السبت, يونيو 13, 2026
21.9 C
Beirut

محمد رعد وبيان الهروب الكبير: عندما يطلب حزبٌ من الدولة أن تموت كي يبقى هو!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

مقال محمد رعد في جريدة الأخبار اليوم بعنوان ” لقد تعلّمنا الدرس من فلسطين… لذلك سنقاوم!”، ليس مجرد دفاع عن المقاومة. هو بيان سياسي كامل في تبرير مصادرة الدولة، وتعطيل السيادة، واحتكار قرار الحرب والسلم، ثم مطالبة اللبنانيين بأن يسمّوا هذا كله «صموداً

يكتب رعد وكأن لبنان ليس دولة، بل ملحق بجبهة. وكأن الشعب اللبناني ليس شعباً له مصالح وحقوق وحياة، بل وقود دائم لمعادلات يقررها حزب واحد. في مقاله، يحاول أن يقنع اللبنانيين بأن الخيارات أمامهم محصورة بين «التنصّل» و«الرهان» و«الصمود والمقاومة». لكن ما يسقطه عمداً هو الخيار الحقيقي الذي يخشاه حزب الله: خيار الدولة.

خيار الدولة ليس تنصلاً. خيار الدولة ليس رهاناً على العدو. خيار الدولة ليس خيانة. خيار الدولة هو أن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، وأن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية العسكرية الوحيدة، وأن لا يستطيع أي حزب، مهما كان حجمه وسلاحه وخطابه، أن يقرر مصير بلد كامل من خارج الدستور.

السياسة التي يدافع عنها رعد تقوم على معادلة خطيرة: الحزب يقرر، الدولة تتحمل، الناس تدفع، ومن يعترض يُتّهم. هذه ليست مقاومة. هذه سلطة فوق الدولة. وهذه ليست سيادة. هذه وصاية مسلحة على السيادة.

يتحدث رعد عن «السلطة البائسة». نعم، السلطة بائسة، لكن من جعلها أكثر بؤساً؟ كيف يمكن لدولة أن تكون دولة إذا كان قرارها الأمني والعسكري مخطوفاً؟ كيف يمكن لحكومة أن تحكم إذا كان هناك من يملك قراراً استراتيجياً موازياً؟ وكيف يمكن للبنان أن يفاوض العالم أو يحمي حدوده أو ينقذ اقتصاده بينما هناك قوة حزبية تتصرف كأنها الدولة حين تريد، وفوق الدولة حين تشاء، وخارج الدولة حين تُحاسَب؟

الرد السياسي على محمد رعد يبدأ من هنا: لا يمكن بناء دولة تحت ظل سلاح لا يخضع لها. لا يمكن إنقاذ اقتصاد في بلد لا يعرف المستثمر فيه متى تندلع الحرب ومن يقررها. لا يمكن حماية الجنوب إذا بقي الجنوب منصة رسائل إقليمية. لا يمكن الدفاع عن لبنان بتحويله إلى ساحة مفتوحة. ولا يمكن الادعاء بحماية السيادة فيما قرار السيادة نفسه مصادر.

حين يقول رعد إن «لا يبقى سوى المقاومة والصمود»، فهو لا يقدّم حلاً. هو يعلن فشل السياسة. لأن الشعوب لا تعيش على الصمود وحده. الشعوب تحتاج دولة، اقتصاداً، مؤسسات، مدارس، مستشفيات، حدوداً مضبوطة، علاقات خارجية متوازنة، وجيشاً واحداً. أما أن يُطلب من اللبنانيين أن يصمدوا إلى ما لا نهاية بينما القرار ليس في أيديهم، فهذا ليس مشروع وطن. هذا مشروع استنزاف دائم.

الأخطر أن رعد يحاول تحويل مطلب حصرية السلاح بيد الدولة إلى تهمة. وهذه هي المفارقة الفاضحة. في كل دول العالم، حصرية السلاح بيد الدولة هي أساس السيادة. في خطاب حزب الله، تصبح حصرية السلاح مؤامرة. في كل دول العالم، قرار الحرب والسلم من اختصاص الدولة. في خطاب حزب الله، يصبح هذا القرار امتيازاً حزبياً. في كل دول العالم، الجيش هو مؤسسة الدفاع الوطني. في خطاب حزب الله، يُراد للجيش أن يبقى شاهداً لا صاحب قرار.

