الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

بين حصر السلاح وحلّ البيشمركة: التناقض الأميركي ومخاوف كوردستان من اختراق البيت الداخلي

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

من سلاح المقاومة إلى سؤال الدولة

قبل أن تصبح البيشمركة عنوانًا في جدل الدولة والسلاح بعد عام 2003، كانت في الوعي الكوردي العراقي جزءًا من تاريخ أطول بكثير من لحظة سقوط صدام حسين، وأعمق من ترتيبات الاحتلال الأميركي ومجلس الحكم. فهي لم تظهر كقوة طارئة في فراغ ما بعد انهيار الدولة، ولم تكن وليدة حسابات واشنطن في العراق الجديد، بل تشكلت عبر عقود من الصراع بين الحركة القومية الكوردية والدولة العراقية المركزية، منذ ما قبل سقوط الملكية، ثم في عهود عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، وصولًا إلى البعث وصدام حسين.

بعد سقوط النظام الملكي في 14 تموز/يوليو 1958، بدا للكورد أن العراق دخل مرحلة جديدة قد تعترف بتعدده القومي والسياسي. في تلك المرحلة عاد الملا مصطفى بارزاني، والد مسعود بارزاني، من منفاه السوفيتي إلى العراق، واستقبله عبد الكريم قاسم بوصفه رمزًا كورديًا معارضًا للعهد الملكي، وقائدًا تاريخيًا للحركة الكوردية. في البداية، لم تكن العلاقة بين بغداد والحركة الكوردية علاقة حرب مفتوحة، بل علاقة أمل مشروط: الكورد أيدوا الجمهورية الجديدة، وقاسم احتاج إلى شرعية وطنية واسعة تشمل العرب والكورد، وظهرت وعود بالاعتراف بالحقوق الكوردية داخل الدولة العراقية الجديدة.

من وعود قاسم إلى ثورة أيلول

لكن ذلك الأمل لم يلبث أن اصطدم بحدود الدولة المركزية. فشعار “العرب والكورد شركاء في الوطن” لم يتحول إلى صيغة حكم ذاتي واضحة، والخلافات بين عبد الكريم قاسم والحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الملا مصطفى بارزاني اتسعت تدريجيًا. ومع تزايد الشكوك المتبادلة، اندلعت ثورة أيلول عام 1961، وهي المحطة التي رسخت البيشمركة كقوة كوردية منظمة في العراق الجمهوري. منذ تلك اللحظة، لم تعد البيشمركة مجرد مجموعات مسلحة في الجبال، بل تحولت في السردية الكوردية إلى الذراع العسكرية لحركة تحرر قومي تطالب بالاعتراف السياسي والثقافي والإداري بكوردستان العراق.

في عهد عبد الكريم قاسم، خاضت البيشمركة بقيادة الملا مصطفى بارزاني حربًا طويلة ضد الجيش العراقي. كانت بغداد ترى ذلك تمردًا مسلحًا على سلطة الدولة، بينما كان الكورد يرونه ردًا على نكث الوعود وتعطيل الحقوق القومية والحكم الذاتي. هنا بدأ التناقض الذي سيلازم العراق لعقود: الدولة تعتبر السلاح الكوردي خروجًا على السيادة، والكورد يعتبرونه ضمانة ضد إنكار الحقوق.

عهدا عارف: الوعود والحملات العسكرية

بعد انقلاب شباط/فبراير 1963 وسقوط قاسم، ثم صعود عبد السلام عارف، لم تُحل العقدة الكوردية. حاولت بغداد الجديدة أن تعيد فرض هيبة المركز، بينما استمرت البيشمركة بقيادة الملا مصطفى بارزاني في الجبال بوصفها قوة لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي أو حملة عسكرية. تغيرت الوجوه في بغداد، من قاسم إلى عبد السلام عارف ثم عبد الرحمن عارف، لكن السؤال بقي نفسه: هل يمكن بناء عراق مستقر من دون تسوية حقيقية مع الكورد؟ وهل يمكن مطالبة البيشمركة بإلقاء السلاح قبل أن يحصل الكورد على ضمانة سياسية ودستورية واضحة؟

