أخباركم – اخبارنا / مسعود محمد
مقدمة سياسية ـ اجتماعية: كيف نقرأ الضاحية وكيف ننصرها؟
حين تهدّد إسرائيل بتدمير الضاحية الجنوبية أو ضربها، وحين يُطالَب بتحييدها في الكواليس والوساطات لا بوصفها مدينة لبنانية مكتظة بالسكان، بل بوصفها الخاصرة المدنية لذراع إيران الأقوى في لبنان، نكون أمام مأساة سياسية وأخلاقية مزدوجة. فالضاحية لا تُرى كما هي: مدينة يعيش فيها بشر، عائلات، أطفال، فقراء، طلاب، عمال، تجار، مؤمنون، غير مؤدلجين، حزبيون، خائفون، صامتون، ومعترضون. تُرى من الخارج الإسرائيلي كـ“هدف” أو “معقل” أو “بنية تحتية للعدو”، وتُرى من الخارج الإيراني كـ“عمق اجتماعي” و“بيئة حاضنة” و“رصيد تفاوضي” يجب تحييده حين يخدم المعركة، أو تفعيله حين يخدمها.
بين هذين المنظورين تضيع المدينة. إسرائيل لا ترى في الضاحية إلا ظلّ حزب الله، فتختصر السكان في التنظيم، والبيوت في منصات، والشوارع في خرائط أهداف. وإيران لا تراها كحي لبناني له حقه في الدولة والحياة والطمأنينة، بل كساحة نفوذ يجب أن تبقى صالحة لحماية ذراعها، وتثبيت موقعه، وتحسين شروطها في صراعاتها الإقليمية. هكذا تصبح الضاحية رهينة نظرتين متقابلتين ظاهريًا ومتشابهتين في العمق: نظرة عدو يريد سحقها لأنها “حزب الله”، ونظرة حليف يريد حمايتها لأنها “حزب الله”. في الحالتين، لا تُرى الضاحية كمدينة؛ تُرى كوظيفة.
من هنا يبدأ السؤال: كيف نقرأ الضاحية؟ وكيف ننصرها؟ هل ننصرها بترديد خطاب الحزب عنها؟ أم ننصرها بتبني خطاب إسرائيل ضدها؟ كلاهما خيانة لمعنى المدينة. قراءة الضاحية قراءة عادلة تعني أن نفصل بين السكان والمنظومة، بين الحق في الحماية والحق في النقد، بين رفض العدوان الإسرائيلي ورفض تحويل الحي إلى متراس حزبي، بين الدفاع عن الناس والدفاع عن دويلة فوق الناس. لا يجوز أن تتحول الضاحية إلى هدف عسكري لأنها تضم نفوذ حزب الله، ولا يجوز في المقابل أن تُمنع من نقد حزب الله بحجة أنها مهددة من إسرائيل. العدوان لا يمنح الحزب براءة، والحزب لا يمنح إسرائيل حقًا.
نصرة الضاحية لا تعني نصرة سلاحها الحزبي، بل نصرة حقها في أن لا تكون رهينة لهذا السلاح. ولا تعني تبرير خطاب إسرائيل الأمني، بل فضحه بوصفه خطابًا يُحوّل المدنيين إلى امتداد للخصم. ولا تعني التسليم بالرعاية الإيرانية، بل كشفها بوصفها وصاية سياسية ترى المدينة من خلال وظيفتها في المحور. الضاحية تستحق أن تُدافع عنها لأنها مدينة لبنانية، لا لأنها قاعدة حزب. وتستحق أن تُنتقد منظومتها لأنها مدينة لبنانية أيضًا، لا لأنها خارجة من الوطن.
