السبت, يونيو 13, 2026
20.8 C
Beirut

اتفاق النار أم اتفاق الظل؟ كيف قرأت صحف لبنان وإسرائيل وإيران وأميركا وقف النار… وهل قال حزب الله نعم من دون أن يقولها؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن اتفاق وقف النار اللبناني – الإسرائيلي، كما ظهر في الصحافة اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية والأميركية، مجرد خبر دبلوماسي عابر. هو اتفاق مكتوب بلغة وقف النار، لكنه محمّل بمعركة سياسية وأمنية أوسع بكثير من عبارة “وقف إطلاق النار”. فالنص الظاهر يتحدث عن وقف الأعمال العسكرية، إخلاء عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، إنشاء مناطق تجريبية يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، والعودة إلى المفاوضات في وقت لاحق. أما المعنى العميق، كما قرأته الصحف، فهو سؤال واحد: من يربح معنى الاتفاق؟ الدولة اللبنانية؟ إسرائيل؟ حزب الله؟ إيران؟ أم واشنطن؟

من هنا، لم تتعامل الصحف مع الاتفاق كوثيقة واحدة، بل كمرآة لانقسام سياسي وإقليمي عميق. الصحف اللبنانية غير المحسوبة على الممانعة رأته فرصة صعبة لإعادة الدولة إلى الجنوب. صحف ومحطات الممانعة رأته محاولة أميركية – إسرائيلية لفرض شروط على المقاومة. الصحافة الإسرائيلية قرأته كإنجاز أمني لأنه يضع حزب الله أمام شرط الانسحاب من جنوب الليطاني. الصحافة الإيرانية قرأته كمحاولة لفصل لبنان عن إيران وكبح حزب الله. أما الصحافة الأميركية فتعاملت معه كنجاح دبلوماسي أولي لإدارة ترامب، لكنه هش لأن حزب الله لم يكن طرفاً مباشراً في التوقيع.

أولاً: أبرز نقاط الاتفاق

الاتفاق الذي صدر بعد مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، لم يقدَّم بوصفه اتفاق سلام أو نهاية نهائية للحرب، بل بوصفه إطاراً لتنفيذ وقف إطلاق النار. أبرز ما ورد في التغطيات أن لبنان وإسرائيل وافقا على تنفيذ وقف النار، على أن يكون ذلك مشروطاً بوقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله، وبإخلاء عناصره من قطاع جنوب الليطاني.

النقطة الثانية في الاتفاق هي إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية. هذه العبارة هي الأكثر حساسية في الاتفاق، لأنها تنقل النقاش من وقف النار بمعناه العسكري المباشر إلى سؤال السيادة والسيطرة الأمنية. فالمطلوب، بحسب النص المتداول، ألا تكون في هذه المناطق أي قوة مسلحة غير رسمية، وأن يكون الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن.

النقطة الثالثة أن الاتفاق لا ينهي المسار التفاوضي، بل يفتح جولة جديدة. فقد جرى الحديث عن استئناف المفاوضات السياسية والأمنية في الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران/يونيو، بهدف الوصول إلى اتفاق أوسع وأشمل. وهذا يعني أن الاتفاق الحالي هو اتفاق مرحلي، أو إطار اختبار، لا تسوية نهائية.

النقطة الرابعة أن الاتفاق يربط وقف النار بسلوك حزب الله، رغم أن حزب الله لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات. هذه هي العقدة الأبرز. فلبنان الرسمي يوافق، وإسرائيل توافق، وواشنطن ترعى، لكن الطرف المطلوب منه عملياً وقف النار والانسحاب من جنوب الليطاني هو حزب الله. لذلك فإن السؤال المركزي هو: هل حصلت موافقة حزب الله بشكل غير مباشر؟ وهل أعطت إيران غطاءً لهذا المسار؟ أم أن الاتفاق صدر على أمل أن يُفرض لاحقاً على الحزب بالضغط السياسي والعسكري؟

ثانياً: تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ومعادلة “الشمال مقابل الضاحية”

في قلب التغطية برز تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي شدد على أن إسرائيل ستهاجم الضاحية الجنوبية لبيروت إذا لم يلتزم حزب الله بوقف النار. وقال كاتس إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبنى المعادلة الإسرائيلية القائلة إن قصف المستوطنات يعني قصف بيروت.

