السبت, يونيو 13, 2026
20.8 C
Beirut

حزب الله وخطاب محمود قماطي: من “سنصلي في القدس” إلى تهديد اللبنانيين

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

منذ اندلاع المواجهة بين حزب الله وإسرائيل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يكن خطاب محمود قماطي منفصلاً عن خطاب الحزب. فهو، بصفته نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله والوزير السابق، لم يكن يعبّر عن موقف شخصي أو انفعال عابر، بل كان يؤدي وظيفة سياسية واضحة داخل سردية الحزب: تبرير قرار الحرب، رفع سقف التوقعات، تثبيت شرعية السلاح، ثم تفسير الخسائر والتراجعات حين تغيّرت الوقائع الميدانية.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة تصريحات قماطي بمعزل عن المسار الأوسع لخطاب حزب الله. الحزب الذي قدّم نفسه طويلاً بوصفه قوة ردع وحماية وتحرير، انتقل في خطابه خلال الحرب من وعد الجمهور بالقدرة على فرض المعادلات الكبرى، إلى خطاب يشرح لماذا وقعت الخسائر، ولماذا حصل التوغّل، ولماذا لا يعني ذلك فشل المقاومة. وبين المرحلتين، ظلّ اللبنانيون، وخصوصاً أهل الجنوب، يدفعون الثمن.

في البداية، كان السقف عالياً. لغة الحزب كانت لغة الوعد والردع والتهديد بالعمق الإسرائيلي. من “سنصلي في القدس” إلى الحديث عن الجليل، ومن حيفا إلى ما بعد حيفا، قُدّم السلاح للناس كقوة قادرة على نقل الحرب إلى أرض العدو، لا كقوة ستكتفي لاحقاً بشرح أسباب دخول العدو إلى الأرض اللبنانية. هذا الخطاب لم يكن تفصيلاً دعائياً، بل كان جزءاً من بناء الثقة الشعبية بسردية تقول إن وجود حزب الله يمنع إسرائيل من فرض وقائعها.

ضمن هذا المناخ، جاءت تصريحات قماطي لتؤكد أن المقاومة جاهزة، وأن العدو لن يحقق أهدافه، وأن المعركة ليست كما يتصورها الإسرائيليون. وعندما بدأت إسرائيل عملياتها البرية، وارتفعت كلفة الحرب على قرى الجنوب، لم يتراجع خطاب الحزب فوراً. بل استمر في تقديم المشهد باعتباره فشلاً إسرائيلياً. قيل إن التقدم البري لم يحقق أهدافه، وإن الخيام وبنت جبيل ومناطق الجنوب تحولت إلى ساحات استنزاف، وإن العدو لم ينجح في كسر المقاومة.

في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ذهب قماطي أبعد من ذلك حين تحدّث عن انتصار الحزب، وعن أن إسرائيل لم تحقق أهدافها. هذا الكلام جاء في لحظة كان المطلوب فيها تثبيت معنويات البيئة الحاضنة وإقناع اللبنانيين بأن ما جرى لم يكن خسارة بل إنجازاً. لكن المشكلة أن مثل هذا الخطاب لا يبقى بلا تبعات. حين تقول للناس إن العدو لم يحقق أي هدف، فأنت تجعل معيار النجاح واضحاً: منع إسرائيل من التقدم، منعها من الاحتلال، ومنعها من فرض وقائع ميدانية. وعندما تتغيّر الوقائع لاحقاً، يصبح التراجع في الخطاب مكشوفاً.

هنا بدأ الانتقال من خطاب المنع إلى خطاب التبرير. لم يعد الكلام مقتصراً على أن إسرائيل فشلت في الدخول أو التقدم، بل صار المطلوب تفسير كيف دخلت وتوغلت. قيل إن التوغل كان “بضعة كيلومترات”، وقيل إن المقاومة أفرغت بعض المناطق، وقيل إن ما حصل لا يعني سقوط وظيفة المقاومة. هذه اللغة تكشف انقلاباً في تعريف الهدف. في البداية، كان السلاح يُقدَّم كضمانة تمنع الاحتلال. لاحقاً، صار الخطاب يقول إن المقاومة لم تقل أصلاً إنها تمنع اجتياحاً أو احتلال جغرافيا، بل تقاوم الاحتلال وتحرّر الأرض.

هذا هو جوهر التراجع. الحزب لا يراجع قراره، بل يغيّر تعريف النتيجة. إذا لم يدخل العدو، فهذا انتصار للمقاومة. وإذا دخل، فالمقاومة لم تكن قد وعدت بمنع الدخول. وإذا دُمّرت القرى، فالثمن كان ضرورياً. وإذا اعترض اللبنانيون، قيل إن الاعتراض طعن في الظهر. بهذه الطريقة، تتحول المعايير إلى أدوات متحركة، ويصبح الجمهور مطالباً بتصديق النتيجة ونقيضها بحسب ما يقتضيه الموقف.

