الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

بري يفاوض ترامب ويمرّر رسائل لإسرائيل باسم حزب الله: قلق لبناني من تفاهم جانبي على حساب الدولة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لم تعد المسألة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري نقل رسالة إلى إدارة ترامب فقط. المسألة الأخطر أن هذه الرسالة، بطبيعتها ومضمونها، كانت موجّهة أيضاً إلى إسرائيل، ولو عبر الطريق الأميركي. فعندما يُبلّغ مستشار بري أن حزب الله مستعد لوقف إطلاق نار شامل وفوري مع إسرائيل، وأن بري قادر على ضمان هذا الالتزام، فإن الرسالة لا تبقى داخل واشنطن. هي رسالة سياسية وأمنية إلى الطرف الإسرائيلي، تمر عبر ترامب، وتقول عملياً: هذا هو موقف حزب الله، وهذه هي القناة التي يمكن التعامل معها.

هنا تكمن خطورة الحكاية. بري لا يظهر فقط كوسيط بين حزب الله والإدارة الأميركية، بل كمن يمرّر إلى إسرائيل، عبر واشنطن، عرضاً باسم حزب مسلح لبناني حول وقف النار. وهذا يعني أن قرار الحرب والسلم لا يمر عبر الدولة اللبنانية، بل عبر مثلث موازٍ: حزب الله يقرر، بري ينقل ويضمن، وواشنطن توصل أو تختبر أو تترجم الرسالة لدى إسرائيل.

بحسب ما نُشر في الصحافة، أبلغ علي حمدان، مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، باسم بري، أن حزب الله مستعد للالتزام الكامل بوقف شامل لإطلاق النار مع إسرائيل، وأن بري مستعد لضمان ذلك. كما نُشرت الرواية عبر الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد في موقع “أكسيوس”، وهو ما أعطى الرسالة بعداً إضافياً: لم تعد مجرد قناة لبنانية ـ أميركية، بل تحولت إلى مادة سياسية مفتوحة أمام تل أبيب وواشنطن معاً.

لذلك، فإن جوهر الاعتراض ليس على وقف النار بحد ذاته. وقف النار ضرورة وطنية وإنسانية لوقف القتل والتدمير. الاعتراض هو على أن يتحول رئيس مجلس النواب، لا الدولة اللبنانية، إلى ناقل رسائل حزب الله إلى إسرائيل عبر ترامب. أي أن تكون إسرائيل قادرة على تلقّي موقف الحزب من خارج المؤسسات اللبنانية، بينما يُفترض أن تكون رئاسة الجمهورية والحكومة والجيش هي الجهات الوحيدة المعنية بأي تفاوض يمس السيادة والأمن والحدود.

في السياسة، لا يحتاج الأمر دائماً إلى تفاوض مباشر كي تحصل الرسالة. الرسائل غير المباشرة تكفي. عندما يُقال للأميركي إن حزب الله مستعد لوقف النار مع إسرائيل، فإن المقصود النهائي هو إسرائيل. وعندما يقدّم بري نفسه كضامن لتنفيذ التزام حزب الله، فإن الرسالة إلى إسرائيل واضحة: التفاهم لا يحتاج إلى الدولة اللبنانية بقدر ما يحتاج إلى من يملك التأثير على الحزب.

وهنا يصبح القلق اللبناني من تفاهم جانبي على حساب الدولة قلقاً مشروعاً. لأن ما يجري لا يبدو مساراً دستورياً تقوده الدولة، بل مساراً موازياً يلتف عليها: الحزب يملك قرار النار، بري يملك قناة التمرير، ترامب أو واشنطن يملكان قناة الوصول إلى إسرائيل، والدولة اللبنانية تُترك في موقع المتلقي أو الموقّع اللاحق على ما يُطبخ خارجها.

المفارقة الفاضحة أن أي تفاوض رسمي تقوم به الدولة اللبنانية يُواجَه فوراً بتهم التفريط والخيانة. أما عندما تُمرَّر رسائل وقف النار من بري إلى ترامب، ومنها حكماً إلى إسرائيل، باسم حزب الله، فيُطلب من اللبنانيين أن يسمّوا ذلك واقعية سياسية. هذه ليست واقعية، بل مصادرة للقرار السيادي. فالتفاوض الرسمي باسم الدولة يصبح خيانة، أما التفاوض غير المباشر باسم الحزب فيصبح حنكة.

