أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليس سمير قصير ذكرى كي تُدار بطقوس سنوية. وليس الثاني من حزيران محطة حزينة في أرشيف الاغتيالات اللبنانية. إنّه تاريخ مفتوح على سؤال سياسي وفكري لا يزال بلا جواب: ماذا يبقى من المثقف حين يتحول إلى صورة؟ وماذا يبقى من اليسار حين يرث الشهيد ولا يرث قلقه؟ وماذا يبقى من الثورة حين تحفظ أسماء قتلاها وتنسى برنامجهم؟
سمير قصير لم يكن كاتبًا في الهوامش. كان كاتبًا في صلب المعركة على المعنى. لم تكن معركته مع الوصاية السورية معركة سيادة لبنانية ضيقة، ولم تكن معركته مع الاستبداد العربي تمرينًا ثقافيًا في البلاغة، ولم يكن انحيازه إلى اليسار انتماءً عاطفيًا إلى تاريخ حزبي. كان يحاول أن ينتزع اليسار من عبوديته للأنظمة، والسيادة من احتكار اليمين، والعروبة من يد الطغاة، والديمقراطية من سطحيتها الليبرالية، وبيروت من موتها المتكرر.
لذلك كان خطيرًا.
خطورة سمير لم تكن في أنه كتب ضد سلطة أمنية فقط. كثيرون فعلوا ذلك. خطورته أنه كتب ضد البنية التي تجعل السلطة الأمنية ممكنة: الخوف، الطائفية، العسكر، الذريعة القومية، اليسار المطيع، الصحافة المروّضة، والمثقف الذي يبيع حريته مقابل موقع أو قرب أو نجاة. كان يهاجم النظام الأمني لأنه كان يرى فيه أكثر من جهاز: كان يراه عقلًا سياسيًا يريد تحويل المجتمع إلى قطيع، والجامعة إلى ثكنة، والصحافة إلى ملحق، والوطن إلى غرفة تحقيق.
في “تأملات في شقاء العرب” كتب سمير عبارته القاطعة: “لا خير في أن تكون عربيًا في هذه الأيام.” هذه ليست جملة سوداوية، بل جملة تشريح. هو لا يعلن كراهية للعرب، بل يفضح النظام الذي جعل العربي يشعر بأنه خارج القدرة على الفعل. الشقاء عند سمير ليس قدرًا ولا لعنة، بل نتيجة تاريخية وسياسية: نهضة أُجهضت، حداثة أُفرغت، دولة تحولت إلى أمن، وأمة أُدمنت الهزيمة حتى صار الدفاع عن الحرية يبدو كأنه ترف.
هنا يبدأ الفرق بينه وبين كثيرين ممن كتبوا عن الانحطاط العربي. لم يكن سمير يستسهل الإدانة. لم يكن يقول إن العرب عاجزون بطبيعتهم، ولا إن الغرب وحده مسؤول عن خرابهم. كان يرفض خطابين معًا: خطاب الاستشراق الذي يرى العربي كائنًا خارج التاريخ، وخطاب الاستبداد الذي يجعل الخارج شماعة أبدية كي يبرر السجن في الداخل. كان يريد أن يقول إن العرب لا يخرجون من شقائهم إلا حين يستعيدون السياسة: السياسة كحرية، كمواطنة، كدولة قانون، كصراع مدني، لا كبيان عسكري ولا كوصاية حزبية ولا كخطبة مقاومة فارغة من الديمقراطية.
وفي “تاريخ بيروت”، لم يؤرخ سمير لمدينة بقدر ما دافع عن نموذج. بيروت عنده ليست نوستالجيا. ليست مقهى وصحيفة وبحرًا فقط. بيروت هي المجال العام العربي حين يكون حيًا: مدينة تختبر التعدد، وتنتج الصحافة، وتحتمل الاختلاف، وتفتح الباب للمنفى وللتمرّد وللأفكار القادمة من كل الجهات. لذلك كان اغتياله في بيروت اغتيالًا موجهًا إلى الفكرة التي حملها عن المدينة. أراد القتلة القول إن المدينة المفتوحة يجب أن تُقفل، وإن الكلمة التي تتجاوز الطائفة يجب أن تُعاقَب، وإن المثقف الذي لا يخاف يجب أن يُمحى.
