السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

حين يقرأ نبيان وصايا الخلاص العشر بعيون مختلفة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

من حين إلى آخر، يندلع في لبنان نقاش حاد حول موقفي وليد جنبلاط وسمير جعجع. لا يكون النقاش غالباً حول تصريح عابر، ولا حول نكتة سياسية من تلك التي يجيد جنبلاط إطلاقها بمهارة جارحة، بل حول شيء أعمق بكثير: من يملك حق قراءة اللحظة؟ من يقرر حدود المواجهة؟ ومن يجرّ جمهوره خلفه إلى أين؟

اليوم، عاد السجال بقسوة بين جمهوري الزعيمين بعد كلام وليد جنبلاط عن سمير جعجع، حين وصفه بأنه يتصرف “كأنه موسى”. العبارة وحدها كافية لتشعل مواقع التواصل. لكنني لا أعتقد أن المشكلة في “موسى” بحد ذاته. المشكلة أن جنبلاط لمس، بعبارته الساخرة، عصباً قديماً في العلاقة بين الرجلين: جعجع الذي يرى نفسه قائد مشروع خلاص وطني، وجنبلاط الذي يرى في كل مشروع خلاصي بذور كارثة لبنانية جديدة.

على منصة X، لفتني توصيف الصحفي مروان المتني لما يجري بأنه “المنازلة ضمن التحالف” بين وليد جنبلاط، الذي يصفه مؤيدوه بـ“عامود السماء”، وسمير جعجع، الذي يراه محبوه “خليفة يوحنا مارون”. في هذا التوصيف شيء من المبالغة، لكنه يضيء جوهر المشكلة. نحن لسنا أمام خلاف عادي بين حزبين. نحن أمام زعيمين تحوّلا، في وعي جمهوريهما، إلى أكثر من سياسيين: أحدهما حامل توازنات الجبل وذاكرة الأقليات ودهاء النجاة، والآخر حامل فكرة الصمود المسيحي ومشروع الدولة والمواجهة مع السلاح غير الشرعي.

ولهذا السبب تحديداً، كلما احتك الرجلان، لا يتكلم الجمهور بعقله فقط. يتكلم بذاكرته، بخوفه، بدمه، وبما ورثه من الحرب.

النص الذي نشره الصحفي مروان المتني على منصة X يستحق التوقف عنده، لا لأنه وثيقة تاريخية ملزمة، بل لأنه يكشف طبيعة العلاقة بين الرجلين كما يراها من اقترب منهما. يروي أنه في عشاء في المختارة عام 2017 قال له جنبلاط، بطريقته التي لا تشبه أحداً، إن ميشال عون واضح: يريد رئاسة الجمهورية وزعامة المسيحيين. ثم سأل عن جعجع: ماذا يريد؟ هل يريد أن يصبح قديساً؟ بطريركاً؟ ولماذا لا يقول علناً ماذا يريد؟

في هذا السؤال الجنبلاطي تختصر مشكلة كاملة. وليد جنبلاط لا يرتاح للزعيم الذي يغلف طموحه السياسي بلغة القداسة. يريد من خصمه أو حليفه أن يكون واضحاً: قل إنك تريد السلطة، الرئاسة، الزعامة، الدور الأول، ولا تختبئ خلف دور المنقذ. وجعجع، في المقابل، لا يرى نفسه مجرد طالب سلطة. هو مقتنع، وكذلك جمهوره، بأنه يخوض معركة وجودية حول معنى لبنان والدولة والسيادة ودور المسيحيين في الشرق.

هنا يبدأ التناقض.

جنبلاط ابن مدرسة النجاة. يقرأ الخرائط قبل أن تكتمل، ويغيّر زاويته قبل أن يسقط السقف. يعرف أن لبنان لا يحتمل انتصارات صافية، ولا هزائم صافية. لذلك يخاف من الخطاب الذي يذهب إلى النهاية، ومن الزعيم الذي يظن أن في يده ألواح الخلاص. في المقابل، جعجع ابن مدرسة المواجهة. لا يحب التسويات الرمادية، ولا يثق كثيراً بمنطق تدوير الزوايا، ويرى أن المشكلة في لبنان واضحة: لا دولة مع سلاح خارجها، ولا سيادة مع قرار حرب وسلم خارج المؤسسات.

