجلان لمناكفة تركيا. وفي ظل هذه الحسابات لم تكن الأولوية بناء حركة وطنية كردية سورية تهتم بمصالح كرد سوريا أولاً، بل كانت الأولوية إدارة التناقضات الإقليمية والاستفادة من هوامش الصراع بين دمشق وبغداد وأنقرة. لذلك لم تتبلور في سوريا حركة كردية وطنية مستقلة بالمعنى الحقيقي، حركة ترى القضية الكردية جزءاً من قضية سوريا كلها، لا ملحقاً بقضايا كردستانية أخرى ولا أداة في يد أنظمة المنطقة.

الاستثناء الأبرز في هذا المشهد كان القيادي المغدور الشهيد مشعل تمو. فقد تعامل تمو مع الوضع الكردي بوصفه جزءاً من الأزمة السورية العامة، لا بوصفه جزيرة معزولة عن مصير البلاد. كان يرى أن حرية الكرد لا تنفصل عن حرية السوريين، وأن حل القضية الكردية لا يكون عبر الارتهان للخارج أو الانغلاق القومي، بل عبر مشروع وطني ديمقراطي يعترف بسوريا المتعددة وبحقوق جميع مكوناتها. لذلك كان خطيراً على الجميع: خطيراً على الاستبداد لأنه كسر ثنائية النظام والمعارضة الشكلية، وخطيراً على تجار القضية الكردية لأنه فضح عجزهم وتبعيتهم، وخطيراً على مشاريع الهيمنة الحزبية لأنها لا تحتمل قائداً كردياً سورياً مستقلاً. لذلك قتلوه، لأن مشروعه كان يتجاوز حدود الزعامة الصغيرة إلى معنى القيادة الوطنية.

ومناسبة هذا الكلام هي ما جرى أخيراً في ملف تمثيل الكرد داخل مجلس الشعب السوري. فالمسألة لا تتعلق فقط بأسماء جرى اختيارها أو مقاعد جرى توزيعها، بل تتعلق بالسؤال الأعمق: هل يُراد للكرد أن يكونوا شركاء حقيقيين في سوريا، أم مجرد أرقام رمزية في مجلس لا يعبّر عن إرادة الناس؟ إن الحديث عن انتخابات في ظل آليات اختيار غير مباشرة وتعيينات من فوق يبقى حديثاً ناقصاً. فحين يكون جزء كبير من المجلس قائماً على التعيين، وحين تُدار العملية عبر هيئات محدودة لا عبر اقتراع شعبي حر ومباشر، فإن التمثيل يصبح أقرب إلى المنحة السياسية منه إلى الحق الوطني.

والأخطر أن حصة الكرد في البرلمان السوري ظهرت كحصة رمزية لا تعكس وزنهم السياسي ولا الجغرافي ولا التاريخي. فالاعتراض الكردي على تخصيص عدد محدود من المقاعد لم يكن مجرد اعتراض على رقم، بل اعتراض على منطق كامل يرى الكرد تفصيلاً ثانوياً في سوريا الجديدة أو القديمة على السواء. إن تقليص حضور الكرد إلى بضعة مقاعد، أو اختيار ممثلين ضمن معادلات تعيين وتحكم، يعني عملياً إعادة إنتاج سياسة الإنكار بوجه جديد. فالتمثيل الحقيقي لا يكون بتعيين أشخاص باسم الكرد، ولا بإدخال بعض الوجوه إلى البرلمان لتجميل المشهد، بل يكون عبر اعتراف دستوري واضح بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد، وعبر انتخابات حرة تتيح لهم اختيار من يمثلهم فعلاً.

إن مأساة الكرد في سوريا أنهم وقعوا بين مشروعين ناقصين: مشروع مجلس وطني كردي لم يستطع أن يكون وطنياً سورياً بالمعنى الواسع، ولا كردياً حاسماً بالمعنى القومي، ومشروع قسد الذي رفع شعار الديمقراطية لكنه لم ينجح في تقديم نموذج ديمقراطي مقنع داخل المناطق التي يسيطر عليها. وبين هذين المشروعين ضاعت القضية الكردية السورية، وضاع معها الصوت الكردي المستقل الذي كان يفترض أن يقول بوضوح: لسنا تابعين لأحد، لا لأوجلان، ولا لبارزاني، ولا لطالباني، ولا لأي نظام عربي أو إقليمي. نحن كرد سوريا، وقضيتنا تبدأ من سوريا ولا تنتهي خارجها.

إن الكرد لا يحتاجون إلى مقاعد رمزية في برلمان مُدار، ولا إلى قيادات مستعارة من جبال قنديل أو أربيل أو السليمانية، ولا إلى شعارات ديمقراطية لا تصمد أمام امتحان الممارسة. ما يحتاجونه هو قيادة كردية سورية مستقلة، تمتلك شجاعة مشعل تمو، ووضوحه الوطني، وقدرته على ربط القضية الكردية بمستقبل سوريا كلها. فالقضية الكردية ليست عبئاً على سوريا، بل امتحان لصدق أي مشروع وطني سوري. ومن لا يعترف بالكرد وحقوقهم لا يستطيع أن يبني دولة مواطنة، ومن يحوّل الكرد إلى حصة تعيين أو ديكور برلماني لا يختلف كثيراً عمّن أنكر وجودهم لعقود.

لذلك فإن التعيينات والانتخابات الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها انتصاراً للكرد، بل بوصفها دليلاً جديداً على عمق الأزمة. فحين لا يكون للكرد تمثيل نابع من إرادتهم الحرة، وحين تبقى قياداتهم موزعة الولاء بين الخارج والسلطة والأحزاب المغلقة، فإنهم سيبقون خارج الفعل الحقيقي مهما دخل بعضهم إلى البرلمان. المشكلة ليست في المقعد، بل في معنى المقعد. وليست في الاسم الذي يجلس تحت قبة المجلس، بل في الجهة التي اختارته، وفي المشروع الذي يحمله، وفي مدى قدرته على الدفاع عن قضية الكرد ضمن قضية سوريا العامة.

لقد آن للكرد السوريين أن يخرجوا من زمن التبعية، وأن يتوقفوا عن انتظار زعيم يأتيهم من خلف الحدود أو قرار يصدر من سلطة لا تؤمن بهم. آن لهم أن يصوغوا مشروعهم بأنفسهم: مشروعاً كردياً سورياً وطنياً، لا يبيع القضية في سوق المحاور، ولا يختصرها في مقاعد رمزية، ولا يرفع الديمقراطية شعاراً ثم يمارس عكسها. ومن دون هذا التحول ستبقى المأساة نفسها تتكرر: قيادات ناقصة، تمثيل ناقص، وحقوق مؤجلة، بينما يدفع الناس العاديون ثمن أخطاء من يتكلمون باسمهم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

اتفاق لم يولد بعد: مذكرة واشنطن وطهران بين وساطة قطر وشروط إسرائيل وارتدادات لبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن الحديث حتى...

حين كبرنا على ضوء ظفار: فواز طرابلسي وذاكرة الثورة البعيدة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كبر جيلنا على حكايات لا تشبه الحكايات العابرة. كبرنا...