هذا التصريح مهم لأنه يشرح كيف تفهم إسرائيل الاتفاق. إسرائيل لا تقرأه فقط كوقف نار، بل كمعادلة ردع جديدة. فالمطلوب من حزب الله، في القراءة الإسرائيلية، أن يتوقف عن ضرب شمال إسرائيل، وأن ينسحب من جنوب الليطاني، وأن يترك الجيش اللبناني يتولى السيطرة. وفي المقابل، تهدد إسرائيل بأن أي عودة إلى ضرب الشمال ستعني ضرب بيروت أو الضاحية.

هنا يظهر أن الاتفاق لا يلغي منطق الحرب، بل يحاول إعادة تنظيمه. فإسرائيل تقول إنها مستعدة لوقف النار، لكنها لا تسقط حقها في ضرب بيروت والضاحية إذا تعرض شمالها للقصف. وهذا يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة تحت التهديد، لا إلى وقف نار مستقر ومكتمل.

ثالثاً: الصحف اللبنانية غير المحسوبة على الممانعة

تعاملت الصحف اللبنانية غير المحسوبة على محور الممانعة مع الاتفاق باعتباره تطوراً جدياً، لكنها لم تتعامل معه بالدرجة نفسها من التفاؤل.

جريدة “اللواء” كانت الأكثر حذراً في هذه المجموعة. عنوانها عن “تقدم لا تقدم” يلخص مزاجها. فهي ترى أن هناك مساراً تفاوضياً وخطة عمل أميركية، لكنها لا تعتبر أن الاتفاق أنجز وقفاً حقيقياً للحرب. جو “اللواء” يقول إن لبنان يتمسك بوقف نار شامل، لا بوقف جزئي أو مشروط يسمح لإسرائيل بأن تستمر في ضرب الجنوب أو تبقي قواتها في مناطق لبنانية. لذلك تعطي الصحيفة أهمية لمسألة الضمانات: هل ستنسحب إسرائيل؟ هل ستوقف غاراتها؟ وهل يمكن للجيش اللبناني أن يتسلم مناطق جنوبية من دون أن يتحول الأمر إلى أزمة داخلية؟

“النهار” تعاملت مع الاتفاق كخبر سياسي أساسي، لكنها ربطته فوراً بسؤال التنفيذ. في قراءتها، الاتفاق موجود، لكنه مشروط ومعرض للاهتزاز. لذلك لم تقدمه كإنجاز نهائي، بل كمرحلة اختبار. فهي تركز على إبعاد عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، وعلى دور الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، لكنها في الوقت نفسه تراقب الخروقات والغارات والتصريحات المتناقضة. جو “النهار” هو الواقعية القلقة: الاتفاق مهم، لكن قيمته لا تظهر في البيان، بل في الميدان.

“الجمهورية” بدت أكثر ميلاً إلى قراءة الاتفاق كمدخل لترتيبات أمنية جديدة. فهي ترى أن وقف النار لم يعد منفصلاً عن مسألة حصر السلاح وانتشار الجيش اللبناني. لذلك تتعامل مع “المناطق التجريبية” باعتبارها بداية اختبار لقدرة الدولة على فرض حضورها في الجنوب. لكن هذه القراءة التفاؤلية نسبياً لا تخفي أن المسألة شديدة الحساسية، لأن أي بحث في جنوب الليطاني يعني عملياً الاقتراب من موقع حزب الله العسكري والأمني.

“نداء الوطن” كانت الأوضح سياسياً. فهي قرأت الاتفاق كمسار لإعادة القرار الأمني إلى الدولة، وكفرصة لتفكيك الدور العسكري المستقل لحزب الله. بالنسبة إلى “نداء الوطن”، قيمة الاتفاق أنه يضع الجيش اللبناني في الواجهة، ويجعل الدولة مسؤولة عن الأمن جنوب الليطاني. لكنها تدرك أيضاً أن هذا المسار ليس سهلاً، لأن نجاحه يتوقف على قبول حزب الله، وعلى عدم استخدام إسرائيل الاتفاق لفرض شروط من دون انسحاب حقيقي.

الجو العام لهذه المجموعة أن الاتفاق فرصة، لكنه فرصة خطرة. “اللواء” حذرة، “النهار” متريثة، “الجمهورية” ترى فيه بداية ترتيبات أمنية، و“نداء الوطن” تعتبره اختباراً لاستعادة الدولة. القاسم المشترك بينها هو أن الاتفاق قد يكون لصالح لبنان إذا أدى إلى وقف شامل للنار، انسحاب إسرائيلي، وانتشار فعلي للجيش، لكنه قد يتحول إلى مأزق إذا بقي مشروطاً فقط بتراجع حزب الله من دون ضمانات مقابلة.

