أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليس النقاش الدائر حول نداءَي صور والنبطية نقاشاً عادياً. هو نقاش موجع، حاد، ومشحون بالخوف والدمار والخذلان. وهو، قبل أن يكون سجالاً سياسياً بين مؤيد ومعارض، صرخة ناس يقفون أمام سؤال لم يعد ممكناً الهروب منه: ماذا نفعل حين يصبح الاحتلال واقعاً يتمدّد كل يوم، وحين تصبح مقاومته بالوسائل القائمة عاجزة عن منع الخراب عن القرى والمدن والبيوت؟
في صور، خرج نداء يطالب بإعلان المدينة “مدينة مفتوحة” خالية من السلاح، تحت سلطة الدولة، وبحضور الجيش والقوى الأمنية، وبممرات آمنة ووقف للنار. وفي النبطية، لحق نداء آخر بالمعنى نفسه تقريباً، داعياً إلى إعلان المدينة ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة تحت رعاية الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية، وخالية من كل ما يعرّض أهلها للخطر. بين النداءين اشتعل النقاش: هناك من رأى فيهما موقفاً شجاعاً لإنقاذ ما تبقى، وهناك من اعتبرهما تنازلاً خطيراً أو طعنة في لحظة مواجهة.
من حق الناس أن توافق، ومن حقها أن ترفض. من حق من خسر بيته أن يصرخ، ومن حق من يخشى من استغلال العدو لهذه الصرخة أن يتحفظ. لكن ليس من حق أحد أن يلغي السؤال الأكبر: ما هو الحل؟ وهل يجوز أن يبقى الناس عالقين بين احتلال يتوسع ومقاومة لم تعد قادرة، بالشكل القائم، على حماية القرى من التدمير؟
الحقيقة القاسية أن ميزان الكلفة صار فادحاً. مقابل مسيّرة تصيب دبابة أو تجرح عدداً من الجنود، يرد العدو بتدمير قرية، أو تهجير بلدة، أو تحويل أحياء كاملة إلى ركام. هذه ليست إدانة لفكرة المقاومة، بل مساءلة قاسية لواقعها الحالي. المقاومة، في معناها الحقيقي، يجب أن تحمي الأرض والناس. أما حين تصبح القرى تدفع الثمن الأكبر، وحين يتقدم الاحتلال خطوة بعد خطوة، وحين يتسع الدمار إلى عشرات البلدات، يصبح من واجبنا أن نسأل: هل ما يجري يردع العدو فعلاً، أم يمنحه ذريعة إضافية لمزيد من الخراب؟
نتمنى جميعاً أن تكون هناك مقاومة حقيقية قادرة على ردع الاحتلال وحماية الناس وتحرير الأرض. لكن هل هذه المقاومة موجودة اليوم بالشكل الذي يمنع الدمار؟ هل تستطيع حماية صور والنبطية والقرى الحدودية؟ هل تستطيع أن تمنع العدو من تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة بالقوة والنار؟ إن كان الجواب نعم، فليُقدَّم للناس برهان عملي لا خطاب تعبئة. وإن كان الجواب لا، فعلينا أن نملك الشجاعة للقول إن الظروف تغيرت، وإن الاستمرار في المعادلة نفسها لم يعد كافياً ولا عادلاً ولا مقبولاً.
طالما أن الدولة اللبنانية موجودة، ولو ضعيفة ومقصّرة ومخترقة، فمن حق الناس أن تستدعيها. من حق أهالي صور والنبطية أن يطالبوا الجيش بالتمركز في المدينتين، وأن يطالبوا الحكومة بتحمّل مسؤولياتها، وأن يطلبوا من الدولة حماية ما تبقى من البيوت والأسواق والمدارس والمستشفيات والمعالم التاريخية. هذا الحق لا يلغي الاحتلال ولا يبرئ العدو ولا يطعن بالجنوب. بل بالعكس: هو محاولة لإعادة الصراع إلى مكانه الطبيعي، بين دولة مسؤولة عن شعبها واحتلال يعتدي على أرضها.
