أخباركم – أخبارنا / د. وفيق ريحان
الجمود أو التحجر العقائدي من أشد الأمراض النفسية والسياسية خطراً على المجتمعات. فهذا المرض العضال أصاب أنواعاً وأشكالاً مختلفة من الأحزاب والمنظمات، بما فيها الإرهابية والمتطرفة، وحتى بعض التنظيمات اليسارية. وقد أدى ذلك، في مراحل مختلفة، إلى سقوط أنظمة وتشكيلات سياسية كانت متقدمة على مستوى السيطرة الجيوسياسية في أنحاء متعددة من العالم، سواء في أوروبا، أو في المعسكر الاشتراكي، أو في دول الإرهاب المنظم، ومن ضمنها الكيان الإسرائيلي.
إن فكرتي حول التقارب الراهن، بهدف التفاهم مع السلطة من قبل هذا الحزب المُدمّى، تقوم على تحييد هذا الحزب عن الصراعات والتناقضات الداخلية التي لا بد أنه سيصل إليها في حال أصرّ على استكمال معركته الوجودية وغير المتكافئة، وإغراق البلاد في حالة من عدم الانتظام العام للدولة، وما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على الوضع العام في الوطن.
وهذه هي النصيحة التي تعتمدها سياسة الحكم من وقت إلى آخر، من أجل تجنب تلك التداعيات المتوقعة بصورة شبه مؤكدة مع هذا الحزب ومناصريه على امتداد الوطن. وفي ذلك حكمة سياسية واجتماعية.
كما أن التقارب مع الدولة في هذا الظرف العصيب يجعل عملية التفاوض أكثر تماسكاً في مواجهة العدو الإسرائيلي، الذي لا يؤمن جانبه. فإذا تعهد المفاوض اللبناني، على سبيل المثال، بجعل منطقة جنوب الليطاني منطقة منزوعة السلاح، وبأن سلاح هذا الحزب سوف يدخل في الحسابات المستقبلية للدولة على صعيد تطبيق القرارات الدولية، ولا سيما القرارين 1701 و1559 وسواهما، فإن ذلك يصبح جزءاً من جوهر عملية التفاوض القائمة حالياً.
أما دون ذلك، فإن أي تصريح يخلّ بهذه العملية سيؤدي حكماً إلى نسفها من أساسها.
وإذا خُيّرنا، في هذا الظرف، بين التفاهم مع هذا الحزب ومن معه أو مواجهته، فإننا نفضّل، من دون شك، اللجوء إلى الخيار الأول، مع الإشارة إلى أن إيران قد لا يناسبها هذا الخيار، فتدفعه إلى مزيد من المغامرة بسلامة الوطن. ويزيد الأمر تعقيداً المسار المتعثر للمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في إسلام آباد.
إن هذا الحزب يواجه مصيره الآن في أدق مرحلة سياسية وعسكرية يتعرض لها منذ نشوئه. فهل سيعود إلى اتباع سبل العقلانية في التصرف، وفقاً لرؤية سياسية للعهد نؤيدها ونراها درب الخلاص للجميع؟ أم أنه سيستمر في معركته الكربلائية، سعياً إلى تحقيق نصر معنوي ما زال ماثلاً في الوعي الشيعي منذ 1450 عاماً؟
هذا ما نرجو ألا يقع فيه، رحمةً بالشيعة، وبالوطن، وبعناصره الشابة من أبناء الوطن، وبأهالي الجنوب المتعطشين إلى العودة لممارسة حياتهم الطبيعية في شتى أنحاء البلاد.