بين الرجلين إذن ليست المشكلة شخصية فقط، ولو أن الشخصي حاضر دائماً في السياسة اللبنانية. المشكلة أن كلاً منهما يمثل غريزة مختلفة. جنبلاط يمثل غريزة البقاء. جعجع يمثل غريزة المواجهة. الأولى تخاف من الانتحار السياسي والجماعي. والثانية تخاف من الاستسلام البطيء.

وهناك وجه آخر للخلاف بين الرجلين لا يقل أهمية: قراءة “الشرق الأوسط الجديد” وكيفية دخول لبنان إليه. من الواضح أن سمير جعجع يرى في التحولات الجارية فرصة تاريخية لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، وللذهاب بعيداً في معركة الخلاص من السلاح غير الشرعي، مستنداً إلى تبدل المزاج الإقليمي والدولي تجاه أدوار إيران وأذرعها. في المقابل، لا يبدو وليد جنبلاط أقل إدراكاً لحجم التحول، لكنه أكثر خوفاً من كلفته. فالرجل يقرأ الشرق الأوسط الجديد بعين زعيم أقلية يعرف أن العواصف الكبرى لا تمر فوق الأقليات بلا أثمان. لذلك نراه تارة في دمشق الأمويين، مستعيداً سيرة الشيخ عبدالله التنوخي ورمزية الحضور الدرزي في التاريخ والمشرق لا بوصفها حنيناً تاريخياً فقط، بل كفعل تموضع في لحظة خرائط جديدة.
، ونراه تارة أخرى فرحاً كطفل ببعض إنجازات حزب الله العسكرية، ولو كان يعرف في قرارة نفسه أنها إنجازات لا تكفي لفرض هزيمة استراتيجية على إسرائيل، تماماً كما رأى في غزة أن بطولات حماس لم تمنع الكارثة الكبرى عن الناس والأرض. هنا يصبح الخلاف بين جنبلاط وجعجع أعمق من الموقف من حزب الله وحده: جعجع يريد دخول الشرق الأوسط الجديد من باب الحسم السيادي ونهاية السلاح، وجنبلاط يريد دخوله من باب النجاة وتقليل الخسائر وحماية الجماعات من أن تُطحن بين مشاريع الدول الكبرى. إنهما لا يختلفان فقط على السلاح، بل على سؤال أخطر: كيف ندخل لبنان إلى الشرق الأوسط الجديد من دون أن ينفجر من الداخل أو يُترك خارج التاريخ؟

وهناك خلاف ثانٍ لا يقل حساسية: كيف ينظر كل منهما إلى مستقبل الطائفة الشيعية في لبنان بعد كل هذه التحولات. سمير جعجع يبدو مقتنعاً بأن خروج الشيعة من قبضة حزب الله، أو تراجع الحزب كقوة عسكرية وسياسية مهيمنة، سيفتح الباب أمام شيعة أكثر تنوعاً وانفتاحاً واندماجاً في مشروع الدولة. في قراءته، المشكلة ليست مع الطائفة، بل مع الحزب الذي اختصرها بسلاحه وربطها بمحور إقليمي وحوّلها إلى متراس دائم في مواجهة الداخل والخارج. لذلك يراهن جعجع، أو هكذا يبدو، على أن سقوط هيمنة الحزب سيحرر الشيعة قبل أن يحرر بقية اللبنانيين.

أما وليد جنبلاط فيبدو أكثر تحفظاً وحذراً. هو لا يختلف بالضرورة على أن احتكار حزب الله للقرار الشيعي وللقرار الوطني مشكلة كبرى، لكنه يخاف من الفراغ الذي قد يلي تراجع الحزب، ومن الارتدادات الاجتماعية والطائفية والسياسية التي قد تضرب لبنان كله. جنبلاط يعرف أن الطوائف لا تخرج من تجارب القوة والهزيمة بسهولة، وأن كسر حزب بحجم حزب الله لا يعني تلقائياً ولادة اعتدال شيعي منظم وآمن. قد يعني أيضاً شعوراً شيعياً جماعياً بالاستهداف، أو فوضى داخل البيئة، أو انتقال الغضب إلى أشكال جديدة أقل انضباطاً وأكثر خطراً.

