الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

أكثر من مطرب

كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في ذاكرة أجيال عربية كاملة، أكثر من مغنٍ ضرير يعزف على العود ويغني في غرفة صغيرة من حواري القاهرة. كان ظاهرة سياسية وثقافية وفنية، خرجت من الهامش لتواجه المركز، ومن الفقر لتفضح قصور السلطة، ومن العتمة الجسدية إلى بصيرة نادرة رأت ما حاولت الأنظمة أن تخفيه عن شعوبها.

النشأة والبدايات

ولد الشيخ إمام في قرية أبو النمرس بمصر عام 1918، وفقد بصره في طفولته، لكنه حفظ القرآن وتشرّب المقامات والإنشاد الديني، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويدخل عوالم الموسيقى الشعبية والطرب القديم.

غير أن ولادته الفنية الحقيقية جاءت مع لقائه بالشاعر أحمد فؤاد نجم في أوائل الستينيات. عندها تشكلت واحدة من أهم الثنائيات في تاريخ الأغنية السياسية العربية: نجم يكتب بلغة الناس، ساخرة وحادة وموجعة، وإمام يلحن ويغني بصوت خشن صادق، لا يشبه أصوات الإذاعة الرسمية ولا يخضع لقواعد الزينة الطربية التي كانت ترضي السلطة والصالونات.

صوت لا يكذب

لم يكن الشيخ إمام صاحب صوت جميل بالمعنى التقليدي، لكنه كان صاحب صوت لا يكذب. وكانت هذه هي خطورته. فالأنظمة لا تخاف دائما من الجمال، لكنها تخاف من الصدق حين يصير أغنية يرددها الطلبة والعمال والفقراء والمثقفون في الشوارع والسجون والجامعات.

لذلك ارتبط اسم الشيخ إمام منذ أواخر الستينيات بالأغنية الاحتجاجية، وباليسار المصري والعربي، وبحركات الطلبة، وبالوجدان الشعبي الرافض للهزيمة والقمع والتبعية.

النكسة وكسر أوهام الناصرية

بعد هزيمة يونيو 1967، وجد الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم نفسيهما في مواجهة مباشرة مع أسطورة السلطة الناصرية. لم يقبلا الخطاب الرسمي الذي أراد تحويل الكارثة إلى مجرد كبوة عابرة أو مؤامرة خارجية. غنّيا للمهزومين لا للمهزوم الذي يدّعي الانتصار، وسخرا من البلاغة السلطوية التي كانت تطلب من الشعب التصفيق بينما الجرح مفتوح.

من هنا جاءت أغنية «الحمد لله خبطنا»، بمطلعها الساخر:

«الحمد لله خبطنا
تحت بطاطنا
يا محلا رجعة ظباطنا
من خط النار»

كانت الأغنية، بما فيها من مرارة وسخرية جارحة، واحدة من العلامات التي فتحت باب الصدام مع نظام عبد الناصر، لأنها لم تكتفِ برثاء الهزيمة، بل فضحت اللغة التي حاولت تجميلها وتبريرها.

كان موقف الشيخ إمام من الناصرية شديد التعقيد. لم يكن عداء سطحيا لشخص عبد الناصر، بقدر ما كان رفضا لتحول المشروع الوطني والاجتماعي إلى سلطة مغلقة، تقمع خصومها، وتحتكر الحقيقة، وتطلب من الناس أن تؤمن بالزعيم حتى بعد الهزيمة.

لقد رفض إمام أوهام الناصرية حين أصبحت بديلا عن الحرية، ورفض أن تتحول العدالة الاجتماعية إلى شعار يردده الإعلام بينما يمتلئ السجن بالمعارضين. لذلك دفع هو ونجم الثمن: الاعتقال، والمنع، والملاحقة، والتهم الجاهزة.

السادات والانفتاح ونيكسون

ومع السادات، ازداد صوت الشيخ إمام حدة. فقد رأى في سياسة الانفتاح طبعة جديدة من الظلم الطبقي، وفي التقارب مع الولايات المتحدة خروجا من حلم التحرر الوطني إلى منطق التبعية.

لذلك جاءت أغنية «شرفت يا نيكسون بابا» واحدة من أجرأ الأغاني السياسية العربية، لأنها سخرت من مشهد استقبال رئيس أميركي باعتباره رمزا للهيمنة، وكشفت كيف يمكن للسلطة أن تلبس التبعية ثوب الاحتفال الرسمي.

أما «هما مين وإحنا مين»، فبقيت من أهم أغاني الفرز الطبقي في الوجدان العربي: سؤال بسيط، لكنه يهدم عالما كاملا من الادعاءات. من هم الذين يملكون ويحكمون ويقررون؟ ومن نحن الذين ندفع الثمن ونصمت ونُطلب منا التصفيق؟

جيفارا والضمير الثوري العالمي

في أغنية «جيفارا مات»، لم يكن الشيخ إمام يرثي رجلا فقط، بل كان يرثي حلما ثوريا عالميا ويعيد إشعاله في الوقت نفسه. الأغنية لا تقول إن الثورة ماتت بموت جيفارا، بل تقول إن جسد المناضل قد يغيب، أما الفكرة فتظل قابلة للولادة في كل أرض مظلومة.