المشكلة أن الدولة غابت طويلاً، فامتلأ الفراغ بالسلاح والتنظيمات والمحاور. لكن غياب الدولة لا يعني التنازل عنها إلى الأبد. إذا كانت الدولة عاجزة، فلنطالبها بأن تصبح قادرة. إذا كانت غائبة، فلنُجبرها سياسياً وشعبياً على الحضور. وإذا كانت القوى السياسية كلها تستخدم الجنوب كساحة، فمن حق أهل الجنوب أن يقولوا: لسنا ساحة لأحد، ولسنا ورقة في مفاوضات أحد، ولسنا وقوداً لحروب الآخرين.
الذين يؤيدون نداءَي صور والنبطية ليسوا بالضرورة دعاة استسلام. كثيرون منهم يريدون فقط وقف الدمار وعودة الدولة وحماية المدنيين. والذين يرفضون النداءين ليسوا جميعاً دعاة حرب أو غير مبالين بالناس. بعضهم يخشى فعلاً أن يستغل العدو أي كلام عن “خلو المدينة من السلاح” ليبرر عدوانه أو يفرض شروطه. لذلك يجب ألا يتحول النقاش إلى تخوين متبادل. لا من يطلب الدولة عميل، ولا من يخاف من الاستغلال الإسرائيلي خائن للحياة. لكن بين الخوفين، يجب أن نبحث عن حل.
الحل لا يبدأ بالشعارات. يبدأ بالاعتراف أن الجنوب لا يمكن أن يبقى متروكاً. لا يجوز أن يبقى القرار العسكري خارج الدولة، ولا يجوز أيضاً أن تبقى الدولة مجرد شاهد على الدمار. المطلوب هو انتقال حقيقي من منطق الساحات إلى منطق السيادة: جيش ينتشر، حكومة تفاوض وتحمي، ديبلوماسية تعمل، قرار حرب وسلم يعود إلى المؤسسات، وضمانات جدية للناس كي لا يكون وقف النار هدنة مؤقتة قبل جولة خراب جديدة.
أما القول إن طلب حماية الدولة هو استسلام، فهو تبسيط خطير. الاستسلام هو أن نقبل بأن تُمحى القرى واحدة تلو الأخرى من دون مراجعة. الاستسلام هو أن نعتبر موت الناس قدراً سياسياً. الاستسلام هو أن نرفض السؤال لأن الجواب محرج. أما أن يصرخ الناس طلباً للحماية، فهذا ليس استسلاماً، بل تمسك بالحياة وبالأرض وبحقهم في البقاء.
لذلك، يجب قراءة نداءَي صور والنبطية كجرس إنذار. سواء وافقنا على كل عباراتهما أم تحفظنا على بعضها، فهما يقولان شيئاً لا يمكن تجاهله: الناس تعبت، خافت، وبدأت تبحث عن الدولة. وهذا بحد ذاته تطور مهم. لا يجوز دفنه تحت التخوين، ولا اختزاله بمعركة إعلامية بين معسكرين.
نعم، الاحتلال هو المسؤول الأول عن الدمار. نعم، إسرائيل هي المعتدي. نعم، لا يجوز إعفاء العدو من جرائمه. لكن هذا لا يمنعنا من مساءلة الداخل: من يحمي الناس؟ من يقرر عنهم؟ من يملك حق تحويل مدنهم إلى جبهات؟ ومن يتحمل مسؤولية الخراب حين لا تكون هناك قدرة فعلية على منع العدو من تدميرها؟
بين صور والنبطية، لم يعد السؤال من مع المقاومة ومن ضدها بالمعنى التقليدي. السؤال صار أعمق: أي مقاومة نريد؟ مقاومة تحمي الناس أم مقاومة تتركهم تحت الركام؟ أي دولة نريد؟ دولة تتفرج أم دولة تتحمل مسؤوليتها؟ وأي جنوب نريد؟ جنوباً حياً بأهله ومدنه وقراه، أم جنوباً يتحول تدريجياً إلى خرائط نزوح وبيانات عزاء؟
من حق الناس أن تختلف حول البيانين. لكن من واجب الجميع أن يتفق على أن حياة الناس وبيوتهم ليست تفصيلاً. المطلوب اليوم ليس انتصاراً في السجال، بل مخرجاً من الكارثة. وإذا كان الجنوب يدفع الثمن الأكبر، فمن حق أهله أن يرفعوا الصوت: أعيدوا الدولة، أوقفوا الدمار، احموا ما تبقى، وابحثوا عن مقاومة تحمي الحياة لا عن خطاب يبرر موتها.