لكن النص الأقسى في مشروع سمير يبقى في الربط بين لبنان وسوريا. في “ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان”، لم يكتب سمير ضد سوريا، بل ضد اختطاف سوريا. لم يكن استقلال لبنان عنده عداءً للشعب السوري، بل كان شرطًا لعلاقة صحيحة معه. ولم تكن ديمقراطية سوريا شأنًا خارجيًا، بل جزءًا من معركة لبنان نفسه. تلك هي فكرته المركزية: لا حرية لبيروت إذا بقيت دمشق سجينة، ولا ربيع لبنانيًا كاملًا إذا بقي الربيع السوري مخنوقًا في الزنازين.
من هنا معنى العبارة: ربيع بيروت من ربيع دمشق. ليست استعارة جميلة، بل موقف سياسي. فالنظام الذي صادر سوريا هو نفسه الذي صادر لبنان. والمخابرات التي أخافت السوريين هي نفسها التي أخافت اللبنانيين. واليسار الذي لم يفهم هذه المعادلة سقط في امتحانه الأخلاقي. فالتمييز بين سوريا الشعب وسوريا النظام لم يكن عند سمير تفصيلًا إنسانيًا، بل جوهر السياسة. من يعادي السوري لأنه سوري لم يفهم سمير. ومن يبرر نظام الأسد لأنه يرفع شعارات كبرى لم يفهم سمير أيضًا.
هنا يظهر سمير قصير كيساري نادر: يساري لا يبرر السجن، لا يعبد السلاح، لا يخلط فلسطين بالمخابرات، لا يستبدل العدالة بالاستبداد، ولا يساوي بين العروبة والطغيان. كان يعرف أن الحرية من دون عدالة قد تصبح امتيازًا، لكنه كان يعرف أيضًا أن العدالة من دون حرية تتحول إلى معسكر. لذلك لم يكن يساره حنينًا إلى أدبيات قديمة، بل محاولة لإنقاذ اليسار من موته الأخلاقي.
لهذا كان تأسيس حركة اليسار الديمقراطي، بالنسبة إلى سمير، أكثر من إضافة تنظيمية إلى الحياة الحزبية اللبنانية. كان محاولة لإعلان قطيعة: قطيعة مع يسار يصفق للطغاة باسم القضية، ومع يسار يختبئ خلف الشعارات الكبرى كي لا يرى السجون، ومع يسار يقبل أن تكون الحرية بندًا ثانويًا. أراد سمير يسارًا استقلاليًا، علمانيًا، اجتماعيًا، ديمقراطيًا، عربيًا بلا استبداد، وفلسطينيًا بلا تزوير، ولبنانيًا بلا طائفية.
ثم جاءت انتفاضة الاستقلال. في 14 آذار لم يكن سمير شاهدًا على الشارع، بل كان أحد صانعي لغته. كان يعرف أن خروج الناس من الخوف أهم من أي خطاب حزبي. في مقاله “ليس الإحباط قدرًا”، كتب: “ومن يكسر هذا الخوف، من يستطيع إسكاته بعد الآن؟” هذه الجملة تلخص لحظة 14 آذار في معناها الأعمق: الشعب لا يخرج فقط ليعترض، بل ليكتشف صوته. وحين يكتشف صوته، يصير إسكاتُه مشروع سلطة كاملة.
لكن سمير كان يعرف أيضًا أن الشارع إذا لم يتحول إلى برنامج، يُسرق. وأن الثورة إذا لم تذهب إلى بنية النظام، تُبتلع. وأن الاستقلال إذا لم يصبح دولة، يتحول إلى مناسبة. لذلك لم يكن يريد من 14 آذار أن تبقى ضد الوصاية السورية فقط، بل أن تصبح ضد كل وصاية: وصاية الطائفة، وصاية السلاح، وصاية المال السياسي، وصاية الزعيم، وصاية الفساد، ووصاية الذاكرة حين تتحول إلى تجارة سياسية.
