الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

الضربة المحدودة في إيران: هل خالف نتنياهو ترامب أم نجحت طهران في تفجير الخلاف بين الحليفين؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم تكن الضربة الإسرائيلية المحدودة في إيران مجرد تفصيل عسكري في سلسلة الضربات والضربات المضادة بين طهران وتل أبيب. فهي جاءت بعد اتصال واضح بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طلب خلاله ترامب عدم الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني، خشية أن يؤدي التصعيد إلى نسف فرصة التوصل إلى تفاهم مع طهران. لكن إسرائيل ردّت، ولو بضربة محسوبة ومحدودة، لتفتح سؤالًا سياسيًا بالغ الحساسية: هل خالف نتنياهو رغبة ترامب، أم أن إيران نجحت في دفع الحليفين إلى منطقة رمادية من الخلاف؟

الجواب الأدق أن نتنياهو لم يذهب إلى كسر كامل للإرادة الأميركية، لكنه لم يمتثل لها بالكامل أيضًا. فالرد المحدود في إيران كان محاولة إسرائيلية لصناعة معادلة وسطى: لا حرب واسعة مع إيران، ولا صمت كامل بعد تعرض إسرائيل لهجوم صاروخي مباشر. بمعنى آخر، أراد نتنياهو أن يقول لترامب إنه لا يريد تفجير المفاوضات الأميركية مع طهران، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع قبول معادلة تسمح لإيران بالضرب ثم الاحتماء بالرغبة الأميركية في التهدئة.

هنا تكمن دقة المشهد. لو كان الرد الإسرائيلي واسعًا ومباشرًا على منشآت استراتيجية إيرانية كبرى، لكان ذلك تمردًا صريحًا على طلب ترامب. ولو امتنعت إسرائيل تمامًا عن الرد، لكانت طهران قد خرجت بصورة من فرضت معادلة ردع جديدة تحت المظلة الأميركية. لذلك اختارت تل أبيب، على ما يبدو، ردًا محدودًا داخل إيران: ضربة تكفي لحفظ ماء وجه الردع الإسرائيلي، لكنها لا تبلغ مستوى الحرب الشاملة التي يخشاها البيت الأبيض.

لكن هذا لا يلغي أن إيران حققت مكسبًا سياسيًا مهمًا. فهي لم تكن بحاجة إلى زرع الخلاف من الصفر بين ترامب ونتنياهو؛ الخلاف كان موجودًا أصلًا. ترامب يريد اتفاقًا مع إيران، ويريد منع أي تصعيد قد يضعه أمام خيار الحرب أو الانهيار الدبلوماسي. أما نتنياهو فيريد إبقاء حرية الحركة الإسرائيلية مفتوحة، خصوصًا بعد ضربات الضاحية الجنوبية لبيروت والهجوم الصاروخي الإيراني. ما فعلته طهران أنها دفعت هذا التباين إلى السطح، وجعلت كل طرف مضطرًا إلى اختبار حدود الآخر.

بهذا المعنى، لم تنجح إيران في شق التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، لكنها نجحت في كشف التوتر داخله. فالضربة الإسرائيلية المحدودة تقول إن نتنياهو لا يستطيع تجاهل ترامب، لكنها تقول أيضًا إن ترامب لا يستطيع منع إسرائيل بالكامل من الرد. وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما تريده طهران: أن يصبح كل رد إسرائيلي اختبارًا للعلاقة مع واشنطن، وأن تصبح كل ضربة في لبنان أو إيران مادة ضغط على مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني.

الأخطر أن إيران حاولت إدخال لبنان في قلب هذه المعادلة. فحين تقول الخارجية الإيرانية إن لبنان جزء من تفاهم وقف إطلاق النار، وإن واشنطن تتحمل مسؤولية مباشرة عن انتهاكات إسرائيل، فهي لا تدافع عن السيادة اللبنانية بقدر ما تحاول تحويل لبنان إلى بند تفاوضي مع الأميركيين. الرسالة الإيرانية واضحة: إذا أردتم التهدئة مع طهران، فعليكم ضبط إسرائيل في لبنان. وإذا ضربت إسرائيل الضاحية أو حزب الله، فإن طهران ستعتبر ذلك جزءًا من الصراع معها، لا ملفًا لبنانيًا منفصلًا.

من هنا تصبح الضربة المحدودة في إيران أكثر من عملية عسكرية محسوبة. إنها إشارة إلى أن نتنياهو يرفض القاعدة الإيرانية الجديدة: أن تتحول الضاحية الجنوبية إلى خط أحمر تفاوضي بين واشنطن وطهران، وأن يصبح لبنان ورقة إيرانية ملزمة للأميركيين والإسرائيليين معًا. لكن في المقابل، حرصت إسرائيل على أن يكون الرد محدودًا كي لا تمنح إيران ذريعة لتوسيع الحرب، ولا تضع ترامب أمام إحراج مباشر وكامل.

إيران، من جهتها، ستتعامل مع الضربة المحدودة بطريقتين. في الداخل، قد تقلل من شأنها كي لا تضطر إلى رد كبير يهدد المفاوضات. وفي الخارج، ستستخدمها لتأكيد روايتها بأن إسرائيل لا تلتزم بأي تهدئة، وأن واشنطن عاجزة أو غير راغبة في ضبط حليفها. وبذلك تحاول طهران أن تحوّل ضربة محدودة ضدها إلى ورقة سياسية ضد ترامب ونتنياهو معًا.

أما نتنياهو، فقد اختار لعبة دقيقة: الرد من دون الانفجار. فهو لا يريد أن يظهر أمام الداخل الإسرائيلي كمن رضخ لطلب ترامب، ولا يريد في الوقت نفسه أن يتحمل مسؤولية تدمير فرصة تفاوض أميركية مع إيران قد يحمّله البيت الأبيض كلفتها. لذلك جاء الرد المحدود رسالة بثلاثة اتجاهات: إلى إيران بأن إسرائيل لن تسكت، إلى ترامب بأن إسرائيل ضبطت سقف الرد، وإلى الداخل الإسرائيلي بأن الحكومة لم تبتلع الضربة الإيرانية بلا مقابل.

في المحصلة، لم يخالف نتنياهو ترامب بالكامل، لكنه اختبر حدود طلبه. ولم تزرع إيران الخلاف بين واشنطن وتل أبيب، لكنها نجحت في استثماره وتوسيعه. أما لبنان، فهو يبقى قلب اللعبة: إيران تريد تثبيته كورقة في التفاوض، وترامب يريد منع انفجاره كي لا تسقط المفاوضات، ونتنياهو يريد ضرب حزب الله من دون أن يصبح كل تحرك إسرائيلي في لبنان سببًا لصدام مع واشنطن.

وهذا هو المعنى السياسي الأعمق للضربة المحدودة في إيران. إنها ليست نهاية التصعيد، بل إدارة دقيقة له. إسرائيل ردّت كي لا تسقط هيبتها. ترامب ضغط كي لا تسقط مفاوضاته. إيران صعّدت كي لا تخسر ورقة لبنان. وبين هذه الحسابات الثلاث، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الهشاشة: ضربة محدودة قد تمنع حربًا واسعة مؤقتًا، لكنها تكشف أن كل الأطراف باتت تتحرك على حافة الانفجار.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...