في عهدي عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، تكررت محاولات التهدئة والقتال. كانت الدولة العراقية تتعامل مع الملف الكوردي أحيانًا بالوعود وأحيانًا بالحملات العسكرية، لكن البيشمركة بقيت قادرة على فرض نفسها في المعادلة. لم تكن تملك جيشًا نظاميًا بالمعنى الكلاسيكي، لكنها امتلكت ما هو أخطر بالنسبة لبغداد: جغرافيا جبلية، حاضنة اجتماعية، قيادة رمزية، وقضية قومية قادرة على البقاء رغم تغير الأنظمة.

البعث واتفاق آذار: اعتراف فرضته البيشمركة

ومع عودة البعث إلى السلطة عام 1968، دخل الملف الكوردي مرحلة جديدة. أدرك البعثيون أن الحرب المفتوحة استنزفت الدولة، وأن الحركة الكوردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني لم تعد تفصيلًا يمكن سحقه بسهولة. لذلك جاء اتفاق 11 آذار/مارس 1970 بين بغداد والحركة الكوردية، وهو أول اعتراف رسمي واسع بحقوق الكورد وحكمهم الذاتي داخل العراق الحديث. في الذاكرة الكوردية، لم يكن ذلك الاتفاق منحة من بغداد، بل ثمرة سنوات من قتال البيشمركة وتضحيات المجتمع الكوردي. لقد فرضت البيشمركة على الدولة أن تعترف سياسيًا بما كانت تنكره عسكريًا.

لكن اتفاق آذار لم يصمد. الخلافات حول كركوك، وحدود الحكم الذاتي، وتقاسم السلطة، والثقة بين بغداد والملا مصطفى بارزاني، كلها قادت إلى انهيار التسوية وعودة الحرب عام 1974. ثم جاءت اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران لتقطع الدعم الإيراني عن الحركة الكوردية، فتعرضت ثورة أيلول لانتكاسة كبرى. ومع ذلك، لم تنتهِ البيشمركة. تراجعت، انقسمت، أعادت تنظيم نفسها، ثم عادت في أشكال جديدة، خصوصًا مع صعود الاتحاد الوطني الكوردستاني إلى جانب الحزب الديمقراطي الكوردستاني، واستمرار الصراع مع نظام البعث.

من الملا مصطفى إلى مسعود بارزاني

بعد وفاة الملا مصطفى بارزاني عام 1979، انتقلت الحركة الكوردية إلى مرحلة جديدة. هنا يبدأ حضور مسعود بارزاني بوصفه نجل الملا مصطفى وأحد ورثة القيادة السياسية للحزب الديمقراطي الكوردستاني والذاكرة القومية التي حملتها البيشمركة. لم يكن مسعود بارزاني هو قائد ثورة أيلول في عهد قاسم وعارف، بل كان امتدادًا سياسيًا وتاريخيًا لذلك الإرث بعد وفاة والده، وخصوصًا في مرحلة الصراع الطويل مع نظام صدام حسين، ثم انتفاضة 1991، ثم تجربة الحكم الذاتي الكوردي، وصولًا إلى ما بعد 2003.