هنا أيضاً يظهر الفارق بين الرجلين. جعجع يرى فرصة: شيعة بلا حزب الله، أو على الأقل بلا هيمنته، يمكن أن يكونوا جزءاً طبيعياً من الدولة ومن التوازن اللبناني. جنبلاط يرى احتمالاً آخر: طائفة مهزوزة، خائفة، ومجروحة، قد يدفعها الإحساس بالهزيمة إلى مزيد من الانغلاق أو الانفجار. لذلك لا يتعامل مع مستقبل الشيعة كمسألة إسقاط حزب فقط، بل كمسألة إعادة إدماج طائفة كبرى في الدولة من دون إذلالها أو دفعها إلى الشعور بأنها دفعت وحدها ثمن التحول الإقليمي.

بهذا المعنى، لا يدور الخلاف بين جنبلاط وجعجع حول حزب الله وحده، بل حول اليوم التالي له. جعجع يضع عينه على الدولة التي يمكن أن تولد بعد تراجع الحزب. وجنبلاط يضع عينه على الصدمة التي قد تصيب الطائفة الشيعية إذا جرى الانتقال بمنطق الغلبة لا بمنطق التسوية الوطنية. الأول يسأل: كيف نتحرر من السلاح؟ والثاني يسأل: كيف نمنع أن يتحول التحرر من السلاح إلى جرح أهلي جديد؟

لكن الخطير أن الجمهورين لا يلتقطان دائماً هذه الفروق كمدارس سياسية، بل يحولانها إلى شتائم واصطفافات. جمهور جنبلاط يرى في جعجع قائداً متصلباً قد يدفع البلد إلى مواجهة لا يملك أدواتها. وجمهور جعجع يرى في جنبلاط زعيماً بارعاً في الانعطافات، يفرمل كل لحظة حاسمة بحجة الواقعية. وبين الاتهامين تضيع الحقيقة: لبنان يحتاج إلى شجاعة جعجع في تسمية المشكلة، ويحتاج في الوقت نفسه إلى خوف جنبلاط من الخرائط التي تُرسم فوق رؤوسنا.

ما كتبه مروان المتني عن عشاء سعد الحريري الذي جمع جنبلاط وجعجع وأمين الجميل يختصر المأساة اللبنانية بعبقرية سوداء. الرجلان، بحسب الرواية، استعادا محاولات قتل متبادلة وسخر كل منهما من نجاة الآخر. جنبلاط ذكّر جعجع بلحظة كان يمكن فيها أن يُصفّى في دير القمر. وجعجع ذكّر جنبلاط بمحاولة الاغتيال التي كاد يقتل فيها. ثم همس أمين الجميل لسعد الحريري بأن أيديهما ملطخة بالدماء إلى درجة عالية. ومع ذلك، رأى سعد في تلك الجلسة نوعاً من “غسيل القلوب” بين warlords.

ربما هذا هو لبنان كله: غسيل قلوب لا يكتمل. مصالحة فوق الطاولة وذاكرة تحتها. ابتسامات بين الزعماء، ودم قديم في عيون الجماهير. تحالفات انتخابية، وتاريخ لا ينام.

لذلك، عندما يقول جنبلاط إن جعجع يتصرف كأنه موسى، لا يسمع القواتيون فقط سخرية سياسية. يسمعون إهانة لقائدهم ولدوره ولمشروعه. وعندما يرد القواتيون بقسوة، لا يسمع الاشتراكيون فقط دفاعاً عن جعجع. يسمعون تهديداً لتوازنات الجبل وعودة إلى لغة غلبة يعرفون كلفتها. الكلمة في لبنان لا تبقى كلمة. تتحول سريعاً إلى ذاكرة.