الضاحية ليست جغرافيا فقط
ليست الضاحية الجنوبية مجرّد مساحة جغرافية على طرف بيروت. إنها ذاكرة، وطبقات، وأصوات، وخوف، ونجاة، وفقر، وصعود اجتماعي، وخراب متكرر، وأحلام مؤجلة. من يختصرها بحزب واحد يظلم أهلها، ومن يراها حيًّا مدنيًا عاديًا من دون أن يرى القبضة الحزبية فوقها يهرب من الحقيقة. الضاحية، كما تبدو في الوعي اللبناني، منفصمة بين وجهين: وجه مدني، ثقافي، لبناني، شيعي متنوّع، يشبه ما مثّله لقمان سليم من جرأة نقدية، وما مثّله السيد هاني فحص من إيمان بالحوار والدولة والعيش المشترك؛ ووجه آخر حزبي، مغلق، تعبوي، شديد الارتباط بحزب الله ومؤسساته ورجال دينه وإعلامه وأمنه وشبكاته الاجتماعية والسياسية.
لكن هذه الثنائية لا يجب أن تُفهم كحكم أخلاقي سريع على السكان. فالضاحية ليست كتلة واحدة، وليست أهلًا متجانسين، وليست جمهورًا خالصًا لحزب. إنها مجتمع واسع، كثيف، متعب، متناقض، فيه المؤمن وغير المؤدلج، الحزبي واللامنتمي، الفقير والصاعد اجتماعيًا، الطالب والعامل والتاجر والمثقف الصامت. المشكلة ليست في الضاحية كناس، بل في تحويل الضاحية إلى جهاز. المشكلة ليست في التديّن، بل في تسييس التديّن. وليست في الانتماء، بل في تحويل الانتماء إلى طاعة. وليست في المقاومة كفكرة، بل في تحويلها إلى سلطة فوق المجتمع وفوق الدولة وفوق النقد.
الوجه المدني: ضاحية الناس لا ضاحية الجهاز
الوجه الأول هو الضاحية التي لا تُمنح حقها في الظهور. ضاحية الناس العاديين: الباعة، الأساتذة، الطلاب، الأمهات، العمّال، المثقفين، المتدينين الذين لا يريدون أن يكون دينهم بطاقة حزبية، والشيعة اللبنانيين الذين يريدون أن يكونوا مواطنين لا جنودًا في سردية دائمة. هذه الضاحية لا تريد أن تكون “خاصرة أمنية”، ولا “بيئة حاضنة”، ولا “ساحة حرب بالوكالة”. تريد أن تكون حيًّا طبيعيًا، فيه مكتبة ومقهى وجامعة ومدرسة ومسرح وبلدية ومركز ثقافي، لا مجرد متراس سياسي أو عنوان ثابت في نشرات الأخبار.
هذا الوجه المدني يجد رموزه في شخصيات شيعية لبنانية خرجت من داخل البيئة نفسها أو من جوارها الثقافي، لكنها رفضت اختزال الشيعة بحزب واحد. لقمان سليم لم يكن مجرد معارض لحزب الله؛ كان يمثل فكرة أخطر على المنظومات المغلقة: فكرة أن الإنسان ابن بيئته لكنه ليس ملكًا لها، وأن الانتماء الطائفي لا يلغي حق السؤال، وأن المقاومة لا تبرر إسكات النقد، وأن الذاكرة يجب أن تُفتح لا أن تُدفن. أما السيد هاني فحص، فكان من طينة رجال الدين الذين لا يحوّلون العمامة إلى أداة ضبط، بل إلى مساحة تأمل أخلاقي وحوار واعتراف بالآخر. كان يرى أن التديّن لا يكتمل بالولاء السياسي، وأن الشيعية اللبنانية ليست فرعًا من جهاز حزبي، بل تاريخ طويل من الفقه والوجدان والحرمان والكرامة والتنوع.