في عهد صدام حسين، تحولت البيشمركة في السردية الكوردية من قوة مطالبة بالحكم الذاتي إلى قوة بقاء. فالحرب العراقية ـ الإيرانية، وحملات الأنفال، وقصف حلبجة، وسياسات التعريب والترحيل، جعلت السلاح الكوردي في نظر قطاعات واسعة من الكورد مسألة وجودية لا سياسية فقط. لم تعد القضية: هل يحق للإقليم أن يمتلك قوة مسلحة؟ بل أصبحت: ماذا يحدث للكورد إذا لم يمتلكوا قوة تحميهم عندما تتحول الدولة نفسها إلى مصدر تهديد؟

انتفاضة 1991 وبناء الضمانة الكوردستانية

ثم جاءت انتفاضة 1991 بعد حرب الخليج، فدخلت البيشمركة مرحلة جديدة في كوردستان العراق. ساهمت في الانتفاضة الكوردية ضد سلطة صدام، ثم في حماية المنطقة الكوردية التي نشأت تحت مظلة الحظر الجوي والانسحاب الإداري لبغداد من أجزاء واسعة من الإقليم. ومنذ ذلك الوقت بدأت كوردستان العراق تبني مؤسساتها الخاصة، وكانت البيشمركة في قلب تلك التجربة: قوة أمنية، ورمزًا سياسيًا، وضمانة ميدانية لكيان كوردي شبه مستقل قبل أن تعترف به بغداد دستوريًا بعد 2003.

لذلك، عندما سقط صدام حسين عام 2003، لم تدخل البيشمركة المشهد العراقي بوصفها ميليشيا جديدة تبحث عن مكان في الفوضى، بل بوصفها قوة قديمة شاركت في معارضة النظام، وساهمت إلى جانب القوات الأميركية في إسقاطه في الشمال، ثم وجدت نفسها أمام سؤال جديد: هل تكون جزءًا من العراق الجديد، أم ضمانة كوردية داخله؟ وهل يعترف العراق الاتحادي بما فرضته عقود الصراع، أم يعيد إنتاج منطق الدولة المركزية التي تطلب السلاح أولًا وتؤجل الحقوق لاحقًا؟

سقوط صدام وبداية التناقض الأميركي

منذ سقوط صدام حسين عام 2003، لم يكن سلاح البيشمركة مجرد ملف أمني عابر في العراق الجديد، بل كان واحدًا من أكثر الملفات حساسية في هندسة الدولة التي أرادت الولايات المتحدة إعادة تشكيلها بعد الاحتلال. فمع انهيار الجيش العراقي القديم، وتفكك مؤسسات الدولة، وجدت واشنطن نفسها أمام عراق متعدد القوى المسلحة: جيش منهار، أحزاب عائدة من المنفى، فصائل شيعية تمتلك أجنحة مسلحة، قوى كوردية منظمة، وفراغ أمني واسع كان يهدد بابتلاع التجربة السياسية الجديدة قبل ولادتها.

في تلك اللحظة، ظهرت النية الأميركية الأولى: بناء دولة عراقية جديدة لا تسمح بتعدد الجيوش داخلها. كانت الفكرة المعلنة هي “حصر السلاح بيد الدولة”، لكن تطبيقها اصطدم فورًا بالسؤال الأخطر: من هي الدولة أصلًا؟ وهل البيشمركة قوة خارجة على الدولة، أم أنها جزء من واقع سياسي وأمني سابق على بغداد الجديدة نفسها؟

بريمر وسؤال الميليشيا: هل البيشمركة قوة حزبية أم ضمانة شعب؟

حين جاء بول بريمر إلى العراق، كان يحمل تصورًا صارمًا عن إعادة بناء الدولة من الصفر. حلّ الجيش العراقي، أُعيد تشكيل المؤسسات الأمنية، وبدأت سلطة الائتلاف المؤقتة تبحث في مصير القوى المسلحة التي ملأت الفراغ. هنا برز ملف البيشمركة بوصفه عقدة مبكرة بين المشروع الأميركي لبناء دولة مركزية وبين المشروع الكوردي لحماية مكتسبات الإقليم.

بالنسبة لبريمر، لم يكن مقبولًا أن يولد العراق الجديد وفي داخله قوات مسلحة حزبية أو إقليمية لا تخضع مباشرة للسلطة المركزية. كان يرى أن أي دولة لا تستطيع احتكار السلاح لن تستطيع احتكار القرار. ومن هنا جاء أمر سلطة الائتلاف رقم 91 عام 2004، الذي نظّم وضع القوات المسلحة والميليشيات داخل العراق، ووضع قاعدة عامة مفادها أن القوى المسلحة والميليشيات محظورة إلا ضمن استثناءات وخطط دمج وتحول.

لكن البيشمركة لم تكن، في نظر الكورد، ميليشيا يمكن شطبها بقرار إداري. كانت ذاكرة مقاومة، وسلاح نجاة، ومؤسسة نشأت من تجربة طويلة مع بغداد، من ثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى بارزاني، إلى اتفاق آذار، ومن انهيار اتفاق الحكم الذاتي إلى الأنفال وحلبجة وانتفاضة 1991. لذلك، عندما طُرح موضوع حلّها أو التعامل معها كقوة حزبية مسلحة، انفجر الخلاف بين بول بريمر ومسعود بارزاني.

هنا يجب التمييز بدقة: الجدل مع بريمر بعد 2003 لم يكن مع الملا مصطفى بارزاني، فقد كان قد توفي عام 1979، بل كان مع مسعود بارزاني، نجل الملا مصطفى بارزاني، وزعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأحد أبرز قادة كوردستان العراق في مرحلة ما بعد صدام. حمل مسعود بارزاني إلى ذلك الجدل إرث والده وإرث البيشمركة معًا؛ ولذلك لم يكن اعتراضه على بريمر تقنيًا أو إداريًا، بل كان اعتراضًا تاريخيًا وسياسيًا ووجوديًا.

الرواية الكوردية لذلك الجدل تقول إن مسعود بارزاني رفض بشكل قاطع مساواة البيشمركة بميليشيات الأحزاب الأخرى. فحلّ البيشمركة، بالنسبة له، لم يكن مجرد إعادة ترتيب أمني، بل نزع آخر ضمانة كوردية في عراق لم يكن الكورد يثقون بعدُ بأن دولته الجديدة ستكون مختلفة جذريًا عن دولته القديمة. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة في مواجهة بريمر، بمعناها السياسي لا الحرفي فقط: إذا كنت تريد حلّ البيشمركة، فاذهب إلى كوردستان وافعل ذلك بنفسك.

في النهاية، تراجعت الصيغة الأميركية من المواجهة المباشرة إلى التسوية. لم تُحلّ البيشمركة، لكنها وُضعت ضمن إطار قانوني خاص. لم تُعامل تمامًا مثل بدر أو جيش المهدي أو بقية الفصائل، لكنها لم تُترك أيضًا خارج النقاش. وهكذا وُلدت معادلة رمادية ستبقى ترافق العراق لعقدين: واشنطن تريد دولة بسلاح واحد، بغداد تريد سيادة مكتملة، والكورد يريدون ضمانة مسلحة داخل عراق لم تُحسم فيه الثقة بين المركز والإقليم.

من الحاجة إلى البيشمركة إلى العودة لسؤال السلاح

منذ ذلك الوقت، لم تختفِ النية الأميركية، بل تغيّرت أدواتها ولغتها. في البداية كانت المسألة تُطرح تحت عنوان حلّ الميليشيات وبناء الجيش العراقي. بعد صعود القاعدة ثم داعش، أصبحت واشنطن نفسها بحاجة إلى القوى المحلية المسلحة، بما فيها البيشمركة، لمواجهة الإرهاب. تحولت البيشمركة من قوة مثيرة للجدل في نظر بعض مهندسي الدولة العراقية الجديدة إلى شريك عسكري في الحرب على داعش، وتلقت تدريبًا ودعمًا وتسليحًا من الولايات المتحدة ودول غربية. لكن هذا الدعم لم يلغِ السؤال الأصلي، بل أجّله: ماذا يحدث بعد انتهاء الحاجة العسكرية المباشرة؟

بعد هزيمة داعش، عاد السؤال القديم بثوب جديد. فالعراق لم يعد يواجه فقط مشكلة الإرهاب، بل مشكلة تعدد مراكز القوة. الحشد الشعبي صار مؤسسة رسمية، لكن داخله وخارجه بقيت فصائل تمتلك قرارًا عسكريًا وسياسيًا لا يذوب بالكامل في قرار الدولة. النفوذ الإيراني تمدد، والهجمات على المصالح الأميركية تكررت، وبغداد وجدت نفسها بين ضغط واشنطن وضغط الفصائل وضغط الشارع الذي يريد دولة طبيعية لا دولة تتقاسمها البنادق.

هنا تجددت النية الأميركية: ليس بالضرورة ضد البيشمركة أولًا، بل ضد كل سلاح لا يمكن ضبطه داخل بنية الدولة. واشنطن تريد عراقًا لا تستخدم أراضيه الفصائل لتهديد مصالحها أو مصالح حلفائها، ولا يتحول إلى ساحة مفتوحة في الصراع مع إيران. لذلك عاد شعار “حصر السلاح بيد الدولة” بقوة، وبدأت الحكومة العراقية تتحرك باتجاه لجان وآليات لدمج بعض الفصائل ونقل أسلحتها ومعداتها إلى السلطات الأمنية.

لكن كلما طُرح شعار “حصر السلاح”، يظهر السؤال الكوردي من جديد: هل المقصود الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية، أم أن المبدأ سيُستخدم لاحقًا لفتح ملف البيشمركة أيضًا؟

جوهر القلق في أربيل

هذا هو جوهر القلق في أربيل اليوم. فالكورد يعرفون أن واشنطن وبغداد قد لا تبدآن بالبيشمركة، لكنهما قد تعودان إليها تحت عنوان توحيد السلاح والمؤسسات. ويعرفون أن خصومهم في بغداد يمكن أن يستخدموا المنطق نفسه: إذا كانت الدولة واحدة، فلماذا يبقى للإقليم جيش؟ وإذا كانت الفصائل مطالبة بتسليم السلاح، فلماذا تُستثنى البيشمركة؟ وإذا كان الدستور يسمح للإقليم بقوى أمن داخلية، فهل يسمح له بقوات مسلحة بهذا الحجم وهذا التسليح؟

في المقابل، يرد الكورد بأن المقارنة غير عادلة من أصلها. البيشمركة، في سرديتهم، ليست فصيلًا مسلحًا نشأ بعد 2003 لفرض نفوذ حزبي أو مذهبي، بل قوة إقليم دستوري معترف به، سبقت سقوط صدام، وشاركت في إسقاطه، وحمت كوردستان حين انهارت الدولة، ثم قاتلت داعش عندما تراجعت قطعات عراقية كثيرة. لذلك فإن إدراجها في خانة “الميليشيات” يُعدّ، في نظرهم، محاولة سياسية لتقويض الفيدرالية لا مجرد إصلاح أمني.

الثغرة الداخلية: عندما يصبح الانقسام مدخلًا للقرار الخارجي

غير أن الخطر الأكبر لا يأتي دائمًا من بغداد أو واشنطن وحدهما، بل من الثغرة الداخلية التي يمكن أن تتحول، في لحظة سياسية حساسة، إلى مدخل لاختراق الموقف الكوردي من الداخل. فكلما ضعفت الوحدة الوطنية الكوردية، وتراجعت الروح القومية الكوردستانية لصالح الحسابات الحزبية والمناطقية، أصبح الشارع الكوردي أكثر قابلية للتشويش، وأصبحت القضايا الوجودية قابلة لأن تُقدَّم له بوصفها ملفات إدارية أو صفقات سياسية أو إصلاحات مؤسساتية.

قال لي سياسي كوردي مطّلع إن أخطر ما قد يسهّل تمرير أي مشروع يمسّ البيشمركة ليس قوة القرار الخارجي، بل ضعف المناعة الداخلية. فحين لا يكون البيت الكوردي موحدًا، وحين تتراجع الذاكرة القومية الجامعة، يصبح من الممكن أن يُخترق الشارع عبر خطاب ناعم يقول إن المسألة ليست حلًّا للبيشمركة، بل “تنظيمًا”، وليست نزعًا للضمانة الكوردية، بل “إعادة هيكلة”، وليست تنازلًا سياسيًا، بل “مكتسبات” في بغداد أو أربيل أو السليمانية.

وهنا يطرح ذلك السياسي السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو قرر رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، بافل طالباني، أن يدخل في لعبة مختلفة، وأن يتعامل مع ملف البيشمركة لا من زاوية الإرث القومي الذي مثّله والده الرئيس الراحل مام جلال طالباني، بل من زاوية المكاسب السياسية المباشرة؟ ماذا لو قُدّمت له صفقة ما، صريحة أو ضمنية، تجعل قبول تفكيك جزء من بنية البيشمركة أو إعادة تعريفها أو تحييدها عن القرار القومي الكوردستاني ثمنًا للحصول على نفوذ أكبر في بغداد، أو موقع أرجح في معادلة الإقليم، أو اعتراف سياسي بدور الاتحاد الوطني في مواجهة الحزب الديمقراطي؟

هذا السيناريو، حتى لو بقي افتراضيًا، يكشف مكمن الضعف في الموقف الكوردي. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود بارزاني يستطيع أن يرفع سقف الخطاب القومي دفاعًا عن البيشمركة، لكنه سيكون أضعف إذا لم يقف الاتحاد الوطني الكوردستاني في الخندق نفسه. لأن قوة الموقف الكوردي لا تأتي فقط من شرعية التاريخ، ولا من رمزية البيشمركة، ولا من النصوص الدستورية، بل من وحدة القرار الكوردستاني. فإذا انقسمت أربيل والسليمانية على تعريف البيشمركة نفسها، فإن بغداد وواشنطن وأي طرف إقليمي آخر لن يحتاجوا إلى كسر الجدار الكوردي من الخارج؛ سيكتفون بالدخول من شقوقه الداخلية.

بين مام جلال وبافل طالباني: الإرث أم الصفقة؟

الفارق بين نهج مام جلال طالباني وأي نهج محتمل بعده ليس تفصيلًا عائليًا أو حزبيًا، بل مسألة تتصل بفلسفة العمل القومي الكوردي. فقد كان مام جلال، رغم خلافاته العميقة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، يدرك أن هناك خطوطًا لا يجوز تحويلها إلى أوراق تفاوض عابرة؛ وفي مقدمتها موقع البيشمركة في الوجدان الكوردي، ووحدة الموقف عند اللحظات المصيرية، وضرورة ألا تتحول المنافسة بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي إلى ثغرة يستثمرها المركز ضد الإقليم. كان يعرف أن الخلاف الكوردي ـ الكوردي يمكن أن يكون طبيعيًا داخل السياسة، لكنه يصبح خطيرًا حين يمسّ أدوات البقاء القومي.

أما إذا نشأ نهج جديد يتعامل مع البيشمركة بوصفها رصيدًا حزبيًا قابلًا للمقايضة، لا مؤسسة قومية ذات معنى يتجاوز الحزب والمنطقة، فحينها تنتقل المسألة من خلاف سياسي داخلي إلى تهديد استراتيجي. لأن أي طرف كوردي يدخل وحده في تفاهم يمسّ السلاح الكوردي سيمنح خصوم كوردستان ما عجزوا عن أخذه بالقانون أو الضغط المباشر: شرعية كوردية داخلية لتقليص البيشمركة أو تفكيك معناها أو تحويلها من قوة حماية قومية إلى وحدات مشتتة تخضع لتوازنات بغداد ومساوماتها.

في مثل هذا الوضع، لن يكون موقف مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي ضعيفًا لأنه يفتقر إلى الحجة، بل لأنه يفتقر إلى الإجماع. فالحجة التاريخية مع البيشمركة، والذاكرة القومية مع البيشمركة، وتجربة الأنفال وحلبجة وانتفاضة 1991 والحرب على داعش كلها تقف إلى جانب بقاء البيشمركة كضمانة كوردستانية. لكن السياسة لا تُحسم بالحجة وحدها. إذا انقسم البيت الكوردي، يصبح أقوى خطاب قومي قابلًا للعزل، وتتحول المعركة من دفاع كوردستان عن نفسها إلى نزاع بين حزبين، وهذا بالضبط ما قد تحتاجه أي قوة تريد تمرير مشروع كبير بأقل كلفة.

لذلك، فإن ما قد يسهّل تنفيذ أي قرار يمسّ البيشمركة ليس فقط ضغط واشنطن، ولا رغبة بغداد في استكمال سيادتها، ولا شعار حصر السلاح بيد الدولة، بل تفكك الإرادة الكوردية الجامعة. فحين تصبح البيشمركة موضوعًا للتنافس بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، بدل أن تبقى عنوانًا فوق حزبي وفوق مناطقي، فإن الخطر لا يعود في القرار الخارجي وحده، بل في قابلية الداخل الكوردي لأن يمنح ذلك القرار غطاءً كورديًا.

من هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن البيشمركة لا يبدأ من رفض القرار بعد صدوره، بل من منع الظروف التي تجعله قابلًا للتمرير: ترميم الوحدة الوطنية، إعادة بناء الثقة بين أربيل والسليمانية، تحصين الشارع من الخطاب الذي يختزل الوجود القومي في مكاسب سياسية قصيرة، والتأكيد أن البيشمركة ليست ملكًا لحزب، ولا ورقة في يد زعيم، ولا بندًا في صفقة مع بغداد، بل ذاكرة شعب وضمانة إقليم ومؤسسة يجب إصلاحها وتوحيدها لا تفكيكها أو تحويلها إلى ثمن سياسي.

موقف مسعود بارزاني الأخير: السلاح ليس حديدًا وذخيرة

في هذا السياق جاء موقف مسعود بارزاني الأخير ليعيد وصل النقاش الراهن بالجذر التاريخي نفسه. فبعد تصاعد الحديث عن حصر السلاح ودمج الفصائل، خرج مسعود بارزاني ليقول إن بعض الأطراف تقدم “تفسيرات ورؤى خاطئة” حول سلاح البيشمركة، مؤكدًا أن البيشمركة “وُلدت من دم وكدح ودموع شعب كوردستان”، وأن سلاحها ليس مجرد “قطع من الحديد أو ذخيرة أو معدات حربية”، بل هو “التاريخ، والتضحية، والشرف، والإيمان”، وتعبير عن الالتزام تجاه الشعب والأرض والوطن. لم يكن هذا الموقف تفصيلًا عاطفيًا، بل ردًا سياسيًا مباشرًا على محاولة تحويل سلاح البيشمركة إلى ملف تقني قابل للمساومة الإدارية.

بهذا الموقف، أعاد مسعود بارزاني صياغة الرد نفسه الذي واجه به بريمر قبل أكثر من عقدين، لكن بلغة اللحظة الحالية. الرسالة الضمنية واضحة: لا يمكن التعامل مع البيشمركة كما لو كانت ترسانة قابلة للنقل من مؤسسة إلى أخرى، ولا يمكن اختزالها في بند “دمج” أو “تفكيك” أو “إعادة هيكلة”. فهي، في الرؤية الكوردية، حصيلة تاريخ بدأ مع الملا مصطفى بارزاني وثورة أيلول، ومرّ بعهود قاسم وعارف والبعث وصدام، ثم وصل إلى مسعود بارزاني وبريمر والعراق الاتحادي بعد 2003.