لهذا خرجت الأغنية من حدود مصر إلى اليسار العربي والعالمي، وصارت جزءا من ثقافة جيل يرى في فيتنام وكوبا وفلسطين ومصر حلقات في معركة واحدة ضد القهر والاستعمار والاستغلال.

فلسطين في وجدان الشيخ إمام

هنا تحديدا يظهر البعد الفلسطيني في تجربة الشيخ إمام. ففلسطين لم تكن عنده موضوعا خارجيا أو قضية تضامن عابرة، بل كانت جزءا من الضمير السياسي نفسه الذي جعله يغني ضد الفقر والقمع والهزيمة.

كانت فلسطين عنده مرآة العرب: فيها يظهر عجز الأنظمة، وصدق الشعوب، وخيانة الخطابات الكبيرة حين لا تتحول إلى فعل.

«يا فلسطينية»: أغنية الكرامة والمقاومة

أغنية «يا فلسطينية» من أبرز ما غناه الشيخ إمام لفلسطين. وهي ليست أغنية بكائية تقليدية، ولا مرثية تستدعي الشفقة، بل أغنية تعبئة وكرامة. في هذه الأغنية تظهر فلسطين لا كضحية ساكنة، بل كامرأة مقاتلة، كأرض حية، وكنداء مفتوح للمقاومة.

كان إمام يغني فلسطين بلهجة مصرية شعبية، لكن المستمع العربي كان يشعر أن الأغنية تخصه أينما كان. هذا سر الشيخ إمام: كان يغني من حارة مصرية ضيقة، لكن صوته يصل إلى المخيم والجامعة والشارع العربي كله.

«تل الزعتر»: المخيم بوصفه جرحا عربيا

أما أغنية «تل الزعتر»، فهي من أكثر أغانيه التصاقا بالجراح الفلسطينية واللبنانية معا. تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم، بل صار رمزا لمأساة الفلسطيني المحاصر، وللوحشية التي تعرضت لها المخيمات، ولعجز النظام العربي عن حماية من ادعى دائما أنه يقاتل من أجلهم.

حين غنى الشيخ إمام تل الزعتر، لم يغنه كخبر سياسي، بل كجرح مفتوح في الجسد العربي. كانت الأغنية إدانة للحصار والمجزرة، لكنها كانت أيضا إدانة للصمت، وللأنظمة التي تتكلم كثيرا عن فلسطين ثم تترك الفلسطيني وحيدا أمام الموت.

فلسطين ليست شعارا

في أغنياته الفلسطينية، لم يسقط الشيخ إمام في لغة الشعارات الرسمية. لم يغن لفلسطين كما تغني الإذاعات في المناسبات، ولم يحولها إلى ديكور قومي. كان يرى أن تحرير فلسطين لا ينفصل عن تحرير الإنسان العربي من الخوف والجوع والاستبداد.

لذلك كان البعد الفلسطيني في أغانيه امتدادا طبيعيا لمعركته مع السلطة في مصر. من يقمع شعبه لا يستطيع تحرير فلسطين. ومن يجوع الفقراء لا يستطيع ادعاء البطولة القومية. ومن يبيع قراره السياسي لا يستطيع أن يغني للقدس إلا كاذبا.

الربط بين القمع والاحتلال

كان الشيخ إمام خطيرا لأنه ربط بين فلسطين والعدالة الاجتماعية، بين الهزيمة العسكرية والقمع الداخلي، بين السجن في القاهرة والمخيم في بيروت، بين العامل المصري والفدائي الفلسطيني، بين الجوع والاحتلال.

لم تكن فلسطين عنده خريطة بعيدة، بل كانت امتحانا أخلاقيا للأنظمة وللمثقفين وللفنانين.

الحب عند الشيخ إمام: العاشق الثوري لا يتوب

ولم يكن الشيخ إمام صوت السياسة وحدها، بل كان أيضا صوت العاشق الشعبي البسيط، ذلك العاشق الذي لا يتناقض حبه مع ثوريته، بل يكملها. فمن منا لم يغنِّ وهو عاشق شاب ثوري: «أنا أتوب عن حبك أنا»؟ تلك الأغنية التي تعبر عن حالة العاشق الباحث عن قرب الحبيب، المشتاق إلى دفء اللقاء، والمتعلق بمن شغله حبا وقلقا: «وأنا لي بقربك هنا، أنا بترجاك الله يجازيك، يا شاغلني معاك وشاغلني عليك».