ومع ذلك، يجب ألا نختبئ خلف الحساسية. السؤال الذي طرحه جنبلاط، ولو بسخرية، مشروع: ماذا يريد جعجع بالضبط؟ هل يريد إسقاط سلاح حزب الله؟ كيف؟ عبر الدولة؟ عبر الخارج؟ عبر ميزان داخلي جديد؟ عبر انتظار انهيار إقليمي؟ وهل يملك خريطة طريق واضحة لما بعد المواجهة، أم يكتفي بتسمية المشكلة وترك البلاد في انتظار معجزة؟

وفي المقابل، السؤال الموجه إلى جنبلاط مشروع أيضاً: إلى متى تبقى الواقعية اسماً آخر للتكيّف مع الأمر الواقع؟ إلى متى نحذر من الانفجار من دون أن نواجه أسباب الانفجار؟ إذا كان سلاح حزب الله مشكلة بنيوية في الدولة، فهل يكفي أن نقول إن التصعيد خطر؟ وإذا كان لبنان عالقاً بين احتلال إسرائيلي وقرار حرب خارج الدولة، فهل تنقذه الحكمة وحدها؟

أنا لا أرى في هذا السجال مجرد خلاف بين زعيمين. أراه مرآة لأزمة 14 آذار القديمة أيضاً. ذلك التحالف الذي جمع خصوماً سابقين حول فكرة السيادة لم ينهِ التناقضات بينهم، بل أجّلها. جمع جنبلاط وجعجع والحريري والجميل وآخرين تحت عنوان كبير، لكنه لم يجب عن الأسئلة الصغيرة القاتلة: من يقود؟ بأي سقف؟ بأي علاقة مع الطوائف؟ بأي ذاكرة للحرب؟ وبأي تصور لمستقبل الدولة؟

لذلك، عبارة “المنازلة ضمن التحالف” دقيقة. إنها ليست منازلة بين خصمين خارج جبهة واحدة، بل بين شريكين سابقين وحليفين متقطعين ومتنافسين دائمين. كل منهما يريد لبنان بطريقته. وكل منهما يعتقد أن الآخر، إذا تُرك وحده، قد يأخذ البلد إلى هاوية مختلفة.

جنبلاط يخاف من جعجع حين يصبح الخطاب المسيحي صلباً إلى حد الخلاصية. وجعجع يخاف من جنبلاط حين تصبح البراغماتية مرادفاً للتراجع. جنبلاط يرى في نفسه حارس التوازن. جعجع يرى في نفسه حارس السيادة. وبين حراسة التوازن وحراسة السيادة، يعيش اللبنانيون في دولة لا تملك لا توازناً ثابتاً ولا سيادة كاملة.

الأخطر في تقديري أن الجمهورين يتصرفان أحياناً كأنهما ورثة قداسة لا ورثة تجربة سياسية قابلة للنقد. عندها يصبح وليد جنبلاط “عامود السماء” لا يجوز مساءلته، ويصبح سمير جعجع “خليفة يوحنا مارون” لا يجوز الاقتراب من صورته. وهنا تقع الكارثة. السياسة تتحول إلى إيمان، والزعيم إلى رمز ديني، والخلاف إلى هرطقة. وحين يتقدس السياسي، يدفع الناس الثمن.

قد يكون جنبلاط محقاً في خوفه من الزعماء الذين يتصرفون كأنهم يحملون الألواح. وقد يكون جعجع محقاً في إصراره على أن لا دولة حقيقية مع سلاح خارجها. لكن السؤال ليس من منهما يملك الحقيقة كلها، بل من منهما يستطيع أن يرى حدود حقيقته.

لا خلاص للبنان بزعيم يعتقد أنه موسى، ولا بزعيم يعتقد أن النجاة وحدها تكفي. لا خلاص بخطاب يذهب إلى المواجهة من دون حساب الكلفة، ولا بخطاب يخاف من الكلفة إلى حد القبول بالمراوحة. لبنان يحتاج إلى جرأة تسمية المرض، وإلى عقل يمنع العلاج من قتل المريض.

في النهاية، ما جرى بين جمهوري جنبلاط وجعجع ليس تفصيلاً. إنه تذكير بأن مصالحة الزعماء لا تكفي، وأن التحالفات لا تمحو الذاكرة، وأن الحرب الأهلية لا تزال تعمل في اللغة، في السخرية، في النكتة، وفي ردود الفعل. وما دام اللبنانيون يتعاملون مع زعمائهم كأنهم أنصاف آلهة، فسيبقون هم الفانين الذين يدفعون الثمن.

ربما أجمل ما في النص الذي كتبه مروان المتني خاتمته القاسية: حين يتواجه أنصاف الآلهة، يدفع الفانون أمثالنا الثمن.

وأضيف عليها: وحين يصدّق الفانون أن أنصاف الآلهة سيخلّصونهم، يدفعون الثمن مرتين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...