أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليس الهجوم على الناشط السياسي والمحامي والأستاذ الجامعي علي مراد حدثاً عابراً، ولا هو انفجار غضبٍ إلكتروني مفاجئ بسبب موقفٍ سياسي مستجد. ما يتعرض له علي اليوم هو امتداد لمسار طويل من محاولات التخوين والتشويه والإسكات، بدأ منذ سنوات، واشتد كلما اقترب الرجل من تفكيك معادلة الخوف التي حكمت الجنوب طويلاً: معادلة تقول للناس إن الصمت أمان، وإن الاعتراض خيانة، وإن السؤال جريمة.
منذ انتخابات عام 2022، لم يكن علي مراد غريباً عن حملات مواقع التواصل. يومها، حين طاولته الحملات إلى جانب آخرين من وجوه التغيير في الجنوب، قال عبارة تختصر جوهر المعركة: إن من يعتمد هذا الأسلوب لا يريد أن يناقش ولا أن يواجه الفكرة بالفكرة. هذه ليست جملة عابرة. إنها توصيف دقيق لذهنية سياسية لا تملك جواباً فتذهب إلى الشتيمة، ولا تملك حجة فتذهب إلى التخوين، ولا تستطيع مواجهة السؤال فتطارد السائل.
وهذا تحديداً ما يحدث اليوم.
يُهاجَم علي مراد لأنه لا يرفع الصوت من خارج البيئة الجنوبية، بل من داخلها. لأنه لا يتحدث ببرودة المحلل البعيد، بل بوجع ابن الأرض الذي يعرف الناس والبيوت والقرى والطرقات والخوف. يُهاجَم لأنه يقول إن الدولة يجب أن تعود، وإن الجيش يجب أن يحمي، وإن السلاح يجب أن يكون في عهدة الشرعية، وإن المدن ليست متاريس، وإن الناس ليسوا دروعاً، وإن الجنوب ليس ورقة تفاوض في حروب الآخرين.
لكن أخطر ما في علي مراد، بالنسبة إلى من يهاجمه، ليس فقط موقفه السياسي. أخطر ما فيه أنه يغيّر المزاج العام.
وهنا جوهر المعركة.
فما حصل في صور والنبطية لم يكن مجرد بيانين. كان كسر صمت. كان إعلاناً صغيراً في حجمه، كبيراً في رمزيته، يقول إن هناك ناساً من هذه المدن، من قلب الوجع الجنوبي، يريدون الدولة لا الفوضى، الحماية لا المغامرة، العودة إلى البيوت لا البقاء في النزوح، الحياة لا الموت تحت الشعارات.
قد يقول البعض إن الذين وقعوا أو دعموا أو دافعوا عن نداءَي صور والنبطية أقلية. نعم، ربما هم أقلية بالعدد الظاهر، لكنهم يتحدثون باسم أكثرية صامتة، مصدومة، موجوعة، خائفة، خسرت بيوتها وأرزاقها وطمأنينتها. أكثرية لم تعد قادرة بعد على الكلام، لا لأنها مقتنعة بما جرى، بل لأنها لا تزال تحت وقع الصدمة. أكثرية تنظر إلى الركام وتسأل في داخلها، ولو لم تجرؤ بعد على قول السؤال علناً: ماذا فعلتم بنا؟
سيأتي وقت تسأل فيه هذه الأكثرية حزب الله بصوتٍ عالٍ: ماذا فعلت بنا؟
ماذا فعلت ببيوتنا؟
ماذا فعلت بأرزاقنا؟
ماذا فعلت بمدارس أطفالنا؟
ماذا فعلت بقرانا ومدننا؟
وماذا فعلت باسمنا من دون أن تسألنا؟
لذلك يُهاجَم علي مراد. لأنه يسبق هذا السؤال. لأنه يفتحه قبل أوانه. لأنه يحوّل الهمس إلى كلام، والكلام إلى موقف، والموقف إلى احتمال سياسي. ومن يملك سلطة الخوف يدرك أن أخطر ما يهدده ليس الصراخ، بل اللحظة التي يبدأ فيها الناس بالتفكير.
