أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
يبدو أن اتفاق واشنطن يتجاوز كونه مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، ليشكّل إطاراً لإدارة الصراع ومعالجة ملف سلاح حزب الله. فالنص يركّز على «إخلاء منطقة جنوب الليطاني من جميع عناصر الحزب» وعلى «السيطرة الحصرية للجيش اللبناني»، ما يعني أن جوهر المفاوضات لم يعد يقتصر على وقف الأعمال العسكرية، بل بات يتناول مستقبل الوجود العسكري للحزب في الجنوب، وربما في مناطق أخرى لاحقاً.
كذلك، ينطوي الاتفاق على محاولة لتحويل القرار 1701 من نصٍ نظري ظلّ لسنوات طويلة حبراً على ورق، إلى آلية تنفيذية قابلة للتطبيق. والجديد في هذا السياق هو الحديث الأميركي عن «مناطق تجريبية» (Pilot Zones) تخضع حصراً لسلطة الجيش اللبناني، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من مرحلة النصوص والالتزامات العامة إلى مرحلة التنفيذ الميداني.
ويفتح الاتفاق أيضاً الباب أمام مفاوضات مباشرة طويلة الأمد، عبر جولات سياسية وأمنية متعاقبة تهدف إلى معالجة «القضايا العالقة» والتوصل إلى تفاهمات أشمل. وهذا يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تحويل التهدئة الراهنة إلى مسار تفاوضي دائم بين لبنان وإسرائيل، وهو أمر لم يشهده الطرفان بهذا المستوى منذ عقود.
وليس من قبيل المصادفة أن تركز البيانات الأميركية على دعم الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. فالرسالة الضمنية واضحة: المجتمع الدولي يريد أن يصبح الجيش المرجعية الأمنية الوحيدة في الجنوب.
ومن الواضح أيضاً أن الاتفاق جاء في سياق التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران والمفاوضات الأميركية معها، ما يجعل لبنان جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، لا ملفاً منفصلاً قائماً بذاته.
وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن المشروع الإسرائيلي البعيد المدى يقوم، وفق هذا المنظور، على إنشاء حزام أمني فعلي خالٍ من قوات الحزب جنوب الليطاني، مع توفير ضمانات دولية وأميركية تكفل استمراره.
ومن أبرز ما يمكن استخلاصه من بين سطور الاتفاق أن التنازع على الملف اللبناني بين الإدارة الأميركية وإيران يمكن الاستنتاج أنه حُسم، في هذه المرحلة على الأقل، لمصلحة الرؤية الأميركية. ومن هنا يمكن فهم الرفض الإيراني للاتفاق، سواء عبر الموقف المباشر أو عبر حلفائها في لبنان، بصرف النظر عن مضمونه أو عن مدى توافقه مع المصلحة اللبنانية، إذ تبقى المصالح الإيرانية، في نظر طهران، أولوية تتقدم على سواها.
وتبرز هنا مسألة «المنطقة التجريبية» باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية. فهي تضع الحزب أمام معادلة معقدة في مواجهة بيئته الحاضنة التي بدأت تظهر فيها مؤشرات تململ وتباعد، كما تمنح إسرائيل ذريعة سياسية وأمنية إضافية في حال رفضها، بما قد يفتح الباب أمام استئناف العمليات العسكرية وفق خطط أُعدّت سلفاً.
أما القضية الأهم، فتتمثل في عودة الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني، وكأن واشنطن تستعيد إدارة هذا الملف من إسرائيل. ولهذا التطور وجهان: وجه إيجابي يتمثل في مساعدة لبنان على استعادة أراضيه وتعزيز سلطة دولته على كامل أراضيه، ووجه سلبي يتمثل في احتمال إعادة تسليم الملف لإسرائيل إذا عجزت الدولة اللبنانية أو تقاعست عن تنفيذ الالتزامات المترتبة عليها، ولا سيما ما يتعلق بحصر السلاح جنوب الليطاني.
وهنا يكمن بيت القصيد؛ إذ إن الخشية الحقيقية لا تتمثل في بنود الاتفاق وحدها، بل في أن تعود الدولة اللبنانية إلى إهدار فرصة جديدة، كما أهدرت فرصاً كثيرة في مراحل سابقة من تاريخها الحديث.
نَدِمَ البُغَاةُ وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ
ُوَالبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيم



