أخباركم – أخبارنا
لم تعد المشكلة في ما تقوله إيران عن لبنان، بل في الطريقة التي تقول بها ما تقوله. فحين يخرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ليخاطب رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون بهذه اللهجة، وكأنه يملك حق توجيه النصح أو رسم الأولويات للبنان، فإن ذلك يكشف جوهر النظرة الإيرانية إلى هذا البلد: ليس كدولة ذات سيادة، بل كساحة نفوذ ورسائل ومساومات.
إن الوقاحة السياسية في خطاب عراقجي لا تكمن فقط في رده على كلام الرئيس اللبناني، بل في تجاهله المتعمد لحقيقة أن لبنان دفع، وما زال يدفع، ثمناً باهظاً نتيجة تحويله إلى منصة صراع إقليمي. فإيران تتحدث عن “عدو لبنان الحقيقي”، لكنها تتجاهل أن أحد أخطر أعداء لبنان هو من يصادر قراره الوطني، ويضع مؤسساته وشعبه واقتصاده في قلب مواجهات لا يملك اللبنانيون قرار الحرب والسلم فيها.
لبنان ليس ورقة في يد أحد. وليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين إيران وخصومها. لبنان دولة لها شعب ومؤسسات وحدود ومصلحة وطنية، ومن حق رئيسها وحكومتها أن يقولا بوضوح إن استخدام لبنان كورقة مساومة أمر مرفوض. فالدولة التي تحترم نفسها لا تقبل أن تكون جزءاً من بازار إقليمي، ولا تسمح لأي قوة خارجية أن تتعامل معها كملحق سياسي أو أمني.
الأخطر أن الخطاب الإيراني يحاول دائماً قلب الحقائق. فبدلاً من الاعتراف بأن نفوذ طهران في لبنان ساهم في إضعاف الدولة وتهميش قرارها السيادي، يجري تصوير أي دعوة لبنانية للاستقلال السياسي والدبلوماسي على أنها انحياز ضد “المقاومة” أو خدمة لأعداء لبنان. هذه معادلة ابتزاز واضحة: إما أن يقبل لبنان بالدور المرسوم له إيرانياً، أو يُتهم بالتخلي عن قضاياه.
إن حديث عراقجي عن أن لبنان “لو كان ورقة مساومة لإيران لتم التوصل إلى اتفاق منذ زمن بعيد” لا يبرئ إيران، بل يدينها أكثر. فمجرد تناول لبنان في سياق الاتفاقات والمساومات الإقليمية يؤكد أن طهران تنظر إليه ضمن حساباتها الكبرى، لا من زاوية مصلحة اللبنانيين وسيادة دولتهم. الدول لا تُدار بمنطق الأوراق، والشعوب لا تُختزل في ملفات تفاوضية.
من حق لبنان أن يختار الدبلوماسية، وأن يسعى إلى الخروج من أزماته عبر الدولة لا عبر الميليشيا، وعبر الشرعية لا عبر المحاور. ومن واجب كل القوى اللبنانية والعربية والدولية أن تدعم هذا الاتجاه، لأن إنقاذ لبنان يبدأ من استعادة قراره الوطني، ووقف التعامل معه كساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
الوقاحة الإيرانية ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً. فهي تتجلى في خطاب يتحدث عن حماية لبنان، بينما يبرر عملياً استمرار اختطاف قراره. وتتجلى في ادعاء الحرص على الشعب اللبناني، بينما يدفع هذا الشعب أثمان العزلة والانهيار والحروب والتهديد الدائم.
لبنان لا يحتاج إلى وصاية إيرانية، ولا إلى رسائل تهديد مبطنة، ولا إلى من يحدد له عدوه وصديقه من خارج حدوده. ما يحتاجه لبنان هو احترام سيادته، ودعم مؤسساته، وترك شعبه يقرر مستقبله بعيداً عن منطق الساحات والمحاور.
إن الرد الحقيقي على هذا الخطاب يجب أن يكون لبنانياً واضحاً: لبنان ليس ساحة إيرانية، وليس ورقة تفاوض، وليس صندوق بريد إقليمياً. لبنان دولة عربية مستقلة، ومن حقها أن تستعيد قرارها كاملاً، وأن تضع مصلحة شعبها فوق كل مشاريع النفوذ الخارجي.



