الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

إيران ومعركة الاحتفاظ بلبنان: حين يصبح سقوط بيروت بداية نهاية الهلال!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن ما جرى هذه الليلة تفصيلاً عسكرياً عابراً في سجل الاشتباك الإيراني ـ الإسرائيلي المفتوح. إطلاق إيران صواريخها باتجاه إسرائيل، ردًا على الضربة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يكن مجرد رد انتقامي محسوب، ولا رسالة ردع تقليدية في معادلة النار بالنار. كان، في جوهره، إعلانًا سياسيًا بأن طهران مستعدة للذهاب بعيدًا في سبيل إبقاء لبنان داخل معادلتها الإقليمية، لا كدولة ذات سيادة، بل كورقة مركزية في صراعها مع واشنطن وتل أبيب.

فالضربة لم تقع في فراغ. لقد جاءت في لحظة لبنانية حساسة، بعدما ارتفع من بيروت الرسمية صوتان واضحان، من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، يدعوان إلى فصل لبنان عن المفاوضات مع إيران، ورفضا تحويله إلى ورقة مساومة في يد أي محور خارجي. هنا تحديدًا شعرت طهران بالخطر. ليست المشكلة بالنسبة إليها في غارة إسرائيلية على الضاحية وحدها، ولا في جولة تصعيد يمكن احتواؤها. المشكلة الأعمق أن الدولة اللبنانية، ولو بخطاب سياسي أولي، بدأت تقول إن لبنان ليس جزءًا من حقيبة التفاوض الإيرانية، وإن أمنه لا يجوز أن يبقى مربوطًا بحسابات طهران النووية والإقليمية.

هذا هو جوهر الأزمة بالنسبة إلى إيران. فطهران لا تخشى فقط من خسارة موقع عسكري أو حليف سياسي في لبنان، بل تخشى من سقوط المعادلة التي شرعنت نفوذها منذ عقود: أن حزب الله ليس مجرد تنظيم لبناني مسلح، بل ذراع إقليمية ضمن منظومة ردع إيرانية تمتد من الخليج إلى المتوسط. ولذلك، حين يطالب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بفصل لبنان عن المفاوضات مع طهران، فإنهما لا يطرحان موقفًا دبلوماسيًا عاديًا، بل يوجهان ضربة مباشرة إلى قلب العقيدة الإيرانية القائمة على ربط الساحات وتوحيد الجبهات وتحويل الدول الهشة إلى أوراق قوة على طاولة المساومة الكبرى.

من هنا يمكن فهم رد الفعل الإيراني. الصواريخ التي أطلقتها طهران لم تكن موجهة إلى إسرائيل وحدها، بل إلى المعنى السياسي الذي بدأ يتشكل في بيروت. أرادت إيران أن تقول إن لبنان لا يزال جزءًا من منظومة الرد الإيرانية، وإن الضاحية ليست مجرد منطقة لبنانية تعرضت لغارة إسرائيلية، بل موقع متقدم في استراتيجية إيرانية لا تسمح بفصل الجبهة اللبنانية عن حساباتها. بكلام آخر، كان الرد الإيراني محاولة لإعادة مصادرة القرار اللبناني في لحظة بدأ فيها هذا القرار يرفع رأسه.

ولذلك بدت مواقف المسؤولين الإيرانيين خلال الساعات الماضية كاشفة أكثر مما هي مطمئنة. حين يضطر وزير الخارجية الإيراني إلى نفي أن يكون لبنان ورقة مساومة، فهذا يعني أن الاتهام لم يعد هامشيًا. وحين ترد طهران على الرئيس اللبناني بلغة تذكّر بأن إسرائيل هي العدو الحقيقي، فهي لا تجيب عن السؤال المطروح، بل تهرب منه. فالسؤال اللبناني اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل عدوًا أو لا؛ هذا أمر محسوم في الوعي الوطني اللبناني. السؤال هو: هل يحق لإيران أن تستخدم العداء لإسرائيل ذريعة دائمة لمصادرة قرار الدولة اللبنانية؟ وهل يجوز أن يبقى لبنان مكشوفًا أمام الحروب لأن طهران تحتاج إلى تحسين شروطها في المفاوضات مع واشنطن؟

هنا تكمن لحظة الانكشاف الإيراني. فطهران، التي اعتادت إدارة نفوذها في المنطقة عبر خطاب المقاومة، تجد نفسها اليوم أمام خطاب لبناني رسمي يضع السيادة في مواجهة منطق المحاور. هذا الخطاب لا يسحب فقط الشرعية السياسية من استخدام لبنان كساحة، بل يهدد بتحويل حزب الله من “قوة ردع” في السردية الإيرانية إلى عبء على الدولة والمجتمع والاقتصاد والاستقرار. وهذا التحول، إن تكرّس، سيكون أخطر على إيران من أي غارة إسرائيلية، لأنه يضرب أساس النفوذ لا مظاهره.

الأهم أن إيران تخوض هذه المعركة بعد خسارة كبرى في سوريا. فسوريا لم تكن بالنسبة إلى طهران حليفًا عاديًا، بل كانت العقدة الجغرافية التي منحت مشروعها الإقليمي عمقه وامتداده. عبر سوريا، وصل السلاح إلى لبنان، وتحوّل حزب الله من تنظيم محلي إلى قوة إقليمية، وامتلكت إيران ممرًا بريًا ونفوذًا سياسيًا وعسكريًا يصلها بالبحر المتوسط. ومع تآكل هذا الموقع السوري، لم تعد بيروت مجرد ورقة إضافية، بل أصبحت الورقة المتقدمة الأهم والأخطر في يد طهران.

لهذا السبب تقاتل إيران اليوم على لبنان وكأنها تقاتل على حدودها نفسها. فخسارة لبنان بعد سوريا تعني أن ما سُمّي لعقود “الهلال الشيعي” لم يعد هلالًا ممتدًا، بل قوسًا متصدعًا يفقد حلقاته تباعًا. وإذا تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، فإن العراق سيصبح تلقائيًا الساحة التالية للضغط. هناك أيضًا تتراكم الأسئلة حول سيادة الدولة، ودور الفصائل، وقرار الحرب والسلم، وحدود العلاقة مع طهران. وبالتالي فإن ما تخشاه إيران ليس خسارة لبنان وحده، بل مفعول الدومينو: دمشق أولًا، بيروت ثانيًا، ثم بغداد لاحقًا.

بهذا المعنى، تبدو طهران في وضع دفاعي عميق، حتى عندما ترفع سقف التهديد والهجوم. فالأنظمة والمشاريع الإقليمية لا تلجأ إلى التصعيد عندما تكون مطمئنة، بل عندما تشعر بأن أدواتها السياسية تتآكل. إيران اليوم تصعّد لأنها تدرك أن ميزان النفوذ الذي بنته خلال عقود يواجه لحظة اختبار حقيقية. لم يعد يكفي أن تمتلك حليفًا مسلحًا في لبنان؛ المطلوب بالنسبة إليها أن يبقى هذا الحليف قادرًا على فرض موقع لبنان في التفاوض. فإذا فقد حزب الله القدرة على جرّ الدولة اللبنانية خلفه، أو إذا نجحت بيروت الرسمية في تثبيت معادلة الفصل بين لبنان والمفاوضات الإيرانية، فإن الورقة اللبنانية تفقد قيمتها الاستراتيجية.

وهنا يظهر التناقض المركزي في السلوك الإيراني. طهران تقول إنها تدافع عن لبنان، لكنها في الواقع تدافع عن حقها في استخدام لبنان. تقول إنها ترفض العدوان الإسرائيلي، لكنها لا تمنح الدولة اللبنانية حق تقرير كيفية التعامل مع هذا العدوان. تتحدث عن السيادة، لكنها تريد سيادة مشروطة ببقاء قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. ترفع شعار حماية لبنان، لكنها تقبل بأن يبقى لبنان ساحة مفتوحة للقصف والرد والرد المضاد، ما دام ذلك يخدم معركتها الكبرى.