في موازاة ذلك، ظلّ قماطي يكرر أن حزب الله لن يسلّم سلاحه. هذا الموقف ليس جديداً في خطاب الحزب، لكنه اكتسب خلال الحرب معنى أكثر حدّة. فالحزب يربط بقاء السلاح ببقاء لبنان نفسه، ويقدّم أي دعوة إلى حصر قرار الحرب والسلم بالدولة وكأنها خدمة مجانية لإسرائيل. وهنا يصبح النقاش الداخلي شبه ممنوع: ليس لأن اللبنانيين اقتنعوا، بل لأن الحزب يضع السلاح خارج المساءلة، ثم يطلب من الدولة والناس أن يتحملوا النتائج.

وقد ظهر ذلك أيضاً في موقف قماطي من المفاوضات. فهو يرفض المفاوضات المباشرة، ويهاجم أي تسوية لا تبدأ بوقف كامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل، ويقول إن “الكلمة للميدان”. هذه العبارة ليست تفصيلاً. حين تصبح “الكلمة للميدان”، لا تعود الكلمة للدولة ولا للمؤسسات ولا للبنانيين الذين يدفعون الكلفة. يصبح قرار الحرب والسلم بيد الجهة المسلحة، بينما تتحول الدولة إلى جهة مطالبة بتغطية النتائج أو معالجة الكوارث بعد وقوعها.

لكن أخطر ما في خطاب قماطي والحزب لا يظهر فقط في العلاقة مع إسرائيل، بل في العلاقة مع الداخل اللبناني. ففي المقطع الكامل الذي نُقل حرفياً من الفيديو، يبدأ قماطي كلامه بنبرة تبدو تصالحية: “ما حا نقبل إنو العدو يبقى على أرضنا. وما حا نترك المقاومة ما دام العدو موجود على أرضنا، فلينسحب نحنا مطالبنا صارت واضحة مش حا نكررها، هيدي مطالبنا هيدي مطالبنا دفاعية وتعوا يا لبنانيين نتفاهم، ما عنا خيار إلا نتفاهم، لا تروحوا للفتنة هيدي مش لمصلحة البلد”.

لو توقف الكلام هنا، لأمكن اعتباره دعوة إلى تفاهم داخلي وتجنّب الفتنة. لكن قماطي أكمل بما يوضح أن الدعوة إلى التفاهم مشروطة بعدم الاقتراب من الحزب وسلاحه. قال: “وما حدا يفكر حاله إنو بيقدر يطعن المقاومة بظهرها، ما حدا يفكر، في كلام هلأ إنو هذه الفرصة الذهبية، المقاومة مشغولة مع العدو الإسرائيلي يلا ظهرها مكشوف إطعنوها في الظهر الآن فرصتنا الذهبية لنقضي عليها من الخلف… لا أوعا حدا يفكر هيك، نحنا اللي عم يقاتلوا على الجبهة يعني بديش كتير إني يعني بالغ بكون عم قول إنو هني 10% من قدراتنا القتالية بكون كتير مكبرها”.

وعندما سألته المذيعة: “شو عم تجرب تقول؟”، لم يتراجع ولم يخفف المعنى، بل أجاب: “عم جرب قول لا واضح مش عم جرب رح قولهم، انتبهي أنا عم قول ما يفكروا إنو هيدي القوة الموجودة بوجه العدو هيدي قوة حزب الله وبدنا نضربه من الخلف”. ثم ختم بالقول: “لذلك بدي قول هول متحفزين للجبهة فما حدا يفكر إنو تعوا نضربهم بظهرهم”.

هذا المقطع هو خلاصة المشكلة. قماطي يقول للبنانيين: تعالوا نتفاهم، لكن لا تفكروا أن انشغال الحزب بالجبهة فرصة. يقول لا تذهبوا إلى الفتنة، ثم يذكّر بأن الموجودين على الجبهة ليسوا سوى نسبة صغيرة من القدرة القتالية. يقول إن المطالب دفاعية، ثم يفتح الباب أمام رسالة ردع داخلية موجهة إلى كل من يفكر بأن لحظة الحرب قد تكون مناسبة لمساءلة الحزب أو الحد من سلاحه. وهكذا يتحول خطاب الوحدة إلى خطاب إنذار.

بهذا المعنى، فإن لغة “الطعن في الظهر” ليست بريئة. فهي لا تصف فقط موقفاً سياسياً معارضاً، بل تضع المعارض في خانة الخيانة، وتحوّل المطالبة بالدولة إلى فعل عدائي ضد المقاومة. وعندما تُقرن هذه اللغة بالتذكير بأن معظم القوة القتالية ليست على الجبهة، يصبح الكلام أكثر من رأي سياسي. يصبح تلويحاً بالقوة في الداخل، حتى لو جاء مغلفاً بعبارات التفاهم وعدم الذهاب إلى الفتنة.