الهجوم على علي ليس نقاشاً سياسياً. لو كان نقاشاً، لكان أصحابه واجهوا الفكرة بالفكرة. لقالوا لنا لماذا يجب أن تبقى المدن مكشوفة. لماذا يجب أن يدفع المدنيون الثمن. لماذا يجب أن يخسر الناس بيوتهم ثم يُطلب منهم التصفيق. لماذا يكون طلب حماية الدولة خيانة، وترك الناس تحت القصف بطولة. لماذا يصبح من يطالب بالجيش والدولة والسيادة عدواً، بينما من يأخذ البلاد إلى الحرب من دون إذن أهلها يُقدَّم حارساً للكرامة.
لكنهم لا يناقشون، لأن النقاش يكشف هشاشة منطقهم. لذلك يذهبون إلى السلاح الأسهل: التخوين.
يذهبون إلى تشويه السمعة.
يذهبون إلى التحريض.
يذهبون إلى تحويل صاحب الرأي إلى هدف.
وهذه ليست قوة. هذه علامة خوف.
من يثق بحجته لا يخاف من مقال. من يثق بجمهوره لا يخاف من بيان. من يثق بشرعيته لا يخاف من أستاذ جامعي ومحامٍ وناشط سياسي يقول إن الجنوب يستحق حياةً أفضل من أن يكون ساحة حرب دائمة.
علي مراد لا يطرح مسألة نظرية. هو يتحدث عن ناس فقدوا بيوتهم. عن عائلات نزحت. عن أطفال صاروا يعرفون معنى الحرب قبل معنى الأمان. عن أصحاب محال خسروا رزقهم. عن مدن كانت تعيش على البحر والسوق والذاكرة، فصارت تعيش على الخوف والانتظار. عن جنوبٍ قيل له طويلاً إن السلاح يحميه، فإذا به يكتشف، مرة بعد مرة، أنه هو من يدفع ثمن هذا السلاح من دمه وعمرانه ومستقبله.
إن الدفاع عن علي مراد اليوم ليس دفاعاً عن شخص فقط، بل عن حق الناس في السؤال. عن حق الجنوبي أن يقول إنه تعب. عن حق الشيعي أن يرفض أن يُختصر بحزب. عن حق اللبناني أن يطلب الدولة من دون أن يُتهم بالخيانة. عن حق المدينة أن تقول: أريد أن أكون مفتوحة للحياة لا مفتوحة للموت.
ولأن علي مراد جزء من تيار سياسي جنوبي يربط السيادة بالعدالة والمحاسبة وعودة النازحين إلى بيوتهم، فإن الهجوم عليه يصبح مفهوماً أكثر. هناك من لا يريد لهذه اللغة أن تنتشر. لا يريد للناس أن تكتشف أن حصرية السلاح ليست مطلباً طائفياً، بل شرطاً لحماية الجميع. لا يريد أن يسمع الجنوبيون أن الدولة ليست عدواً، وأن الجيش ليس غريباً، وأن الأمن الحقيقي لا يصنعه قرار حرب خارج المؤسسات.
لقد قيل كثيراً إن الجنوب كله في مكان واحد. لكن الجنوب الحقيقي أوسع من صورة واحدة. فيه أم خائفة، وتاجر مفلس، ومزارع خسر أرضه، وطفل نازح، وطالبة تبحث عن مدرستها، وبيت صار ركاماً، وناس يسألون في سرهم: إلى متى؟ هؤلاء لا يظهرون دائماً على الشاشات، ولا يكتبون كل يوم على وسائل التواصل، لكنهم موجودون. صمتهم ليس تفويضاً. خوفهم ليس اقتناعاً. ووجعهم ليس ملكاً لأحد.
لذلك، حين يخرج صوت من صور أو النبطية أو بنت جبيل أو أي بلدة جنوبية ليقول: نريد الدولة، نريد حماية الناس، نريد أن تكون مدننا خالية مما يعرّض أهلها للخطر، فهو لا يخون الجنوب. هو يحاول إنقاذه.