هذا هو جوهر الأزمة: حزب الله لا يريد دولة قوية، بل دولة كافية لتأمين الغطاء، وضعيفة بما يكفي كي لا تسأله عمّا يفعل. يريد حكومة عندما يحتاج إلى شرعية، ومؤسسات عندما يحتاج إلى تمويل، وشعباً عندما يحتاج إلى تضحيات، لكنه لا يريد دولة تمتلك حق القرار النهائي.

لذلك يظهر محمد رعد في مقاله كمن يعيش خارج الواقع السياسي للبنان. الواقع يقول إن اللبنانيين تعبوا من المعادلات المفتوحة. تعبوا من اقتصاد يُدمَّر باسم الممانعة. تعبوا من جنوب يُستنزَف باسم الردع. تعبوا من دولة تُهان باسم المقاومة. تعبوا من خطاب يتعامل مع خوفهم كجبن، ومع اعتراضهم كخيانة، ومع مطالبتهم بالحياة كأنها سقوط أخلاقي.

لبنان ليس ثكنة. الجنوب ليس صندوق بريد. اللبنانيون ليسوا جمهوراً مطلوباً منه التصفيق عند كل منعطف خطير. والسيادة ليست قصيدة في خطاب حزبي، بل ممارسة واضحة: قرار واحد، جيش واحد، دولة واحدة، وسلاح واحد تحت الدستور.

أما القول إنهم «تعلّموا الدرس من فلسطين»، فهو استخدام مأساة كبرى لتبرير مأزق لبناني. الدرس من فلسطين ليس أن تُقاد الشعوب إلى الدمار المفتوح ثم يُطلب منها أن تحتفل بالصمود. الدرس أن غياب الدولة، وغياب الأفق السياسي، وترك الناس تحت النار بلا حماية حقيقية، هو وصفة لكارثة لا لكرامة. الكرامة لا تُقاس بعدد البيوت المهدّمة، ولا بعدد العائلات النازحة، ولا بقدرة السياسيين على تحويل الألم إلى شعار.

الكرامة أن لا يكون المواطن رهينة. الكرامة أن لا يُؤخذ البلد إلى الحرب من دون قرار وطني. الكرامة أن لا يصبح الدستور تفصيلاً، والدولة واجهة، والجيش ديكوراً، والشعب مادة تعبئة.

محمد رعد لا يقدّم في مقاله رؤية للبنان. يقدّم رؤية حزب للبنان. والفرق هائل. رؤية الدولة تسأل: كيف نحمي البلد كله؟ رؤية الحزب تسأل: كيف نحمي السلاح؟ رؤية الدولة تبدأ من المواطن. رؤية الحزب تبدأ من الجبهة. رؤية الدولة تبحث عن الاستقرار. رؤية الحزب يطلب من الناس أن يتعايشوا مع الخطر الدائم كأنه قدر.

لهذا، الرد عليه ليس عاطفياً فقط، بل سياسي بامتياز: لا شرعية لأي سلاح خارج الدولة. لا شرعية لأي قرار حرب خارج المؤسسات. لا شرعية لأي خطاب يجعل اللبنانيين رهائن باسم المقاومة. ولا مستقبل للبنان ما دام هناك من يعتبر نفسه أرفع من الدولة وأسبق من الدستور وأحق من الشعب بتقرير مصيره.

المشكلة ليست في أن اللبنانيين لا يريدون الدفاع عن بلدهم. المشكلة أنهم يرفضون أن يُختزل الدفاع عن لبنان بحزب واحد، وسلاح واحد، وقرار واحد خارج الدولة. المشكلة أنهم يريدون وطناً لا ساحة. يريدون جيشاً لا ميليشيا موازية. يريدون سياسة لا تعبئة. يريدون حياة لا انتظار الحرب المقبلة.

في النهاية، مقال محمد رعد يكشف أكثر مما يدافع. يكشف أن الأزمة لم تعد فقط في السلاح، بل في العقل السياسي الذي يبرّره. عقل يعتبر الدولة عبئاً، والاعتراض خيانة، والخسائر ثمناً طبيعياً، والناس مادة صمود. وهذا العقل، لا خصومه، هو من يعيش خارج الواقع.

لبنان لا يُحمى بإلغاء الدولة. لبنان لا يُحرَّر بمصادرة قراره. لبنان لا ينهض بخطاب يطلب من شعبه أن يموت كي يثبت أن حزباً كان على حق.

الطريق الوحيد إلى السيادة واضح: دولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد. وكل ما عدا ذلك ليس مقاومة للدفاع عن لبنان، بل دفاع عن سلطة أمر واقع تمنع لبنان من أن يكون دولة.
:::

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...