وهنا تكتمل الدائرة: حزب الله يبدأ بخطاب تحرير القدس والجليل وحيفا وما بعد حيفا، ثم ينتقل إلى خطاب يبرر عدم منع الاجتياح أو الاحتلال الجغرافي، ثم ينتهي إلى تهديد اللبنانيين إذا اعترضوا أو حاولوا مساءلته. أي أن الناس يُدحرجون من الوعد الكبير إلى الخسارة الواقعية، ومن الخسارة إلى إعادة تعريف الانتصار، ومن إعادة التعريف إلى إسكات الاعتراض باسم منع الفتنة.

هذه ليست مجرد مشكلة بلاغية في خطاب قماطي. إنها مشكلة سياسية وأخلاقية في خطاب حزب كامل. فحين يكون السلاح ضمانة، يجب أن يُحاسَب على نتائج الضمانة. وحين يكون قرار الحرب خارج الدولة، لا يجوز تحميل الدولة وحدها كلفة الحرب. وحين يدفع أهل الجنوب واللبنانيون الثمن، لا يجوز أن يصبح سؤالهم عن الجدوى “طعناً في الظهر”. وحين تتراجع السقوف من القدس إلى تبرير التوغل، لا يجوز تعويض هذا التراجع برفع الصوت على الداخل.

الخلاصة أن قماطي لم يكن يتحدث كفرد معزول، بل كجزء من ماكينة سياسية تدير خطاب حزب الله في الحرب. هذه الماكينة رفعت التوقعات إلى أقصى حد، ثم خفّضت المعايير عندما تغيّرت الوقائع، ثم لوّحت بالقوة في وجه الداخل عندما بدأت الأسئلة تكبر. من “سنصلي في القدس” إلى “لم نقل إننا نمنع احتلال الجغرافيا”، ومن “حيفا وما بعد حيفا” إلى “ما حدا يفكر يطعن المقاومة بظهرها”، يدحرج حزب الله الناس من وعد التحرير الكبير إلى تبرير الخسارة، ثم من تبرير الخسارة إلى تهديد من يجرؤ على السؤال.

لكن الناس لم تعد تعيش على الوعود والشعارات. بيوتها دُمّرت، وقراها جُرفت، وأبناؤها قُتلوا أو هُجّروا، والخسائر باتت واقعاً يومياً لا يمكن تغطيته بخطاب تعبوي أو بإعادة تعريف الانتصار. ومع اتساع حجم الكلفة، يصبح السؤال طبيعياً ومشروعاً: من اتخذ قرار الحرب؟ ومن يتحمّل مسؤولية نتائجها؟ ومن منح حزب الله حق جرّ بلد كامل إلى مواجهة بهذا الحجم، خارج الدولة ومن دون تفويض واضح من اللبنانيين؟

وهنا يحضر السؤال الأكبر: أين الدولة من كل ما يحصل؟ اللبنانيون وضعوا ثقتهم بالدولة وبمؤسساتها، لا بأي سلطة موازية. فمن سيحمي الناس إذا كانت الدولة تتفرج على قرار الحرب والسلم يُنتزع منها؟ ومن سيضمن أمن اللبنانيين إذا بقي السلاح خارج سلطتها؟ ولماذا لا تنفذ الدولة قراراتها بفرض سيادتها على كامل أراضيها، وحصر قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الشرعية؟

لذلك، لم يعد ممكناً القفز فوق السؤال الجوهري: من أعطى الحزب حق إدخال اللبنانيين في هذه الحرب، ثم حق إعادة تعريف نتائجها، ثم حق اتهام المعترضين بأنهم يطعنون المقاومة في الظهر؟ وحين تكون الكلفة بهذا الحجم من الدمار والتهجير والخسائر، لا يعود الاعتراض خيانة، بل حقاً طبيعياً للناس الذين دفعوا الثمن من بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. كما لا يعود صمت الدولة مقبولاً، لأن الدولة التي لا تفرض سلطتها ولا تحمي مواطنيها تترك الناس وحدهم بين حرب لا يقررونها وخطاب يطلب منهم أن يدفعوا ثمنها بصمت.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

صوت هادر من أجل الكرامة السيادية!

أخباركم - أخبارنا/ توفيق الشعار في لحظة تشهد أزمة إقليمية عميقة، قدم الرئيس اللبناني جوزاف...

سوريا في لبنان مجددًا: من جراحة حزب الله إلى خطر الوصاية الجديدة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين يتحدث دونالد ترمب عن عمليات “جراحية” ضد حزب...

بين حصر السلاح وحلّ البيشمركة: التناقض الأميركي ومخاوف كوردستان من اختراق البيت الداخلي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من سلاح المقاومة إلى سؤال الدولة قبل أن تصبح البيشمركة...