رابعاً: صحف ومحطات الممانعة في لبنان

في المقابل، تعاملت صحف ومحطات الممانعة مع الاتفاق من زاوية معاكسة. لم تره كفرصة للدولة بقدر ما رأته محاولة أميركية – إسرائيلية لفرض شروط على المقاومة.

“الأخبار” كانت الأكثر حدة. قراءتها أن السلطة اللبنانية ذهبت في واشنطن إلى ما يشبه الاستسلام السياسي، لأنها قبلت، وفق منطق الصحيفة، بمسار يربط وقف النار بتنازلات من حزب الله قبل ضمان وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي. بالنسبة إلى “الأخبار”، المشكلة ليست في وقف النار بحد ذاته، بل في ترتيب الخطوات: لماذا يُطلب من المقاومة أن تنسحب أو تخفف وجودها جنوب الليطاني قبل أن تنسحب إسرائيل بوضوح؟ ولماذا يُفصل لبنان عن المعادلة الإيرانية الأوسع؟ لذلك تقدم “الأخبار” الاتفاق كفخ سياسي، لا كإنجاز.

“المنار” ركزت أكثر على الميدان. لم تمنح الاتفاق زخماً إيجابياً، بل أبرزت استمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب. رسالتها واضحة: لا يمكن الحديث عن وقف نار بينما إسرائيل تواصل القصف. لذلك كان جو “المنار” أن المطلوب أولاً وقف العدوان والانسحاب، لا تحميل المقاومة وحدها شروط الاتفاق. وهذا الخطاب يخاطب جمهور حزب الله مباشرة: المقاومة لا ترفض وقف النار، لكنها ترفض وقفاً يقيّدها بينما تبقى إسرائيل تضرب.

“الميادين” صاغت الخبر بعنوان يكشف موقفها: البيان الأميركي يربط وقف النار بإخلاء المقاومة من جنوب الليطاني. استخدام كلمة “المقاومة” بدل “حزب الله” أو “جهات مسلحة” ليس تفصيلاً لغوياً، بل موقف سياسي. فالميادين ترى أن الاتفاق يستهدف المقاومة كمفهوم ودور، لا مجرد انتشار عسكري لحزب معين. كما ربطت الاتفاق بمحاولة أميركية لفصل لبنان عن إيران وبقية الجبهات، وهو ما تعتبره جزءاً من مشروع أوسع لتفكيك قوة المحور.

“العهد”، الأقرب إلى حزب الله، أبرز موقفاً واضحاً: وقف شامل للحرب وانسحاب الاحتلال أولاً. في جو “العهد”، المقاومة لا تظهر كطرف مهزوم ينتظر تنفيذ شروط واشنطن وتل أبيب، بل كطرف ما زال في الميدان ويملك القدرة على التعطيل والقبول المشروط. لذلك يركز الموقع على أن أي اتفاق يجب ألا يتحول إلى أداة لسحب المقاومة من الجنوب من دون ثمن سياسي وأمني واضح من إسرائيل.

الجو العام في إعلام الممانعة أن الاتفاق ليس مرفوضاً لأنه يوقف النار، بل لأنه، في قراءتهم، يجعل وقف النار مشروطاً بإضعاف حزب الله. لذلك يطرحون معادلة معاكسة: وقف شامل، انسحاب إسرائيلي، وقف الخروقات، ثم البحث في أي ترتيبات داخلية لبنانية.

خامساً: الصحافة الإسرائيلية

الصحافة الإسرائيلية قرأت الاتفاق كإنجاز أمني مشروط. في “Jerusalem Post”، ظهر الاتفاق من زاوية أن لبنان وإسرائيل وافقا على وقف النار بشرط وقف نيران حزب الله وإخلاء جنوب الليطاني. تركيز الصحيفة كان على أن واشنطن نجحت في إدخال مطلب إسرائيل الأمني الأساسي إلى نص الاتفاق: حزب الله يجب أن يبتعد عن الجنوب، والجيش اللبناني يجب أن يتولى السيطرة.

“Ynet” تعاملت مع الاتفاق باعتباره تجديداً لوقف نار هش. هذه الصياغة تكشف قدراً من الحذر الإسرائيلي. فإسرائيل لا ترى أن المشكلة انتهت، لكنها ترى أن الاتفاق يضع إطاراً جديداً: وقف النار مقابل إبعاد حزب الله، إنشاء مناطق أمنية تجريبية، ومنع إيران أو أي جهة غير لبنانية من التحكم بمستقبل لبنان. جو “Ynet” أن الاتفاق خطوة مهمة، لكنه قابل للسقوط إذا لم يلتزم حزب الله.

“i24NEWS” كانت أكثر مباشرة في التعبير عن القراءة الإسرائيلية. فقد قدّمت الاتفاق كخطة لدفع حزب الله شمال الليطاني. هذا هو جوهر الرؤية الإسرائيلية: الاتفاق ليس فقط وقف نار، بل إعادة رسم منطقة الأمن في جنوب لبنان. الجيش اللبناني، في هذا التصور، يجب أن يحل مكان حزب الله في مناطق محددة، وأن يصبح وجود الحزب جنوب الليطاني غير مقبول.

تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي أضافت إلى هذه القراءة بعداً تهديدياً. فإسرائيل لا تقول فقط إنها تريد تنفيذ الاتفاق، بل تقول إن الضاحية ستكون هدفاً إذا استمر استهداف الشمال. وهكذا تجمع القراءة الإسرائيلية بين الدبلوماسية والتهديد: الاتفاق مقبول لأنه يخدم هدفاً أمنياً، والرد العسكري سيبقى قائماً إذا لم يتحقق هذا الهدف.

الجو العام في الصحافة الإسرائيلية أن الاتفاق مكسب لإسرائيل لأنه نقل النقاش من وقف النار فقط إلى مستقبل حزب الله جنوب الليطاني. لذلك فإن نجاح الاتفاق، في القراءة الإسرائيلية، لا يقاس فقط بتوقف الصواريخ، بل بمدى ابتعاد حزب الله عن الحدود وبقدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ.

سادساً: الصحافة الأميركية

تعاملت الصحافة الأميركية مع الاتفاق من زاوية مختلفة. فهي لم تغرق في الانقسام اللبناني الداخلي، ولم تقدمه فقط كنجاح إسرائيلي أو كمؤامرة على حزب الله، بل ركزت على دور واشنطن، هشاشة التنفيذ، وعلاقة الملف اللبناني بالتفاوض الأوسع مع إيران.

“Reuters” قدمت التغطية الأكثر توازناً. قالت إن لبنان وإسرائيل اتفقا على تنفيذ وقف النار بعد مفاوضات أميركية، وإن الاتفاق مشروط بوقف حزب الله إطلاق النار وانسحابه من جنوب الليطاني، وبأن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على مناطق محددة. لكنها في الوقت نفسه شددت على أن العنف استمر رغم تفاهمات سابقة، وأن التنفيذ هو العقدة الحقيقية. جو “Reuters” أن الاتفاق مهم، لكنه هش.

“Axios” ركزت على الدور الشخصي للرئيس ترامب. في قراءتها، واشنطن لم تكتف برعاية المحادثات، بل تدخلت لمنع ضربة إسرائيلية واسعة على بيروت بعد تصعيد حزب الله. كما أبرزت أن الاتفاق مشروط بقبول حزب الله، وهو أمر غير مضمون. لذلك جو “Axios” أن واشنطن حققت اختراقاً دبلوماسياً ومنعت انفجاراً كبيراً، لكنها لا تملك بعد ضمانة نهائية لأن الطرف المسلح الأساسي لم يكن حاضراً على الطاولة.

“New York Post” تعاملت مع الاتفاق كإنجاز سياسي لإدارة ترامب. ركزت على أن الإدارة توسطت في وقف النار، وعلى أن حزب الله لم يشارك في المحادثات لكنه هو المطالب بالتنفيذ. في هذه القراءة، يظهر الاتفاق كنجاح أميركي لأنه فرض إطاراً يجعل الدولة اللبنانية وإسرائيل في موقع التفاوض، ويضع حزب الله أمام ضغط الالتزام.