الهجوم على علي مراد لن يوقف التحول. قد يؤخره، قد يخيف البعض، قد يدفع آخرين إلى الصمت المؤقت، لكنه لن يلغي السؤال الذي ولد من تحت الركام. فكل بيت تهدم فتح سؤالاً. كل عائلة نزحت فتحت سؤالاً. كل رزق ضاع فتح سؤالاً. وكل أم تنظر إلى أولادها وتخاف من الغد تعرف، في أعماقها، أن البطولة الحقيقية ليست في استمرار الحرب، بل في إنقاذ الحياة.
لقد شهدنا هذا النوع من الحملات من قبل. حملات تبدأ بالتخوين، ثم بالتشويه، ثم بالتحريض المعنوي والسياسي، قبل أن تتحول، في أكثر من محطة من تاريخ لبنان الحديث، إلى مقدمة خطيرة لاستهداف أصحاب الرأي والكلمة الحرة.
ومن هنا، لا يمكن فصل ما يتعرض له علي مراد اليوم عن مناخ التحريض الذي نعرفه جيداً، ولا عن البيانات المشبوهة التي تخرج من هنا وهناك، ومنها البيان الذي صدر من النبطية باسم جهة منبوذة من الحزب الشيوعي، تمثل مرحلة سوداء مرتبطة بأمين عام سابق هو خالد حدادة، ولا تمثل القيادة الحالية التي تمايزت عن تلك المرحلة وعن ممارساتها.
لقد استهدفت مثل هذه الحملات في الماضي صناع رأي ومثقفين وناشطين، قبل أن يُقتل بعضهم لاحقاً، مثل لقمان سليم وسمير قصير وغيرهما. لذلك نقولها منذ الآن، وبوضوح كامل: أي أذى يطال علي مراد، معنوياً أو جسدياً، ستكون مسؤوليته السياسية والأخلاقية على عاتق من يحرّضون عليه اليوم، ومن يفتحون باب التخوين ضده، ومن يعتقدون أن إسكات الرأي يكون بالتهديد والتشويه.
حذارِ من الانجرار إلى حماقاتكم.
الناس لن تسكت.
والناس لن تخاف من تهديداتكم.
لقد تغيّر الزمن، وتغيّر المزاج العام، وما عاد ممكناً إعادة الجنوبيين إلى بيت الطاعة بالخوف والتخوين.
من هنا، فإن من يهاجم علي مراد لا يهاجم رجلاً فقط. هو يهاجم احتمالاً جديداً في الجنوب. يهاجم فكرة أن الناس تستطيع أن تقول لا. يهاجم بداية خروج الأكثرية الصامتة من صدمتها. يهاجم لحظة قد يأتي فيها الجنوبيون، لا خصومهم، ليسألوا حزب الله: ماذا فعلت بنا؟
وهذا السؤال آتٍ.
قد يتأخر، لكنه آتٍ.
وعندما يأتي، لن تنفع حملات التخوين، ولن تكفي الجيوش الإلكترونية، ولن يستطيع أحد أن يمنع الناس من النظر إلى بيوتهم المهدمة وأرزاقهم الضائعة وأعمارهم المعلّقة، ثم المطالبة بحسابٍ سياسي وأخلاقي طويل.
علي مراد ليس خطراً لأنه يصرخ.
هو خطر عليهم لأنه يفكر.
ولأنه يدعو الآخرين إلى التفكير.
ولأن الفكرة، حين تخرج من الخوف، تصبح أقوى من كل حملات التشويه.
سِر يا علي.
عين الله تحرسك.
كلنا معك، وكلنا إلى جانبك، لأن الدفاع عنك اليوم هو دفاع عن حق كل إنسان جنوبي ولبناني في أن يسأل، وأن يعترض، وأن يقول: نريد الدولة، نريد الحياة، ولا نريد أن نبقى وقوداً لحروب لا رأي لنا فيها.