في هذه الأغنية لا يظهر الحب كترف عاطفي، بل كقدر لا يملك صاحبه الفكاك منه. فالعاشق عند الشيخ إمام لا يتغير، ولا يشفى، ولا يبدل قلبه مهما طال الغياب؛ يعلن التوبة من الحب كمن يعرف أنه عاجز عنها، ويقول بصدق العاشق المأسور: «وإن غبت سنة، أنا برضو أنا، لا أقدر أنساك ولا لي غنى، أنا أتوب عن حبك أنا». هكذا جعل إمام من أغنية الحب اعترافا إنسانيا صادقا، يلتقي فيه العاشق بالثائر: كلاهما مخلص لما يؤمن به، وكلاهما لا يعرف الخيانة حين يحب.

الفن الرسمي وأم كلثوم

من هنا يمكن فهم معارضته للفن الرسمي، ومنه موقفه الحاد من أم كلثوم بوصفها رمزا للفن المرتبط بالسلطة في ذلك الزمن.

لم يكن الصدام مع أم كلثوم صداما مع قيمتها الفنية الكبرى، فمكانتها الطربية لا يمكن إنكارها، بل كان صداما مع وظيفة الفن حين يتحول إلى أداة لتخدير الناس أو تزيين صورة الحاكم.

كان الشيخ إمام ونجم ينظران إلى الأغنية الرسمية الطويلة، التي تمجد الزعيم وتحتفي بالدولة، باعتبارها جزءا من آلة صناعة الوهم. أما أغنيتهما فكانت على النقيض: قصيرة، ساخرة، حادة، فقيرة في أدواتها، غنية في معناها، ومصنوعة لكي توقظ لا لكي تنوم.

العود كمنشور سياسي

لم يكن عود الشيخ إمام مجرد آلة موسيقية. كان كأنه منشور سياسي، أو صحيفة سرية، أو حجر في مظاهرة. لذلك انتشرت أغانيه عبر الكاسيتات والنسخ المتداولة سرا، لا عبر الإذاعات الرسمية.

كان جمهوره يعرفه رغم المنع، ويحفظ أغانيه رغم التعتيم. في الجامعات والمقاهي والمعتقلات والبيوت اليسارية والمخيمات، صار صوته علامة على الانحياز: إذا كنت تسمع الشيخ إمام، فأنت غالبا لا تصدق الرواية الرسمية كلها.

أغنيات كسيرة شعب كامل

لقد غنى «آه يا عبد الودود» و«هما مين وإحنا مين» و«جيفارا مات» و«شرفت يا نيكسون بابا» و«يا فلسطينية» و«تل الزعتر» و«أنا أتوب عن حبك أنا» وغيرها، لا بوصفها أعمالا منفصلة، بل كفصول في سيرة واحدة: سيرة الإنسان العربي المقهور وهو يحاول أن يفهم من سرق صوته، ومن زوّر أحلامه، ومن باع قضيته، ومن طلب منه أن يصفق للهزيمة، ومن علّمه الحب أن الوفاء موقف لا يقل نبلا عن الثورة.

الرحيل والبقاء

توفي الشيخ إمام في يونيو 1995، لكن صوته لم يمت. بقي حاضرا لأن الأسئلة التي غناها لم تنته: من يملك البلاد؟ من يدفع ثمن الهزائم؟ لماذا تتحول الثورات إلى أجهزة أمن؟ لماذا يصبح الفن بوقا للسلطة؟ ولماذا تبقى فلسطين وحدها تكشف حقيقة الجميع؟

ضرير أبصر ما لم يبصره الآخرون

كان الشيخ إمام ضريرا، لكن عماه لم يكن إلا مفارقة جارحة؛ فقد رأى ببصيرته ما عجز كثير من المبصرين عن رؤيته. رأى أن الأغنية يمكن أن تكون موقفا، وأن السخرية يمكن أن تكون مقاومة، وأن فلسطين ليست قضية حدود بل قضية ضمير، وأن الحب ليس هروبا من الثورة بل أحد وجوهها الإنسانية، وأن الفن الذي لا يقف إلى جانب المظلومين يتحول، مهما بلغ جماله، إلى موسيقى في بلاط الخديعة.

لذلك لم يكن الشيخ إمام مجرد مطرب لجيل مضى. كان صوتا لمن لا صوت لهم، وضميرا غنائيا عربيا، وواحدا من القلائل الذين جعلوا الأغنية الشعبية وثيقة اتهام ضد السلطة، ورسالة حب إلى الفقراء والعاشقين، وراية مفتوحة لفلسطين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

حوار عربي–صيني معمق في جامعة شي بي حول العلاقات الدولية ودراسات الأحزاب

أخباركم - أخبارنا شيآن – الصين: واصل وفد الأحزاب اليسارية من البلدان العربية، الذي يزور...

إبراهيم اليوسف وجكرخوين: حين يتحول الكتاب إلى وفاء لذاكرة شاعر وأمة

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا...

بين قضبان الظلم وتغريدة الحرية: عندما يعود إحساس فضل شاكر ليصالح الدنيا

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود أخيراً، تنفست الموسيقى الصعداء، وعادت النبضة التي غابت طويلاً لتملأ...