الأخطر أن مضمون الرسالة لا يتعلق بتفصيل سياسي عابر، بل بقرار سيادي من الدرجة الأولى: وقف النار مع إسرائيل. هذا ليس ملفاً حزبياً، ولا تفويضاً خاصاً، ولا قناة خلفية عادية. إنه قرار حرب وسلم، وقرار يحدد مصير الجنوب والجيش اللبناني والحدود والسيادة. لذلك يحق للبنانيين أن يسألوا: بأي صفة يضمن بري التزام حزب الله؟ وبأي صفة يمرر أو ينقل شروطاً تتصل بإسرائيل؟ وأين موقع رئيس الجمهورية والحكومة والجيش اللبناني من هذا المسار؟

إذا كان حزب الله مستعداً فعلاً لوقف النار، فلماذا لا يُسلَّم هذا الموقف رسمياً إلى الدولة اللبنانية لتفاوض به باسم لبنان، لا باسم حزب أو محور؟ وإذا كان بري قادراً على ضمان التزام الحزب، فلماذا لا يكون هذا الضمان جزءاً من قرار رسمي واضح تحت سقف الدولة؟ ولماذا تصبح الدولة متهمة بالتفريط عندما تفاوض، بينما تصبح القنوات الجانبية مقبولة عندما يتولاها من يدور في فلك الحزب؟

من هنا يتولد القلق اللبناني من اتفاق جانبي على حساب الدولة. ليس بالضرورة لأن هناك اتفاقاً مباشراً ومثبتاً بين حزب الله وإسرائيل، بل لأن الوقائع تكشف مساراً موازياً: حزب الله يقرر متى يقاتل ومتى يوقف النار، بري ينقل أو يضمن، واشنطن تتلقى الرسائل، إسرائيل تكون الطرف المعني بالنتيجة، والدولة اللبنانية تبدو وكأنها آخر من يعلم أو آخر من يُطلب منه التوقيع.

ثم جاء الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي المعلن لاحقاً ليزيد هذا السؤال وضوحاً. فقد تحدثت الصحافة عن اتفاق إسرائيلي ـ لبناني على وقف شامل لإطلاق النار، مشروط بوقف حزب الله هجماته وانسحاب عناصره من منطقة جنوب الليطاني، مع إنشاء مناطق يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي منها. كما شدد البيان المشترك على أن مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان وحدهما، ورفض أي محاولة من دولة أو طرف غير دولتي لجعل مستقبل لبنان رهينة.

هذه العبارة الأخيرة هي جوهر المعركة: رفض أن يكون مستقبل لبنان رهينة أي طرف غير دولتي. لذلك كان رفض حزب الله للاتفاق كاشفاً. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست فقط في بند هنا أو هناك، بل في أن الاتفاق يحاول نقل القرار من منطق الساحات والمحاور إلى منطق الدولة والجيش والحكومة. أي أنه يفك الربط بين لبنان والملف الإيراني، ويجعل المسألة اللبنانية ـ الإسرائيلية مساراً قائماً بذاته، لا ورقة ضمن تفاوض إيراني ـ أميركي أوسع.

بالنسبة إلى حزب الله، هذا الفصل خطر سياسي. فاستمرار جناحه العسكري ووظيفته الإقليمية يستندان إلى تلازم الساحات: لبنان ليس دولة تقرر وحدها، بل ساحة ضمن محور. كلما بقي لبنان مربوطاً بإيران وبحسابات المنطقة، بقي السلاح مبرراً. أما إذا صار الملف لبنانياً ـ إسرائيلياً، وإذا صار الجيش اللبناني هو القوة الحصرية في الجنوب، وإذا صارت الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة التفاوض، فإن وظيفة السلاح تبدأ بالانكماش.

