السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

حين تُقفل الأبواب في وجه الخائفين… يسقط الوطن

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

قهرني كثيراً ستاتوس كتبه أسامة وهبي على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه:

“ما حدا يخبرني، بعرف كتير منيح شو الأسباب والمخاوف والتبريرات، لكن مهما كانت المبررات والمخاوف، يبقى مشهد تسكير المناطق أمام النازحين مؤسف ومقرف. الجيرة تقتضي فتح البيوت والقلوب للجار عند الملمات، لكن في لبنان الانقسام كبير والخوف من الآخر قديم والأسباب هي ترسبات الحرب الأهلية والطائفية والعنصرية التي مارستها الأحزاب اللبنانية بحق بعضها البعض.”

قرأت هذه الكلمات، فتخيلت نفسي واحداً من الهاربين من الضاحية. تخيلتني أحمل بعض ما استطعت حمله، وأغادر بيتي لا أعرف إن كنت سأعود إليه، ولا أعرف أي طريق آمن، ولا أي باب يمكن أن يُفتح في وجهي. تخيلت وجوه الناس الذين أعرفهم في تلك الضاحية، وكثيرون منهم ليسوا مع الحرب، ولا علاقة لهم لا بحرب ولا بحزب، ولا يريدون سوى أن يعيشوا بسلام، وأن يربّوا أولادهم، وأن يحفظوا بيوتهم، وأن يناموا ليلة واحدة بلا رعب.

ليس كل من يسكن الضاحية مشروع مقاتل. وليس كل من يخرج منها يحمل بياناً سياسياً في جيبه. هناك ناس عاديون جداً، يشبهون كل الناس: موظفون، طلاب، أمهات، آباء، مرضى، مسنون، أطفال، عشاق حياة، وأصحاب أحلام صغيرة. هؤلاء لم يسألهم أحد إن كانوا يريدون الحرب. لم يستأذنهم أحد قبل أن يصيروا في مرمى النار. لم يمنحهم أحد حق الرفض قبل أن تُعلّق حياتهم كلها على حافة الخوف.

في هذه اللحظة الصعبة، لا أجد في قلبي متسعاً للحياد البارد، ولا في ضميري قدرة على الوقوف في المنطقة الرمادية بين وجع الناس ومن تسبب بوجعهم.

حين يخرج المواطن من بيته في الضاحية، لا يحمل معه مشروع حرب، ولا نظرية انتصار، ولا خطبة حماسية. يحمل أطفاله، دواء أمه، خوف زوجته، مفتاح بيت لا يعرف إن كان سيبقى بيتاً، وكرامة موجوعة على طريق طويل لا يسأل أحداً عن طائفته قبل أن يذله.

يخرج هائماً، هارباً من تهديد إسرائيل وغدرها، فيجد نفسه أيضاً أمام حماقة من قرروا أن الناس وقود، وأن البيوت متاريس، وأن الأرواح أرقام في خطاب. بين غدر عدو لا يحتاج إلى تعريف، وحماقة من يفترض أنهم من أهل البيت، يضيع المواطن العادي؛ ذاك الذي لم يُسأل رأيه، ولم يُستأذن في خوفه، ولم يوقّع على أن يكون فداءً لأحد.

وما يزيد الوجع وجعاً أن يجد هذا المواطن نفسه أمام أبواب موصدة. أن يهرب من تهديد فيصطدم بخوف آخر. أن يطرق باباً فلا يُفتح له. أن يشعر، في لحظة ضعفه القصوى، أن وطنه أصغر من جرحه، وأن ذاكرة الحرب الأهلية ما زالت أقوى من إنسانية الناس، وأن الطائفية التي لعناها كثيراً ما زالت قادرة على أن تنتصر على صورة طفل خائف.

الجيرة ليست شعاراً. الجيرة تُختبر ساعة الخوف. والإنسانية لا تُقاس حين نكون مرتاحين وآمنين، بل حين يقف المختلف عنا على بابنا مذعوراً، وحين يصبح قرار فتح الباب أو إغلاقه امتحاناً أخلاقياً لا سياسياً. لا شيء يبرر أن يُترك الخائف في الطريق. لا خوف، ولا ذاكرة، ولا انقسام، ولا حسابات طائفية، ولا غضب سياسي. عندما يكون الناس هاربين من الموت، يجب أن تتوقف كل المعارك الصغيرة أمام سؤال واحد: كيف نحمي الإنسان؟

أنا في هذه اللحظة لست مع محور، ولا مع منبر، ولا مع راية ترفع فوق أنقاض البيوت. أنا مع وجع الناس. مع الأم التي تطرق باباً موصداً فلا يُفتح لها. مع الأب الذي يبتلع عجزه أمام أولاده كي لا ينهاروا. مع الطفل الذي لا يفهم لماذا صار الليل صوت طائرات، ولماذا صار البيت ذكرى محتملة. مع العجوز الذي خرج من بيته مرة أخرى، كأن التاريخ لا يتعب من تكرار قسوته.