من هنا كان اغتياله جزءًا من معركة أوسع. لم يكن المطلوب إسكات مقالة واحدة. كان المطلوب إسكات احتمال سياسي كامل: يسار ديمقراطي لا يخاف من كلمة السيادة، وسيادة لا تخاف من العدالة الاجتماعية، وعروبة لا تسجد للطغاة، ولبنان لا يختصر نفسه بالطوائف، وسوريا لا تختصر نفسها بالسجن.
وفي “عسكر على مين؟”، كان سمير يضع إصبعه على جوهر السلطة حين تتعرّى: منطق القوة حين لا تجد ما تقوله للمجتمع سوى العصا. كان السؤال بسيطًا ومخيفًا: عسكر على مين؟ على الطلاب؟ على الفلاحين؟ على الصحافيين؟ على الآمنين؟ على المجتمع حين يرفض أن يكون رعية؟ السؤال لا يزال حاضرًا، لأن كل سلطة مسلحة في لبنان والمنطقة تعيد إنتاج الجواب نفسه: العسكر على الناس حين يطالبون بأن يكونوا مواطنين.
وهنا أصل إلى السؤال الذي لا يجوز تلطيفه.
إلى رفاق سمير قصير في حركة اليسار الديمقراطي: ماذا فعلتم بفكرته؟
لا أسأل عن صورته. الصورة سهلة. لا أسأل عن بيانات الثاني من حزيران. البيان أسهل. لا أسأل عن الحنين إلى الرفيق الشهيد. الحنين، حين لا ينتج سياسة، يصبح تخديرًا. أسأل عن النهج: أين اليسار الديمقراطي الذي أراده سمير؟ أين القطيعة مع اليسار السلطوي؟ أين المعركة ضد الطائفية لا كخطاب بل كبنية سلطة؟ أين الدفاع عن العدالة الاجتماعية خارج البلاغة الانتخابية؟ أين الموقف من دولة القانون؟ أين ربط حرية لبنان بحرية سوريا؟ أين الشجاعة في تسمية الاستبداد باسمه حين يلبس قميص المقاومة أو القومية أو الواقعية السياسية؟
هل حافظتم على سمير، أم حافظتم على ذكراه فقط؟
الفارق هائل. الحفاظ على الذكرى يحتاج إلى وردة وخطاب. الحفاظ على الفكرة يحتاج إلى خطر. سمير لم يكن آمنًا في حياته كي يصبح آمنًا بعد اغتياله. لا يجوز تحويله إلى شهيد مريح. لا يجوز أن يُستدعى اسمه في المناسبات بينما تُترك أسئلته معلقة. لا يجوز أن يُقال “كان كبيرًا” ثم يجري الهروب من السؤال الأصلي: لماذا كان كبيرًا؟ لأنه لم يساوم على الحرية. لأنه لم يجعل اليسار غطاءً للشرطة. لأنه لم يجعل السيادة غطاءً للطائفية. لأنه لم يجعل العروبة غطاءً للديكتاتور. لأنه فهم أن الكلمة التي لا تدفع ثمنًا ليست دائمًا كلمة حرة.
أسأل نفسي: لو كان سمير قصير حيًّا اليوم، يا ترى ماذا كان يمكن أن يكون موقفه؟ أكان يمكن لمن كتب ضد النظام الأمني، وضد مصادرة السياسة، وضد تحويل الخوف إلى نظام، أن يقبل بلبنان معلّقًا بين دولة شكلية وقوة متسلطة على مصير اللبنانيين باسم المقاومة؟ أكان يمكن لمن ربط الحرية بالدولة والديمقراطية أن يقبل بالخيارات الثانية والثالثة، وبأنصاف الحلول، وبالتسويات التي تجعل السيادة وجهة نظر لا قاعدة تأسيسية؟
أظن أن خيار سمير كان سيكون أوحد: الدولة، والديمقراطية، والحرية. الدولة لا بوصفها إدارة محاصصة، بل بوصفها احتكارًا شرعيًا للقرار العام والسلاح والقانون. والديمقراطية لا بوصفها صندوق اقتراع تحت ضغط الأمر الواقع، بل بوصفها حرية سياسية كاملة. والحرية لا بوصفها شعارًا جميلًا، بل بوصفها شرطًا لكل مقاومة عادلة ولكل عدالة ممكنة.
أنا لم أعايش سمير، ولا أعرفه شخصيًا. لذلك لا أدّعي أنني أنطق باسمه، ولا أريد أن أختطف صوته بعد اغتياله. لكنني أسألكم أنتم، يا رفاقه، يا من عرفتموه وعايشتم لغته وغضبه وشجاعته: أجيبوني، ماذا كان يمكن أن يكون موقفه اليوم بما عرفتموه عنه؟ هل كان سيسكت أمام حزب يضع نفسه فوق الدولة ويصادر قرار اللبنانيين باسم قضية كبرى؟ هل كان سيقبل بأن تتحول المقاومة إلى سلطة، والسلطة إلى وصاية، والوصاية إلى قدر؟ أم كان سيعود إلى منطقه الأشد وضوحًا: لا حرية بلا دولة، ولا دولة بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية تحت سطوة السلاح؟
٢ حزيران ليس طقسًا. إنه محكمة. محكمة للقتلة، ومحكمة للصامتين، ومحكمة للذاكرة حين تصير باردة. في لبنان لا يُقتل المثقف مرة واحدة. يُقتل أولًا بالعبوة، ثم يُقتل ثانية حين تتحول أفكاره إلى اقتباسات موسمية، وثالثة حين يضع رفاقه صورته في الواجهة ويتركون مشروعه في الخلف.
لن نسامح ولن ننسى.
لا ننسى لأن النسيان في بلد الاغتيالات ليس براءة. ولا نسامح لأن المسامحة قبل الحقيقة عفو عن الجريمة. ولا نغفر لأن الغفران السياسي حين يسبق العدالة يصبح شراكة في دفن الضحية. سمير قصير ليس ملفًا في الماضي. إنه سؤال في الحاضر: هل يمكن أن يبقى في لبنان يسار حر؟ هل يمكن أن تبقى بيروت مدينة لا ثكنة؟ هل يمكن أن يعود معنى 14 آذار مشروع جمهورية لا تحالفًا انتخابيًا؟ هل يمكن أن نفكر بسوريا لا كخوف لبناني، بل كشعب مخطوف؟ هل يمكن أن نربط الحرية بالعدالة من دون أن نكذب على واحدة منهما؟
لم أكن أعرف سمير قصير. وكانت عندي فرصة لأعرفه يوم دُعيت لأكون من مؤسسي اليسار الديمقراطي، لكنني بقيت إلى جانب الشهيد جورج حاوي بسبب رفضي أن أكون مع مؤسس الحركة إلياس عطالله، لعدم ثقتي به، ولاعتقادي حينها أنه لن يستطيع أن يخرج من مدرسة اليسار التقليدي، وأنه سيكون ديكتاتورًا آخر. وهذا ما حصل.
عملت على تقريب وجهات النظر ما بين جورج وإلياس، آملًا أن نؤسس لاحقًا إطارًا أوسع. إلا أن اغتيال سمير وجورج حاوي فوّت علينا فرصة تأسيس تلك الحركة الأوسع، وفوّت عليّ فرصة معرفة سمير؛ الرجل الذي منذ لحظة اغتياله وأنا أبحث عن فكره، وأتعلّق به كما تعلقت يومًا بمهدي عامل وأنطونيو غرامشي، لا من موقع التقديس، بل من موقع الفكر المؤسس والمطوّر للماركسية.
سمير قصير لا يحتاج إلى مرثية جديدة. يحتاج إلى من يواصل المعركة التي جعلته خطرًا. يحتاج إلى يسار لا يشيخ في المقاعد، ولا يتقاعد في الذاكرة، ولا يبيع وضوحه باسم الحكمة. يحتاج إلى رفاق لا يكتفون بأن يقولوا إنهم أحبوه، بل يثبتون أنهم لم يخافوا مما كان يقوله.
في الثاني من حزيران، السؤال ليس: من قتل سمير فقط؟
السؤال أيضًا: من ترك فكر سمير وحيدًا بعد اغتياله؟
وهذا السؤال، قبل أن يُوجَّه إلى الخصوم، يُوجَّه إلى الرفاق.