الوجه الحزبي: حين يتحول الحي إلى جهاز
في المقابل، هناك الوجه الثاني: الضاحية بوصفها منطقة نفوذ. هنا لا يعود المكان حيًّا مدنيًا بالكامل، بل يتحول إلى جهاز واسع. الشارع له عين، والبناية لها ذاكرة أمنية، والجدار له صورة، والمناسبة الدينية لها وظيفة تعبئة، والمؤسسة الاجتماعية لها امتداد سياسي، والمنبر الديني لا يكتفي بالوعظ، بل يربط الخلاص بالإذعان، والولاء بالنجاة، والاعتراض بالخيانة. في هذا الوجه، لا يُطلب من الإنسان أن يؤمن فقط، بل أن ينتظم؛ لا أن يتدين فقط، بل أن يتبع؛ لا أن يناصر قضية فقط، بل أن يتنازل عن استقلاله الداخلي.
خطورة هذا الوجه ليست فقط في السلاح، بل في تحويل المجتمع إلى بنية طاعة. السلاح ظاهر، أما الأخطر فهو صناعة الإنسان المطيع: إنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون، يخاف من السؤال، يربط كرامته بصورة القائد، ويخلط بين الله والحزب، وبين الطائفة والتنظيم، وبين الشهادة والموت السياسي للذات. هنا يصبح الإعلام ليس وسيلة إخبار، بل آلة تفسير للعالم؛ تصبح المدرسة أو المؤسسة الاجتماعية قناة تنشئة؛ يصبح رجل الدين موظفًا في إنتاج المعنى؛ وتصبح اللغة نفسها محاصرة: من يعترض “عميل”، من يسأل “مشبوه”، من يختلف “خارج البيئة”، ومن يرفض الحرب “ضعيف الوعي”.
السؤال التفسيري: لماذا تصبح السيطرة ممكنة؟
غير أن التحليل لا يكتمل إذا بقينا عند مستوى الإدانة السياسية. يجب أن نسأل: لماذا تصبح هذه السيطرة ممكنة؟ كيف يتحول الحزب من تنظيم سياسي ـ عسكري إلى بنية اجتماعية شبه كاملة؟ كيف يصبح الولاء، عند شرائح من الناس، ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل وسيلة عيش وحماية ومعنى؟ هنا نحتاج إلى قراءة ماركسية واجتماعية للمدينة، قراءة لا تبرر الدويلة، لكنها تفسر الشروط التي جعلتها ممكنة.
ماركس: الوعي يولد من شروط العيش
في مقدمة كتابه “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، يقدّم كارل ماركس، الفيلسوف والاقتصادي وناقد الرأسمالية، مفتاحًا حاسمًا: الوعي لا يولد في الفراغ، بل يتشكل داخل شروط الوجود الاجتماعي. الإنسان لا يفكر سياسيًا من خارج حياته المادية. حاجته إلى العمل، والسكن، والحماية، والطبابة، والتعليم، والاعتراف، تدخل في تكوين وعيه ومواقفه. من هنا، لا يمكن فهم الولاء الحزبي في الضاحية كعقيدة صافية فقط، بل يجب ربطه بالفقر، والخوف، وغياب الدولة، والذاكرة الجريحة، والحاجة إلى شبكة تحمي وتخدم وتعوض.
الضاحية، بهذا المعنى، ليست فقط مكانًا تسكنه جماعة معينة، بل نتاج تاريخ طويل من التهميش الطبقي، والنزوح الداخلي، وتركّز الفقراء والعمال والمهاجرين من الأطراف في هامش العاصمة. المدينة في التحليل الماركسي ليست بناءً من حجر وإسمنت، بل علاقة اجتماعية متجسدة في المكان. من يملك القدرة على تنظيم السكن والخدمة والأمن والعمل والرمز، يملك القدرة على إنتاج المدينة نفسها. وحين لم تدخل الدولة اللبنانية إلى الضاحية كدولة رعاية وحقوق، بل حضرت غالبًا بوصفها غيابًا، دخل الحزب بوصفه الدولة العملية، حتى لو لم يكن الدولة القانونية.
من فراغ الدولة إلى ولادة الدويلة
غياب الدولة لم يكن تفصيلًا إداريًا. كان شرطًا بنيويًا لنشوء الدويلة. حين لا تؤمن الدولة المستشفى، يظهر مستشفى الحزب. حين لا تؤمن المدرسة، تظهر مؤسسة الحزب. حين لا تؤمن التعويض، تظهر جمعية الحزب. حين لا تؤمن الحماية، يظهر أمن الحزب. وحين لا تؤمن المعنى الوطني الجامع، تظهر العقيدة الحزبية بوصفها معنى كاملًا. هكذا لا تُبنى التبعية من الخطاب وحده، بل من الحاجة اليومية. يبدأ الولاء من الدواء، والقسط المدرسي، والمساعدة، والواسطة، والتعويض، والحماية، ثم يصعد إلى الراية والشعار والرمز.
غرامشي: الهيمنة حين تصبح الطاعة اقتناعًا
لكن ماركس وحده لا يكفي. هنا نحتاج إلى أنطونيو غرامشي، المفكر الماركسي الإيطالي ومنظّر الهيمنة الثقافية في “دفاتر السجن”. غرامشي يعلّمنا أن السلطة لا تحكم بالقمع فقط، بل بالهيمنة؛ أي بجعل الناس يقبلون تصورًا معينًا للعالم كما لو كان طبيعيًا وبديهيًا وأخلاقيًا. في الضاحية الحزبية، لا يكتفي الحزب بأن يكون صاحب سلاح. إنه ينتج معنى: معنى الشهادة، معنى العدو، معنى الطائفة، معنى الرجولة، معنى الخطر، معنى الحماية، ومعنى الخيانة. وحين تسيطر جهة ما على اللغة والرموز والمناسبات والذاكرة والصور، فهي لا تسيطر على الشارع فقط، بل على المخيلة.
بهذا المعنى، رجل الدين المؤدلج ليس مجرد واعظ، والإعلام الحزبي ليس مجرد قناة، والصورة المعلقة على الجدار ليست مجرد زينة سياسية. كلها أدوات لإنتاج الهيمنة. إنها البنية الفوقية للدويلة: شبكة الرموز والأفكار والخطابات التي تجعل السيطرة تبدو طوعية، وتجعل التبعية تظهر كوفاء، وتجعل الاعتراض يبدو كخيانة للدم والبيئة والمذهب. هنا يصبح المجتمع محكومًا لا فقط بما يخافه، بل بما يعتقد أنه يحبه ويدافع عنه.
لوفيفر: الضاحية كفضاء مُنتَج
أما هنري لوفيفر، الفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي الماركسي، فيساعدنا في كتابيه “إنتاج الفضاء” و“الحق في المدينة” على فهم الضاحية بوصفها فضاءً مُنتَجًا. المدينة عند لوفيفر ليست حيادية؛ إنها تُصنع عبر السلطة والاقتصاد والرمز والممارسة اليومية. هناك فضاء مادي: الشوارع، الأبنية، المربعات الأمنية، المؤسسات، المكاتب، المدارس، المراكز. وهناك فضاء متخيّل: صورة الضاحية في خطاب الحزب، بوصفها قلعة مقاومة وبيئة وفية. وهناك فضاء معيش: حياة الناس اليومية، خوفهم، علاقاتهم، حاجاتهم، صمتهم، تديّنهم، تذمرهم، وتناقضاتهم.
الصراع الحقيقي في الضاحية هو صراع على إنتاج الفضاء. هل الضاحية حيّ مدني مفتوح أم منطقة أمنية؟ هل هي مكان عيش أم مكان تعبئة؟ هل جدرانها ذاكرة اجتماعية أم شاشة دعائية؟ هل ساحاتها ملك الناس أم ملك المناسبات الحزبية؟ هنا يصبح “الحق في المدينة” ليس شعارًا عمرانيًا فقط، بل مطلبًا سياسيًا وأخلاقيًا: حق سكان الضاحية في أن يستعيدوا مدينتهم من الاحتكار، وأن يكونوا مواطنين لا جمهورًا، وسكانًا لا عناصر في سردية عسكرية.
هارفي: المدينة كساحة صراع طبقي
ديفيد هارفي، الجغرافي الماركسي البريطاني وأحد أبرز منظري المدينة الرأسمالية، يضيف بعدًا آخر في “العدالة الاجتماعية والمدينة” و“مدن متمرّدة”. عند هارفي، المدينة هي موقع مركزي للصراع الطبقي. فالسلطة لا تظهر فقط في البرلمان أو الثكنة، بل في توزيع الخدمات، وفي ملكية الأرض، وفي التحكم بالبنى التحتية، وفي قدرة جماعة ما على تحويل الفقر إلى ولاء. الضاحية هنا تكشف مفارقة قاسية: الفقراء الذين يفترض أن يكونوا قاعدة احتجاج اجتماعي ضد النظام الطائفي والاقتصادي، يُعاد تنظيمهم داخل جهاز طائفي ـ حزبي يحوّل غضبهم من سؤال العدالة الاجتماعية إلى سؤال الهوية والخطر والعدو الخارجي.
بدل أن يسأل الفقير: من نهب الدولة؟ من حوّلني إلى محتاج؟ من جعل السكن والطبابة والتعليم امتيازات؟ يجد نفسه مدفوعًا إلى سؤال آخر: من يحميني من الآخر؟ هذه هي الوظيفة السياسية للطائفية في مجتمع طبقي: إنها تعيد توجيه الصراع. بدل صراع بين المحرومين ومنظومة النهب، يصبح الصراع بين جماعات خائفة. وبدل أن يرى العامل والفقير والمهمش مصالحه المشتركة مع فقراء آخرين من طوائف مختلفة، يُعاد حبسه داخل جماعة مذهبية تُقنعه بأن خلاصه لا يكون بالدولة العادلة، بل بالزعيم المسلح. هكذا تتحول الطائفة إلى بديل عن الطبقة، ويتحول الحزب إلى ربّ عمل رمزي ومادي، وتتحول المدينة إلى آلة لإعادة إنتاج الولاء.
كاستلز: الخدمات اليومية كأداة سلطة
مانويل كاستلز، عالم الاجتماع الإسباني وصاحب “المسألة الحضرية: مقاربة ماركسية”، يفيدنا بمفهوم “الاستهلاك الجمعي”: السكن، النقل، التعليم، الصحة، الخدمات، والأمن اليومي. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل أساس السياسة الحضرية. من يملك القدرة على تنظيم هذه الحاجات أو تأمينها أو احتكار الوصول إليها، يمتلك نفوذًا سياسيًا عميقًا. حين تفشل الدولة في إدارة الاستهلاك الجمعي، تفتح الباب أمام قوى غير دولية كي تؤدي هذا الدور. الحزب لا يسيطر فقط لأنه يمتلك خطابًا أيديولوجيًا، بل لأنه يدخل إلى تفاصيل الحياة اليومية: المستشفى، المدرسة، المساعدة الاجتماعية، التعويض، الرعاية، شبكة العلاقات، وحتى الإحساس بالأمان. السيطرة تبدأ من الحاجة الصغيرة قبل الشعار الكبير.
مايك ديفيس: الهامش الحضري وسلطات الفراغ
ومن زاوية مايك ديفيس، المؤرخ والناقد الحضري الماركسي، خصوصًا في “كوكب العشوائيات”، يمكن النظر إلى الضاحية كجزء من تاريخ أوسع للهوامش الحضرية في الجنوب العالمي: مدن تكبر أسرع من قدرة الدولة على إدارتها، وأحياء فقيرة تصبح مختبرًا لسلطات غير رسمية، حيث تتجاور العشوائية العمرانية مع التنظيم السياسي الصارم. في هذه الهوامش، لا تعيش السلطة دائمًا في مؤسسات الدولة، بل في الشبكات: شبكة الحزب، شبكة العائلة، شبكة المسجد، شبكة الجمعية، شبكة الأمن، شبكة التمويل. وكلما ازدادت الهشاشة، ازدادت الحاجة إلى هذه الشبكات.
لكن يجب الحذر هنا من اختزال الضاحية في الفقر وحده. فالضاحية ليست مجرد “حي فقير”، ولا مجرد “قاعدة حزبية”. إنها تركيب أعقد: طبقات صاعدة، فئات وسطى، تجار، متعلمون، جامعات، أسواق، مؤسسات، وناس يريدون حياة طبيعية. لذلك يظهر الانفصام: وجه مدني يريد المدينة، ووجه حزبي يريد الثكنة؛ وجه اجتماعي يريد الاعتراف، ووجه أيديولوجي يريد التعبئة؛ وجه يومي يعيش الحب والعمل والدراسة والقلق، ووجه سياسي يحوّل كل شيء إلى ولاء ومواجهة.
بورديو: السلطة الرمزية وقاموس الطاعة
بيار بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي ومنظّر الرأسمال الرمزي، يساعدنا في فهم كيف تعمل السلطة داخل اللغة والتصنيف. السلطة لا تعمل فقط عبر المال أو العنف، بل عبر إنتاج الشرعية والتمييز بين ما هو مقبول وما هو مدان. في الضاحية الحزبية، تُصنع قواميس كاملة للتصنيف: شريف وخائن، مقاوم وعميل، واعٍ ومضلل، ابن بيئة وغريب عنها. هذه التصنيفات ليست بريئة؛ إنها تنتج خضوعًا رمزيًا، وتجعل الناس يراقبون أنفسهم قبل أن يراقبهم الجهاز. هنا لا يكون العنف ماديًا فقط، بل رمزيًا أيضًا؛ عنفًا يحدد للإنسان كيف يتكلم، وماذا يخاف، ومن يمدح، ومن يتجنب، وأين يقف.
فاكان: ضد وصم الضاحية وأهلها
ويفيد لويك فاكان، عالم الاجتماع الفرنسي المتخصص في التهميش الحضري والوصم المناطقي، في تنبيهنا إلى خطر تحويل الحي المهمش كله إلى تهمة. فالضاحية لا يجوز أن تُختزل في حزبها، لأن وصم السكان يعزز انغلاقهم داخل القوة التي تدّعي حمايتهم. حين يُقال لأهل منطقة كاملة إنهم كتلة واحدة، أو إنهم مجرد امتداد لتنظيم، فإن ذلك لا يضعف الحزب بالضرورة، بل قد يقويه، لأنه يمنحه فرصة ليقول لسكانه: انظروا، لا أحد يحميكم غيرنا. لذلك يجب أن يكون النقد موجّهًا إلى المنظومة التي تحتكر المكان، لا إلى الناس الذين يعيشون داخله.
جين جاكوبس: المدينة الحية في مواجهة المدينة المضبوطة
ومن خارج التقليد الماركسي المباشر، تساعدنا جين جاكوبس، ناقدة التخطيط السلطوي وصاحبة “موت وحياة المدن الأميركية الكبرى”، على التمييز بين المدينة الحية والمدينة المضبوطة. المدينة الحية تُبنى من تنوع الشارع، واختلاط الناس، وحيوية الاستخدام اليومي، وعيون السكان الطبيعية على فضائهم العام. أما المدينة المضبوطة فتُدار من فوق، وتتحول شوارعها من فضاء اجتماعي إلى فضاء مراقبة ورمز وتعبئة. بهذا المعنى، الضاحية المدنية هي شارع حيّ ومتنوع، أما الضاحية الحزبية فهي شارع مراقَب ومؤدلج ومُعاد تنظيمه وفق منطق السلطة.
لقمان سليم وهاني فحص: إمكان شيعي خارج الاحتكار
هنا يمكن فهم رمزية لقمان سليم والسيد هاني فحص. كلاهما، بطريقته، يمثل إمكانًا شيعيًا خارج الاحتكار. لقمان سليم يمثل المثقف الذي يرفض أن تكون البيئة قدرًا مغلقًا، ويصر على حق الفرد في نقد الجماعة التي خرج منها. أما السيد هاني فحص فيمثل رجل الدين الذي لا يرى في الإيمان أداة تعبئة، بل مساحة أخلاق وحوار وانفتاح. في التحليل الغرامشي، هما نموذجان لمثقف عضوي مضاد: لا يخدمان هيمنة الحزب، بل يكشفان إمكانية وعي آخر داخل البيئة نفسها.
الصراع الحقيقي: إنتاج الإنسان لا إدارة الشارع فقط
المسألة إذن ليست صراعًا بين الدين والحداثة فقط، ولا بين حزب ومعارضيه فقط. إنها صراع على إنتاج الإنسان. الحزب، حين ينجح في تحويل الحاجة إلى ولاء، والخوف إلى طاعة، والذاكرة إلى أيديولوجيا، يكون قد أنتج ذاتًا سياسية جديدة: ذاتًا ترى العالم من خلال قاموسه. أما الضاحية المدنية فتدافع عن ذات أخرى: فرد قادر على السؤال، مؤمن أو غير مؤمن، شيعي أو لبناني أو عربي أو إنساني، لكنه لا يقبل أن يكون مجرد امتداد لجهاز.
المقارنة بين الوجهين تكشف الصراع الحقيقي داخل الضاحية: ليس صراعًا بين شيعة وغير شيعة، ولا بين دين وعلمانية، ولا بين مقاومة وخيانة. إنه صراع بين مجتمع يريد أن يتنفس ومنظومة تريد أن تحتكره. الوجه المدني يؤمن بأن الشيعي يستطيع أن يكون لبنانيًا كاملًا، عربيًا منفتحًا، مؤمنًا أو غير مؤمن، مقاومًا للاحتلال ومعارضًا لهيمنة السلاح في الوقت نفسه. أما الوجه الحزبي فيريد تعريفًا واحدًا للهوية: أن تكون شيعيًا يعني أن تكون في الخط، وأن تكون في الخط يعني أن تقبل السلاح فوق الدولة، والخطاب فوق العقل، والجماعة فوق الفرد.
الدولة والدويلة: سؤال الحماية والحرية
الضاحية المدنية تسأل: كيف نبني دولة تحمينا جميعًا؟ الضاحية الحزبية تجيب: الدولة لا تكفي، الحزب يحميكم. الضاحية المدنية تقول: الحماية بلا حرية تتحول إلى سجن. الضاحية الحزبية تقول: الحرية بلا ولاء خطر. الضاحية المدنية تريد قانونًا واحدًا على الجميع. الضاحية الحزبية تفضّل الاستثناء الدائم: استثناء أمني، استثناء عسكري، استثناء ديني، استثناء سياسي. ومن رحم هذه الاستثناءات تنشأ الدويلة: لا تُعلن نفسها كبديل رسمي عن الدولة، لكنها تعمل كسلطة موازية، لها أمنها، خطابها، تمويلها، مؤسساتها، إعلامها، شهداؤها، محاكمها المعنوية، وحدودها النفسية.
ومع ذلك، لا يجوز أن ننسى أن الضاحية ليست الجلاد وحده، بل الضحية أيضًا. هي دفعت ثمن الحروب، والقصف، والفقر، والإهمال الرسمي، والوصم الطائفي. كثيرون فيها لم يختاروا هذا المصير؛ وُلدوا داخل جغرافيا مشحونة، ووجدوا أمامهم دولة غائبة وحزبًا حاضرًا. حين تغيب الدولة عن المدرسة والمستشفى والعمل والأمن، يدخل الحزب من الباب الواسع. وحين يصبح الحزب ربّ العمل، وربّ الحماية، وربّ المعنى، يصبح التحرر منه عملية اجتماعية معقدة، لا مجرد موقف سياسي على وسائل التواصل.
نقد مزدوج: ضد الدولة التي تخلّت وضد الحزب الذي صادر
لهذا، لا يمكن تحرير الضاحية بخطاب الشتيمة أو التحقير. التحقير يعيد الناس إلى حضن القوة التي تدّعي حمايتهم. التحرير يبدأ بفهم الشروط التي جعلت السيطرة ممكنة: الفقر، الخوف، غياب الدولة، الطائفية، انعدام العدالة، الذاكرة الجريحة، والحروب المتكررة. أي نقد لا يرى هذه الشروط يتحول إلى نقد أخلاقي سطحي. وأي نقد يراها لكنه يبرر الدويلة يسقط في الرومانسية الشعبوية. المطلوب هو نقد مزدوج: نقد الدولة التي تخلّت، ونقد الحزب الذي ملأ الفراغ ليحوّله إلى ملكية سياسية.
إن استعادة الضاحية تبدأ من استعادة اللغة. يجب أن نستبدل لغة التخوين بلغة المواطنة، ولغة القداسة السياسية بلغة المحاسبة، ولغة “البيئة” بلغة الأفراد، ولغة “الخط” بلغة الحق. الضاحية ليست ملكًا لحزب، ولا لسلاح، ولا لمحور. هي ملك لأهلها أولًا، وللبنان ثانيًا، ولحق الناس في حياة طبيعية لا تُختزل بالحرب والولاء والخوف.
الضاحية كمرآة للبنان كله
في النهاية، الضاحية الجنوبية ليست فقط مكانًا منقسمًا بين مدنية وحزبية. إنها مرآة للبنان كله: لبنان الذي فشل في بناء دولة اجتماعية عادلة، فترك فقراءه للطوائف؛ لبنان الذي حوّل الحرمان إلى زعامة، والخوف إلى سلاح، والمذهب إلى مؤسسة خدمات، والمدينة إلى ساحة ولاء. لذلك فإن السؤال عن الضاحية ليس سؤالًا عن حزب الله وحده، بل عن النظام الذي سمح لحزب الله أن يصبح دولة داخل اللادولة.
الخلاصة السياسية ـ الاجتماعية
والخلاصة السياسية ـ الاجتماعية الأوضح هي هذه: الضاحية لا يجب أن تُقرأ بعين إسرائيل التي تراها هدفًا، ولا بعين إيران التي تراها ذراعًا، ولا بعين الحزب الذي يريدها بيئة طاعة. يجب أن تُقرأ بعين أهلها الذين يريدون النجاة والكرامة والدولة والحياة. لا تنشأ الدويلة من العقيدة وحدها، بل من علاقة مادية بين الحاجة والسلطة. ولا تستمر الهيمنة بالسلاح وحده، بل بإنتاج الوعي الذي يجعل السلاح يبدو حماية، والتبعية تبدو وفاء، والصمت يبدو حكمة.
أما نصرة الضاحية، فليست في تحويلها إلى شعار في محور، ولا إلى هدف في بنك نيران، بل في تحرير معناها من الاثنين معًا. نصرتها أن نقول لإسرائيل: المدنيون ليسوا امتدادًا عسكريًا لحزب. وأن نقول لإيران: لبنان ليس ساحة احتياط لمشروعك. وأن نقول لحزب الله: لا يحق لك أن تختطف مدينة باسم حمايتها. وأن نقول للدولة اللبنانية: عودي إلى ناسك، لأن كل فراغ تتركينه يتحول إلى راية، وكل خدمة تهملينها تتحول إلى ولاء، وكل حيّ تنسينه يصبح قابلًا لأن تصادره دويلة.
الضاحية الجنوبية، في أعمق معانيها، ليست ثكنة ولا أسطورة حزبية. إنها مدينة مخطوفة بين فوهة إسرائيل ووصاية إيران، بين حقها في الحياة ودويلتها التي تنتج الطاعة. ومعركة استعادتها ليست معركة ضد أهلها، بل معركة من أجلهم: من أجل أن يكونوا أكثر من جمهور، وأكثر من بيئة، وأكثر من عنوان أمني؛ من أجل أن يعودوا سكانًا في مدينة، لا رعايا في جهاز، ولا رهائن في حرب الآخرين.



