أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
متابعة للمقال السابق: «لبنان بين السيناريوهات الخطرة والحصيلة الكارثية».
أظهرت تطورات الساعات الأخيرة أن جميع أطراف الصراع حققت بعض أهدافها باستثناء لبنان. فقد ربح الرئيس الأمريكي بالنقاط، وربحت إيران وفيلقها اللبناني مزيداً من الوقت، فيما خسر اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، مزيداً من الأمن والاستقرار، كما خسرت الدولة اللبنانية جزءاً إضافياً من دورها وهيبتها. والأخطر من ذلك أن البلاد ما زالت تُستخدم ساحةً مفتوحةً لتصفية حسابات إقليمية ودولية لا تمت بصلة إلى مصالح اللبنانيين.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السجالات السياسية أو الإعلامية، بل في الوقائع الميدانية التي تتراكم على الأرض. فبعيداً عن الشعارات التي تدحرجت خلال السنوات الماضية من تحرير فلسطين إلى الصلاة في القدس، ومن الوصول إلى الجليل إلى ما بعد بعد حيفا، يواصل العدو بناء وقائع استراتيجية ثابتة تُقاس بنتائجها العسكرية لا بخطابات أعدائه.
وقد تمت الإشارة في المقال السابق إلى الخطوط الصفراء والحمراء التي يرسمها العدو لمستقبل المنطقة وغيرها. واليوم يمكن القول إنه نجح إلى حد بعيد في تحقيق أول أهدافه الأساسية عبر فرض منطقة منزوعة السلاح وخلق واقع أمني جديد في أجزاء واسعة من الجنوب، الأمر الذي يشكل تحولاً خطيراً قد تتجاوز نتائجه حدود المعركة الراهنة نفسها.
السؤال المطروح الآن لا يتعلق بما جرى، بل بما قد يجري لاحقاً.
فبعد تثبيت سيطرته على قلعة الشقيف، بما تمثله من قيمة استراتيجية ورمزية، يبدو أن الجيش الغازي يسعى إلى توسيع نطاق سيطرته باتجاه بلدة بلاط، بما يسمح له بالتحكم بمساحات واسعة من مجرى الليطاني وصولاً إلى سد القرعون. ولا تنبع أهمية هذا المحور من السيطرة على الأرض فحسب، بل من قدرته على فصل مناطق النفوذ والتحكم بخطوط الحركة والإمداد.
وفي موازاة ذلك، يبرز محور جبل بير الضهر بوصفه أحد أكثر المحاور حساسية. فهذه الهضبة الواقعة بين جبل الشيخ وجبل لبنان تمنح من يسيطر عليها أفضلية ميدانية واسعة. ومن هنا تبدو تلة برغز وقلعة الشهباء هدفين طبيعيين لأي تقدم محتمل، لما توفرانه من إشراف ناري على مناطق واسعة تمتد شرقاً نحو وادي التيم وغرباً نحو عمق الجنوب.
وعند الوصول إلى هذه المرحلة، يصبح ممكناً فرض ضغط مباشر على بلدات قليا وزلايا ويحمر، تمهيداً للسيطرة على ميدون، وهي عقدة جغرافية بالغة الأهمية. فالسقوط المحتمل لهذا المحور لا يعني مجرد خسارة مواقع متفرقة، بل يؤدي عملياً إلى إضعاف التواصل بين البقاع الغربي ومرتفعات جزين وإقليم التفاح. وربما يفسر ذلك القصف العنيف وغير المسبوق الذي تعرضت له بلدة مشغرة في الآونة الأخيرة.
أما المرحلة التالية فتتمثل في التقدم نحو تلال علي الطاهر والدبشة، وهما مفتاحان أساسيان للسيطرة على النبطية ومحيطها. ومن هناك يصبح الانتقال نحو مرتفعات إقليم التفاح وتلال جزين أكثر سهولة، وصولاً إلى تلة روم الاستراتيجية التي تشكل إحدى أهم نقاط الإشراف والسيطرة في المنطقة.
وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن النتيجة العسكرية المباشرة ستكون إحكام الطوق على معظم الجنوب اللبناني عبر كماشة ميدانية واسعة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط العسكرية والسياسية قد تمتد آثارها إلى بيروت وضاحيتها.
قد يختلف كثيرون حول دقة هذا التقدير أو احتمالات تحققه، لكن ما لا يجوز الاختلاف حوله هو أن الجنوب يواجه خطراً وجودياً حقيقياً، وأن استمرار التعامل معه بوصفه مجرد ساحة لتبادل الرسائل بين إسرائيل وإيران لن يؤدي إلاّ إلى تعميق الكارثة.
لهذا السبب يصبح المطلوب قبل أي شيء آخر استعادة الدولة اللبنانية لدورها الكامل، وإطلاق تحرك وطني شامل عبر تنظيم انتفاضات شعبية سلمية لمواجهة العدو أينما وجد، ويضع في رأس أولوياته عودة الأهالي إلى أرضهم وقراهم. فالتاريخ يعلمنا أن الأرض التي يُهجر أهلها عنها تصبح أكثر عرضة للتغيير والتبديل من الأرض التي يتمسك أصحابها بها مهما كانت التضحيات.
ومن أراد أن يستخلص الدرس من التغريبة الفلسطينية، فعليه أن يتذكر أن المأساة لم تبدأ يوم ضاعت الأرض، بل يوم اعتقد أصحابها أن هناك من سيحافظ عليها نيابة عنهم. أما اللبناني، والجنوبي على وجه الخصوص، فلا يحتاج اليوم إلى شعارات جديدة، بل إلى العودة إلى أرضه والتمسك بها، حتى لا تتحول نكبات الأمس إلى نكبات جديدة .