السردية الكوردية: ما بدأ مع بريمر لم يمت

السردية الكوردية ترى أن ما بدأ مع بريمر لم يمت. في 2004، حاولت واشنطن أن تضع كل القوى المسلحة داخل تعريف واحد، ثم اضطرت إلى استثناء البيشمركة بفعل الواقع السياسي والأمني. واليوم، مع عودة ملف الفصائل، تخشى أربيل أن تعود الفكرة نفسها لكن بصياغة أكثر نعومة: لا حلّ مباشر، بل إعادة تعريف؛ لا مواجهة مع البيشمركة، بل مطالبة بالتوحيد والدمج والتنسيق؛ لا قرار بسحب السلاح، بل ضغط تدريجي لتقليص استقلالية القرار العسكري الكوردي.

بهذا المعنى، يمكن قراءة النقاش الحالي لا كحدث منفصل، بل كحلقة جديدة في صراع بدأ قبل سقوط صدام وتكثف بعده: هل يكون العراق دولة مركزية تحتكر كل السلاح من بغداد، أم دولة اتحادية تقبل بوجود قوة مسلحة إقليمية ذات خصوصية دستورية وتاريخية؟ وهل “حصر السلاح بيد الدولة” يعني إنهاء سلاح الفصائل الخارجة عن القرار الرسمي، أم إعادة فتح كل ملفات السلاح، بما فيها البيشمركة؟

الأميركيون قد يقولون إن الهدف اليوم هو الفصائل المرتبطة بإيران، لا البيشمركة. بغداد قد تقول إن المسار يستهدف السلاح المنفلت لا قوات الإقليم. لكن الذاكرة الكوردية لا تقرأ الشعارات بمعزل عن التاريخ. بالنسبة لأربيل، كل نقاش عن السلاح يبدأ من وعود قاسم التي لم تكتمل، ويمر بحروب عارف والبعث، ويصل إلى سؤال بريمر القديم، ثم ينتهي عند الضمانة نفسها: من يحمي كوردستان إذا تبدلت بغداد؟ ومن يضمن أن الدولة التي تطلب السلاح اليوم لن تستخدم مركزيتها غدًا ضد الإقليم؟

خاتمة: التناقض الذي لم يُحل

لهذا يبدو الجدل الحالي أكبر من خبر عن لجنة حكومية أو تصريح أميركي أو موقف فصيل مسلح. إنه عودة إلى لحظة التأسيس بعد 2003، بل إلى ما قبلها: إلى تاريخ طويل حاولت فيه بغداد أن تجعل المسألة الكوردية ملفًا أمنيًا، بينما حاول الكورد أن يجعلوها قضية حقوق وشراكة وحكم ذاتي. ومن تلك اللحظة إلى اليوم، بقيت البيشمركة في قلب المعادلة: ليست خارج الدولة تمامًا، وليست ذائبة فيها تمامًا؛ ليست ميليشيا في الرواية الكوردية، وليست جيشًا اتحاديًا في الرؤية المركزية؛ بل قوة تقف عند الحد الفاصل بين الفيدرالية والسيادة، بين الضمانة والازدواجية، وبين الماضي الذي يخشاه الكورد والمستقبل الذي تريد واشنطن وبغداد ضبطه.

وعليه، فإن النية الأميركية إذا كانت تتجدد اليوم، فهي لا تتجدد بالضرورة على شكل قرار معلن لسحب سلاح البيشمركة، بل على شكل عودة للمنطق نفسه: عراق مستقر، قابل للإدارة، لا تتحكم فيه قوى مسلحة متعددة. غير أن هذا المنطق، كلما اقترب من كوردستان، يصطدم بالحقيقة التي واجهت قاسم وعارف والبعث وبريمر على اختلاف أزمنتهم: سلاح البيشمركة ليس مجرد بندقية في يد حزب، بل عقدة سياسية ودستورية ونفسية في قلب العراق الحديث.
:::

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...