في المقابل، يحمل موقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللبنانية أهمية تتجاوز اللحظة. فالدعوة إلى فصل لبنان عن التفاوض مع طهران تعني أن الدولة اللبنانية تحاول، ولو متأخرة، استعادة تعريف المصلحة الوطنية. لم يعد مقبولًا أن يدفع اللبنانيون ثمن المفاوضات النووية، أو العقوبات على إيران، أو حسابات الحرس الثوري، أو رسائل الردع بين طهران وتل أبيب. ولم يعد ممكنًا إقناع اللبنانيين بأن خراب اقتصادهم، وانهيار دولتهم، وتحوّل بلدهم إلى ساحة حرب دائمة، هو كلفة طبيعية لمعادلة إقليمية لا يملكون قرارها.

لكن هذا التحول لا يزال هشًا. فلبنان الرسمي يستطيع إعلان الموقف، لكنه لا يملك بعد كل أدوات فرضه. حزب الله لا يزال قوة عسكرية وسياسية وازنة، وإيران لا تزال قادرة على التعطيل والتصعيد عبر حلفائها، والدولة اللبنانية لا تزال ضعيفة ومخترقة ومنهكة. لذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون خطابية فقط، بل ستكون معركة على تحويل الموقف السيادي إلى مسار سياسي فعلي: ضبط القرار الأمني، استعادة السياسة الخارجية، إعادة الاعتبار للمؤسسات، وبناء غطاء عربي ودولي يمنع عزل لبنان أو تركه وحيدًا أمام ضغط المحاور.

غير أن هشاشة الدولة لا تلغي أهمية التحول. في السياسة، تبدأ الانعطافات الكبرى أحيانًا بجملة. والجملة التي تخشاها إيران اليوم هي أن لبنان ليس ورقة تفاوض. هذه العبارة، إن تحولت إلى سياسة، تنسف أحد أعمدة النفوذ الإيراني في المشرق. لأنها تقول لطهران إن بيروت ليست امتدادًا لجنيف أو فيينا أو مسقط، وليست ملحقًا بالمفاوض الأميركي ـ الإيراني، وليست منصة لإرسال الرسائل الصاروخية. إنها دولة، أو على الأقل تحاول أن تعود دولة.

لذلك، فإن ما جرى الليلة يجب ألا يُقرأ فقط كاشتباك بين إيران وإسرائيل. هو في العمق اشتباك على لبنان نفسه: هل يبقى جزءًا من الجغرافيا السياسية الإيرانية، أم يعود جزءًا من النظام العربي والدولي الطبيعي؟ هل يبقى قرار الحرب فيه مرتبطًا بحسابات الحرس الثوري، أم ينتقل تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة؟ هل يبقى حزب الله ورقة حماية لإيران، أم يتحول إلى ملف لبناني داخلي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية؟

وفي مقابل هذا الهلال الإيراني المتآكل، تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء اصطفاف سياسي معاكس، لا يقوم على المذهب ولا على منطق الثأر، بل على فكرة الدولة والسيادة وحق الشعوب في تحرير قرارها الوطني من الوصاية الخارجية. يبدأ هذا الاصطفاف من التفاف لبناني واسع حول موقفي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لأن أي محاولة لفصل لبنان عن التفاوض الإيراني ستبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى جبهة داخلية عابرة للطوائف والأحزاب، عنوانها حماية الدولة لا حماية فريق سياسي بعينه. فالمطلوب اليوم ليس فقط تأييدًا لفظيًا لموقفيهما، بل مظلة وطنية صلبة تمنع عزلهما أو ابتزازهما أو تصويرهما كأنهما يخوضان مواجهة شخصية مع حزب الله أو إيران. هذه معركة سيادة، لا معركة رئاسة وحكومة فقط.