“ABC News” و“PBS” قدمتا صورة أبسط للقارئ الأميركي: هناك دولة لبنانية تفاوض، وهناك حزب الله كقوة مسلحة خارج الدولة، وهناك إسرائيل تريد ضمانات أمنية، وهناك إيران تجعل الملف اللبناني جزءاً من صراع أوسع. لذلك تركز هذه التغطيات على أن الاتفاق هش لأنه يحاول معالجة ملف لا يتحكم به الموقعون وحدهم.

الجو العام في الصحافة الأميركية أن الاتفاق نجاح أولي لواشنطن، لكنه غير مكتمل. واشنطن استطاعت إنتاج بيان ومنع تصعيد كبير، وربما فتحت باباً لتفاهم أوسع مع إيران، لكنها لم تحل العقدة الأساسية: هل يقبل حزب الله، علناً أو ضمناً، بشروط الاتفاق؟ وهل تضغط إيران باتجاه التنفيذ أم تستخدم لبنان كورقة تفاوض؟

سابعاً: الصحافة الإيرانية

الصحافة الإيرانية تعاملت مع الاتفاق كجزء من معركة أوسع مع واشنطن وتل أبيب. بالنسبة إليها، لبنان ليس ملفاً منفصلاً، بل جزء من التفاوض والاشتباك الإقليمي.

“تسنيم”، القريبة من الحرس الثوري، قرأت الاتفاق كاستخفاف أميركي بالحكومة اللبنانية ومحاولة لفرض شروط على حزب الله. في هذه القراءة، واشنطن تريد وقف عمليات المقاومة وقبول الأمر الواقع الإسرائيلي، بينما تبقى مسألة الانسحاب الإسرائيلي معلقة أو مؤجلة. لذلك تشدد تسنيم على أن حزب الله لن يقبل ترتيبات تتعلق بسلاحه أو انتشاره قبل وقف شامل للعدوان وانسحاب واضح.

“Press TV” ركزت على أن لبنان جزء من معادلة وقف النار الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. في خطابها، لا يمكن لإيران أن تقبل تهدئة إقليمية إذا استمرت إسرائيل في ضرب لبنان أو فرض شروط على حزب الله. لذلك تعتبر القناة أن أي اتفاق لا يشمل وقفاً شاملاً للهجمات الإسرائيلية يبقى ناقصاً.

“Tehran Times” ذهبت في اتجاه مشابه، إذ أبرزت أن وقف النار بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن أن يكون منفصلاً عن لبنان. فخرق الجبهة اللبنانية، في القراءة الإيرانية، هو خرق للتهدئة الأوسع. وهذا يضع واشنطن أمام معضلة: هي تريد فصل لبنان عن إيران، بينما إيران تريد ربط لبنان بأي اتفاق إقليمي.

“كيهان” قدمت القراءة الأكثر تشدداً. فهي ترى أن إيران والمقاومة نجحتا في رفع كلفة أي هجوم إسرائيلي واسع على بيروت، وأن إسرائيل لا تتراجع إلا تحت الضغط. لذلك لا تقرأ الاتفاق كنجاح دبلوماسي أميركي، بل كاختبار لقوة الردع الإيرانية وقوة حزب الله.

الجو العام في الصحافة الإيرانية أن الاتفاق مقبول فقط إذا بدأ بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي. أما إذا كان معناه إبعاد حزب الله عن جنوب الليطاني قبل انسحاب إسرائيل، فهو في نظرها محاولة لضرب المقاومة تحت غطاء دبلوماسي.

ثامناً: هل وقّع حزب الله، وبالتالي إيران، اتفاقاً غير معلن؟

السؤال الأكثر حساسية بعد صدور الاتفاق هو: هل يمكن أن يكون حزب الله، ومعه إيران، قد أعطيا موافقة غير معلنة على هذا المسار؟ الجواب الأدق أن لا دليل علنياً على وجود توقيع سري أو اتفاق مكتوب بين حزب الله وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة حول لبنان. لكن في المقابل، توجد مؤشرات قوية إلى تفاهم غير معلن، أو قبول ضمني مشروط، جرى تمريره عبر الوسطاء.

المؤشر الأول أن حزب الله لم يكن طرفاً مباشراً في مفاوضات واشنطن، ومع ذلك صدر اتفاق يتضمن التزامات تتعلق به مباشرة. لا يمكن لواشنطن وإسرائيل ولبنان أن يعلنوا اتفاقاً يتطلب وقف نار من حزب الله وإخلاء جنوب الليطاني من دون أن يكون لديهم تقدير، أو رسالة، أو قناة غير مباشرة، تقول إن الحزب قد لا ينسف الاتفاق فوراً. هذا لا يعني أن الحزب وافق رسمياً، لكنه يعني أن واشنطن على الأقل حصلت على إشارة ما بأن هناك هامشاً للتنفيذ أو الاختبار.