أنا مع المواطن الهائم على وجهه، لا يعرف أين يذهب، ولا من يستقبله، ولا بأي لغة يشرح خوفه لمن ما زالوا يزايدون عليه من خلف الشاشات. مع الذين وجدوا الأبواب مغلقة، والقلوب أضيق من جرحهم، والبلد أضعف من أن يحتضن أبناءه لحظة الرعب.

لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أفصل هذا الوجع عن أسبابه. لا أستطيع أن أرى الناس يهربون ثم أصفق لمن أخذهم إلى هذا المصير. لا أستطيع أن أبكي على النازحين وأنسى من قرر أن يجعلهم نازحين. نعم، غدر إسرائيل واضح، وعدوانها لا يحتاج إلى دليل أخلاقي لإدانته. لكن حماقة الداخل أيضاً جريمة عندما تُترك الناس مكشوفة، بلا سؤال، بلا موافقة، بلا حماية، وبلا خطة إلا المزيد من الخطابات.

وقحٌ هذا الذي قال: سنقاتل حتى آخر شيعي. وقحٌ لأنه اختصر الناس في مادة حرب. وقحٌ لأنه تكلم عن الشيعة كأنهم ذخيرة لا بشر، كأنهم أجساد معلقة على مشيئة الزعيم، لا أمهات وآباء وطلاب وعمّال وأطفال وأحلام صغيرة تريد أن تعيش. وقحٌ لأنه لم يقل سنحمي آخر طفل، سنصون آخر بيت، سنمنع آخر نزوح، بل قالها بمنطق من لا يرى الناس إلا من آخرهم، لا من أول وجعهم.

أنا كنت قد أعلنت تشيّعي منذ زمن، لا تشيّع السلاح والصراخ والموت المفتوح، بل تشيّع السيد الراحل هاني فحص؛ تشيّع الرحمة والعقل والناس والدولة والكرامة. تشيّع الإنسان قبل الجماعة، والضمير قبل الحزب، والوطن قبل المتراس. ذلك التشيّع الذي لا يقاتل فيّ من دون إذني، ولا يسرق اسمي ليعلّقه على فوهة بندقية، ولا يعتبر دمي تفويضاً مفتوحاً لأحد.

لا أقبل أن يقاتل بي أحد. لا أقبل أن يختطف خوفي، ولا أن يستثمر في مذهبي، ولا أن يحوّل حزني إلى مادة تعبئة. لا أقبل أن أكون رقماً في جملة متعالية عن الصمود، بينما الناس ينامون في السيارات، وعلى الأرصفة، وتحت سماء لا ترحم.

ومن تسبب بهذا الوجع سيُحاسَب. ليس انتقاماً، بل وفاءً لمن دفعوا الثمن من دون أن يختاروا المعركة. سنحاسب من استسهل فتح أبواب الجحيم ثم ترك الناس يبحثون عن باب واحد مفتوح. سنحاسب من جعل المواطن العادي رهينة بين تهديد العدو وحسابات الداخل. سنحاسب من ظن أن الوجع يُنسى حين تصمت الطائرات، وأن الناس سيعودون إلى بيوتهم وكأن شيئاً لم يكن.

لا. لن يُنسى هذا الوجع.

لن ننسى وجه النازح وهو يسأل أين يذهب. لن ننسى الباب الذي أُغلق في وجهه. لن ننسى الطفل الذي نام في سيارة. لن ننسى الأم التي حملت كيس ثياب وذاكرة بيت كامل. لن ننسى العجوز الذي خرج من ضاحيته محني الظهر، لا من العمر وحده، بل من تكرار الخذلان.

في هذه اللحظة، لا بطولة تعلو على حماية الناس. ولا خطاب يبرر رعب طفل. ولا شعار يغسل دمعة أم. ولا قضية تستحق أن يُساق إليها الناس بلا سؤال، وبلا موافقة، وبلا رحمة.

أنا مع المواطن. مع وجعه. مع خوفه. مع حقه في أن يعيش بلا أن يُطلب منه أن يموت نيابة عن أحد.

أنا مع الذي يهرب من الضاحية لا لأنه جبان، بل لأنه إنسان يريد النجاة. مع الذي لا يريد أن يكون شهيداً في خطاب أحد. مع الذي لا يريد أن تكون طائفته قدراً عسكرياً. مع الذي يريد بيتاً آمناً، ومدرسة مفتوحة، وشارعاً عادياً، وليلة بلا قصف، ووطناً لا يخذله عندما يطرق الباب.

وفي زمن يتكاثر فيه تجار الدم والكلام، يكفيني أن أقول: لست مع آخر شيعي في معركة أحد. أنا مع أول إنسان يرتجف، وأول بيت يُقصف، وأول أم تبكي، وأول طفل يخاف، وأول باب يجب أن يُفتح.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...