في المقابل، لا يمكن قراءة الموقف الإسرائيلي بعيداً عن مصلحة مشابهة في إبقاء الدولة اللبنانية ضعيفة. إسرائيل لا تريد لبناناً قوياً موحد القرار، لأنها تستفيد من وجود حزب مسلح خارج الدولة لتبرير خروقاتها وضرباتها وابتزازها الأمني. وجود حزب الله المسلح يعطي إسرائيل ذريعة دائمة: لا دولة تفاوضها بجدية، لا جيشاً يضبط الحدود وحده، ولا سلطة مركزية تحتكر قرار الحرب والسلم.

هنا يظهر تقاطع المصالح غير المباشر بين حزب الله وإسرائيل. حزب الله يحتاج إلى إسرائيل كعدو دائم لتبرير السلاح، وإسرائيل تحتاج إلى حزب الله كخطر دائم لتبرير إبقاء لبنان مكشوفاً. كل طرف يعلن أنه يخوض معركة ضد الآخر، لكن النتيجة العملية واحدة: الدولة اللبنانية تُدفع إلى الهامش، والجيش اللبناني يُمنع من أن يكون صاحب القرار الحصري، واللبنانيون يدفعون الثمن دماراً وتهجيراً وموتاً وانهياراً.

بري، في هذا المشهد، لا يمرر رسالة عادية. هو يمرر لإسرائيل، عبر ترامب، أن مفتاح وقف النار ليس في قصر بعبدا ولا في السراي ولا في قيادة الجيش، بل في عين التينة وعند حزب الله. وهذه هي الكارثة السياسية: أن يُختصر لبنان الرسمي، وأن يتحول القرار السيادي إلى رسالة خلفية بين حزب ووسيط ورئيس أميركي وطرف إسرائيلي.

ليس المطلوب تبرئة إسرائيل، فهي عدو يحتل ويقصف وينتهك السيادة. وليس المطلوب أيضاً تلميع الاتفاق، فهو اتفاق سيئ وناقص ومشروط، وقد لا يكون عادلاً. لكن الأسوأ من اتفاق سيئ هو استمرار حرب مفتوحة لا تقررها الدولة، واستمرار تفاهمات خلفية لا تمر عبر المؤسسات، واستمرار استخدام لبنان كساحة لا كوطن.

إن خطورة ما كشفته الصحافة ليست فقط في أن علي حمدان تواصل مع السفير الأميركي، ولا فقط في أن باراك رافيد نشر الرواية، بل في أن المسار كله عرّى حقيقة النظام اللبناني: هناك دولة على الورق، وهناك قرار فعلي يتحرك خارجها. هناك رئيس جمهورية وحكومة ودستور، لكن هناك أيضاً سلاحاً يفاوض عليه الآخرون عبر قنوات جانبية. وهناك خطاب يرفع شعار السيادة في وجه الدولة، ثم يتجاوز الدولة عندما تصبح السيادة عائقاً أمام مصلحة الحزب.

لذلك، السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل نريد وقف إطلاق النار؟ طبعاً نريده. السؤال هو: من يملك وقف إطلاق النار؟ إذا كان حزب الله يقرر الحرب، وبري يضمن وقفها، وواشنطن وتل أبيب تتلقيان الرسائل، فأين لبنان؟ وإذا كان الاتفاق يُرفض لأنه يعيد القرار إلى الدولة والجيش، فهل المشكلة في الاتفاق أم في قيام الدولة نفسها؟

ما يجري ليس مجرد تسريب صحافي. إنه فضيحة سياسية مكتملة: بري يمرّر رسائل حزب الله إلى إسرائيل عبر ترامب، وأكسيوس يكشف المسار، والدولة اللبنانية تبدو غائبة عن قرار يفترض أنه من صلب صلاحياتها. هنا لا تكون المشكلة في وقف النار، بل في أن وقف النار نفسه يصبح دليلاً جديداً على أن الدولة لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلم.

إما دولة تفاوض وتحمي وتقرر، وإما ساحة تتنازعها الرسائل الجانبية والتفاهمات غير المباشرة. وإذا استمر القرار خارج المؤسسات، فلن يكون أي وقف نار بداية سيادة، بل مجرد استراحة بين جولتين، يدفع اللبنانيون ثمنهما بينما الآخرون يفاوضون باسمهم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...