المؤشر الثاني هو دور نبيه بري. بري هو القناة اللبنانية الأكثر قدرة على نقل رسائل بين الدولة وحزب الله وواشنطن من دون أن يظهر الحزب طرفاً مباشراً. إذا كانت هناك موافقة ضمنية، فالأرجح أنها لم تأتِ على شكل توقيع أو بيان من حزب الله، بل عبر صيغة ينقلها بري أو دائرته: الحزب مستعد لوقف شامل إذا التزمت إسرائيل بوقف شامل، وإذا كان هناك مسار واضح للانسحاب، وإذا لم يظهر الأمر كاستسلام لشروط إسرائيلية.

المؤشر الثالث أن إيران تربط لبنان علناً بأي تفاهم أوسع. إذا كانت واشنطن تعمل على مسار تهدئة مع إيران، فمن الصعب أن يكون لبنان خارج هذا المسار. لكن إيران لا تريد أن تظهر كمن وافق على سحب حزب الله من الجنوب. لذلك قد تكون الصيغة غير المعلنة أقرب إلى تفاهم رمادي: إيران لا تعلن الموافقة، حزب الله لا يعلن الانسحاب، لكن العمليات تخف، والجيش اللبناني يبدأ اختبار مناطق محددة، وإسرائيل توقف الضربات الكبرى على بيروت والضاحية.

المؤشر الرابع هو أن الاتفاق نفسه يحمل لغة تسمح لكل طرف ببيعه لجمهوره. واشنطن تقول إنها أعادت الدولة اللبنانية إلى الواجهة. إسرائيل تقول إنها فرضت إبعاد حزب الله عن جنوب الليطاني. الدولة اللبنانية تقول إنها تسعى إلى وقف الحرب وبسط سلطة الجيش. حزب الله يستطيع أن يقول إنه لم يوقّع ولم يتنازل، وأن أي خطوة ميدانية مشروطة بوقف العدوان والانسحاب. إيران تستطيع أن تقول إنها لم تفصل لبنان عن المعادلة الإقليمية. هذه اللغة المزدوجة هي غالباً علامة تفاهم غير معلن، لا اتفاق صريح.

ما قد يكون التفاهم الحقيقي؟ الاحتمال الأقرب أنه ليس اتفاقاً نهائياً، بل تفاهم اختبار يقوم على الآتي: حزب الله يخفف أو يوقف الهجمات العابرة للحدود، إسرائيل تمتنع عن ضرب بيروت والضاحية، الجيش اللبناني يدخل إلى مناطق تجريبية محددة، ولا يعلن أي طرف أنه تنازل. في هذه الصيغة، لا يظهر حزب الله كمن انسحب تحت الضغط، ولا تظهر إسرائيل كمن قبلت ببقاء الحزب، ولا تظهر واشنطن كمن فاوضت الحزب مباشرة، ولا تظهر إيران كمن باعت ورقة لبنان.

قد يتضمن التفاهم أيضاً ترتيباً زمنياً غير معلن: يبدأ بخفض النار، ثم وقف الغارات الكبرى، ثم دخول الجيش اللبناني إلى منطقة أو أكثر، ثم بحث الانسحاب الإسرائيلي من نقاط محددة، ثم العودة إلى المفاوضات في 22 حزيران/يونيو. إذا حصل هذا التسلسل على الأرض، فسيكون ذلك مؤشراً قوياً إلى أن حزب الله وإيران أعطيا موافقة ضمنية على اختبار الاتفاق، لا على قبوله النهائي.

هل يكون هذا لصالح لبنان الدولة؟ الجواب يتوقف على التنفيذ. إذا أدى التفاهم إلى وقف شامل للنار، وانسحاب إسرائيلي واضح، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب من دون صدام داخلي، فهو يمكن أن يكون لصالح الدولة اللبنانية. في هذه الحالة، تستفيد الدولة من وقف الحرب، عودة النازحين، استعادة بعض القرار الأمني، وتقوية موقع الجيش.