وهنا يأتي الدور العربي والغربي. فترك بيروت وحدها في هذه اللحظة يعني عمليًا دفعها إلى التراجع تحت ضغط السلاح والتعطيل والتهديد. لذلك، فإن المطلوب غطاء عربي واضح، سياسيًا وماليًا ودبلوماسيًا، يعيد ربط لبنان بعمقه الطبيعي، ويمنح الدولة أدوات الصمود. كما أن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي، مطالب بألا يتعامل مع الموقف اللبناني كهوامش جانبية في مفاوضاته مع طهران، بل كجزء أساسي من أي مقاربة جدية لكبح النفوذ الإيراني. فلا معنى لأي تفاوض مع إيران إذا كان ثمنه إبقاء لبنان والعراق وسوريا رهائن في يد الحرس الثوري.

ومن هنا يمكن الحديث عن “هلال معاكس” يمتد من بيروت إلى دمشق فبغداد، وصولًا إلى قلب طهران عبر المعارضة الإيرانية وقوى المجتمع الإيراني الرافضة لسياسات التمدد الخارجي. هذا الهلال لا يحتاج إلى جيوش موازية ولا إلى ميليشيات مقابلة، بل إلى جبهة سياسية وإعلامية ودبلوماسية تضغط على النظام الإيراني من نقاط ضعفه: في لبنان حيث تنكشف كلفة حزب الله على الدولة، وفي سوريا حيث تراجع الممر الإيراني، وفي العراق حيث يتصاعد السؤال الوطني حول دور الفصائل، وداخل إيران حيث يزداد غضب المجتمع من إنفاق الثروة والدم على مشاريع خارجية فيما الداخل يغرق في الأزمات. عندها فقط يصبح الضغط على طهران ضغطًا مركبًا: من حدود نفوذها، ومن داخل مجتمعها، ومن النظامين العربي والدولي معًا.

إيران تعرف أن خسارة لبنان ستعني أكثر من تراجع نفوذ. ستعني انكفاء المشروع إلى الداخل. ستعني أن طهران، التي تفاوضت طويلاً بوصفها قوة تتحكم بأربع عواصم عربية أو تؤثر فيها، قد تضطر يومًا إلى التفاوض كدولة محاصرة داخل حدودها، لا كإمبراطورية نفوذ عابرة للحدود. وهذا هو المعنى الحقيقي لأفول الهلال: ليس اختفاء إيران كدولة، بل سقوط قدرتها على استخدام الدول الأخرى كامتدادات أمنية وسياسية لها.

من هنا، تبدو معركة لبنان مفصلية. فبيروت اليوم ليست ساحة هامشية في صراع كبير؛ إنها الاختبار المركزي لما تبقى من المشروع الإيراني في المشرق. إذا تمكنت طهران من إعادة ربط لبنان بمفاوضاتها، تكون قد أنقذت آخر منصاتها المتوسطية، ولو مؤقتًا. أما إذا نجحت الدولة اللبنانية في تثبيت قرار الفصل، ووجدت دعمًا عربيًا ودوليًا جديًا، فإن إيران ستكون أمام بداية مرحلة مختلفة: مرحلة الانكماش، لا التمدد؛ الدفاع، لا الهجوم؛ والعودة التدريجية إلى الحدود، لا التحكم بالعواصم.

في النهاية، ليست المعركة حول من أطلق الصاروخ ومن اعترضه. وليست حول بيان إدانة أو رد دبلوماسي. المعركة الحقيقية هي على ملكية القرار اللبناني. إيران تريد لبنان ورقة، والدولة اللبنانية تحاول أن تعيده وطنًا. وبين الورقة والوطن تدور الآن واحدة من أخطر معارك المشرق: معركة ما بعد سوريا، وما قبل العراق، ومعركة تحديد ما إذا كان عصر الهلال الإيراني يلفظ أنفاسه الأخيرة من بوابة بيروت.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...