أما إذا كان التفاهم يعني فقط أن حزب الله يوقف النار بينما تبقى إسرائيل تحتفظ بحرية الضرب، أو أن الجيش اللبناني يدخل إلى مناطق جنوبية بوصفه أداة لتنفيذ مطلب إسرائيلي لا بوصفه عنواناً للسيادة، فسيكون الاتفاق خطيراً على لبنان. عندها لا يكون الاتفاق لصالح الدولة، بل يتحول إلى غطاء لنقل الأزمة من مواجهة لبنانية – إسرائيلية إلى أزمة لبنانية داخلية.

كيف يمكن رصد ذلك؟ أولاً من سلوك حزب الله لا من خطابه. إذا استمر الخطاب العالي ضد الاتفاق، لكن العمليات الميدانية تراجعت، فهذا يعني قبولاً ضمنياً مشروطاً. أما إذا استمرت الصواريخ والمسيّرات بالمستوى نفسه، فهذا يعني أن التفاهم غير موجود أو انهار.

ثانياً من سلوك إسرائيل. إذا توقفت الضربات على الضاحية ومحيط بيروت، وخفّت الضربات في الجنوب، وظهرت إشارات انسحاب أو إعادة تموضع، فهذا يعني أن هناك تبادلاً فعلياً. أما إذا استمرت إسرائيل في الضرب اليومي، فسيكون الاتفاق مجرد ورقة ضغط.

ثالثاً من حركة الجيش اللبناني. إذا بدأ الجيش ينتشر في مناطق تجريبية من دون احتكاك مع حزب الله أو بيئته، فهذا أقوى مؤشر على وجود تفاهم داخلي أو تفاهم غير مباشر. أما إذا بقي الانتشار رمزياً أو تعطل، فهذا يعني أن الاتفاق لم يحصل على موافقة ميدانية.

رابعاً من خطاب إيران. إذا خففت طهران لهجتها بشأن لبنان، أو قبلت عملياً بفصل نسبي بين الجبهة اللبنانية ومسار التفاوض مع واشنطن، فهذا مؤشر إلى قبول ضمني. أما إذا صعّدت خطابها واعتبرت أن أي خرق في لبنان هو خرق للتهدئة الإقليمية، فهذا يعني أن الاتفاق سيبقى رهينة التفاوض الأميركي – الإيراني.

خامساً من موقف نبيه بري. أي كلام لبري عن ضمانات، وقف شامل، انسحاب متدرج، أو انتشار الجيش سيكون مؤشراً مهماً. بري هو القناة التي تسمح لحزب الله بأن يفاوض من دون أن يفاوض، وأن يقبل من دون أن يعلن القبول.

الخلاصة أن حزب الله وإيران على الأرجح لم يوقّعا اتفاقاً سرياً بالمعنى القانوني. لكن من المرجح وجود تفاهم سياسي – أمني غير معلن، قابل للإنكار، يقوم على خفض التصعيد مقابل وقف ضرب بيروت والضاحية، وفتح اختبار لمناطق جنوبية يتقدم فيها الجيش اللبناني تدريجياً. هذا التفاهم قد يكون لصالح لبنان الدولة إذا انتهى بانسحاب إسرائيلي وتقوية الجيش. لكنه قد يكون خطراً إذا استُخدم لإبعاد حزب الله جنوب الليطاني من دون انسحاب إسرائيلي واضح، أو إذا حوّل الجيش إلى طرف في صراع داخلي بدل أن يكون عنواناً جامعاً للسيادة.

تاسعاً: التناقضات الأساسية في الاتفاق

التناقض الأول أن الاتفاق يتحدث عن وقف إطلاق نار، لكنه يشترط خطوات من طرف لم يكن حاضراً رسمياً في التفاوض، أي حزب الله. هذه مشكلة بنيوية. فالدولة اللبنانية تستطيع أن توقع، لكن هل تستطيع أن تضمن التزام الحزب؟ وإسرائيل تستطيع أن تقبل، لكن هل ستوقف ضرباتها إذا اعتبرت أن الحزب لم ينسحب كفاية؟

التناقض الثاني أن الاتفاق يتحدث عن سيادة الدولة اللبنانية، لكنه قد يضع الدولة أمام اختبار داخلي صعب. فإذا انتشر الجيش في الجنوب بعد انسحاب حزب الله، هل يكون ذلك استعادة للسيادة أم تنفيذاً لشروط إسرائيلية؟ هذا السؤال سيقسم الداخل اللبناني.

التناقض الثالث يتعلق بترتيب الخطوات. في القراءة الإسرائيلية والأميركية، البداية هي وقف حزب الله وإبعاده عن جنوب الليطاني. في قراءة حزب الله وإيران، البداية يجب أن تكون وقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب. إذا لم يُحل هذا الخلاف في التسلسل، سيبقى الاتفاق مهدداً.

التناقض الرابع هو مسألة فصل الساحات. واشنطن وإسرائيل تريدان جعل لبنان ملفاً لبنانياً – إسرائيلياً منفصلاً عن إيران. إيران وحزب الله يريدان إبقاء لبنان جزءاً من المعادلة الإقليمية. هذا التناقض يجعل الاتفاق مرهوناً بما يحدث خارج لبنان أيضاً.

التناقض الخامس أن إسرائيل تعلن قبول وقف النار، لكنها تهدد بقصف الضاحية. أي أن الاتفاق لا يلغي معادلة الحرب، بل يضعها داخل سقف جديد: لا هدوء في بيروت إذا لا هدوء في شمال إسرائيل.

الخلاصة النهائية

الاتفاق ليس نهاية حرب، بل بداية اختبار كبير. هو اتفاق مكتوب بلغة وقف النار، لكنه عملياً اتفاق على اختبار موازين القوى: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تعود إلى جنوب الليطاني؟ هل يقبل حزب الله بانسحاب ميداني من دون إعلان هزيمة؟ هل تلتزم إسرائيل بوقف الغارات والانسحاب؟ وهل تسمح إيران بفصل لبنان عن تفاوضها مع واشنطن؟

الصحف اللبنانية غير الممانعة ترى في الاتفاق فرصة لاستعادة الدولة، لكنها تخاف من هشاشته. صحف الممانعة ترى فيه محاولة لإضعاف حزب الله تحت عنوان الدولة. الصحافة الإسرائيلية تراه نجاحاً أمنياً لأنه يضع حزب الله أمام شرط الانسحاب من الجنوب. الصحافة الإيرانية تراه محاولة لفصل لبنان عن محور التفاوض والردع. الصحافة الأميركية تراه نجاحاً دبلوماسياً أولياً لإدارة ترامب، لكنه مشروط وغير مضمون.

المعنى الأعمق للاتفاق أن كل طرف يقرأ العبارة نفسها بطريقة مختلفة. وقف النار عند إسرائيل وواشنطن يعني وقف حزب الله أولاً. وقف النار عند حزب الله وإيران يعني وقف إسرائيل والانسحاب أولاً. وقف النار عند جزء من اللبنانيين يعني عودة الدولة. ووقف النار عند جزء آخر يعني خطر استخدام الدولة ضد المقاومة.

أما السؤال الأهم، وهو ما إذا كان حزب الله وإيران قد وافقا سراً، فجوابه أن لا دليل على توقيع أو اتفاق معلن، لكن هناك مؤشرات إلى قبول ضمني مشروط عبر الوسطاء. هذا القبول، إن وُجد، لن يظهر في بيان، بل في السلوك: انخفاض العمليات، توقف ضرب الضاحية، انتشار الجيش، حركة بري، ولهجة إيران.

لذلك يجب مراقبة الأيام المقبلة لا التصريحات فقط. إذا خفّت العمليات، وتوقف ضرب بيروت، وانتشر الجيش في مناطق جنوبية من دون احتكاك، وظهرت إشارات انسحاب إسرائيلي، فهذا يعني أن اتفاق الظل بدأ يعمل. أما إذا استمرت الغارات والصواريخ، وبقي الجيش خارج المناطق التجريبية، وتصاعد خطاب إيران وحزب الله، فسيكون الاتفاق مجرد هدنة ورقية تحت النار.

في النهاية، قد يكون الاتفاق فرصة للبنان الدولة إذا أنتج ثلاثة أمور معاً: وقفاً شاملاً للنار، انسحاباً إسرائيلياً واضحاً، وانتشاراً فعلياً للجيش من دون صدام داخلي. أما إذا اقتصر على مطلب واحد هو إبعاد حزب الله من جنوب الليطاني، من دون ثمن إسرائيلي واضح، فلن يكون اتفاقاً لصالح الدولة، بل وصفة لأزمة لبنانية جديدة تحت سقف إقليمي مشتعل.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

More like this

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

وقاحة إيرانية في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ

أخباركم - أخبارنا لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة...