أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي أمضى سنواته الأخيرة صامتاً، حتى كاد يتحول إلى لغز سياسي، لم يكن من صنف السياسيين الذين يملأون المجالس بالنكات والحكايات. لم يكن يملك خفة دم ياسر عرفات، ولا سخرية وليد جنبلاط، ولا شعبوية بعض زعماء لبنان. لكنه كان يملك شيئاً آخر: اللمعة.
كان سحره الخاص يوقعك في الحيرة حين يقف خطيباً في مهرجان، حتى لو كانت المناسبة تأبين شهيد. يختلط عليك الأمر وأنت تسمعه: أيلقي شعراً أم نثراً؟ فالبلاغة طاغية، وخطابه مؤثر في الناسطين له.
وليس تفصيلاً أن يتمتع الرجل السياسي بموهبة إيصال الفكرة أو الموقف بدعابة تصل إلى القلب والعقل معاً.
كان يطلق جملة واحدة فتختصر ساعات من النقاش، أو يمرر ملاحظة عابرة فتتحول إلى طرفة تعيش سنوات في ذاكرة رفاقه.
ربما بدأت الحكاية يوم دخل على جمال عبد الناصر في القاهرة. كان الرئيس المصري قد قرأ مقالاته وأُعجب بها، ورسم في مخيلته صورة كاتب مخضرم مهيب الملامح. وحين دخل الشاب اللبناني النحيل إلى مكتبه، نظر إليه عبد الناصر بدهشة وقال:
«هو إنت؟»
ضحك الرجلان، وبقيت العبارة عالقة في الذاكرة. كانت أول اعتراف رسمي بأن حجم الكاتب لا يُقاس بحجم جسده.
لاحقاً، وبعد أن عرف جمال عبد الناصر وكمال جنبلاط وياسر عرفات وجورج حاوي عن قرب، سُئل محسن إبراهيم عن سبب ابتعاده عن السياسة، فأجاب بجملة تشبهه:
«من عمل مع جمال عبد الناصر وكمال جنبلاط، مع مَن يمكن أن يعمل؟»
لم تكن مزحة كاملة، ولم تكن مرارة كاملة، بل كانت خليطاً من الاثنين.
أما كمال جنبلاط، فكان يملك حساً خاصاً تجاه محسن إبراهيم. ذات يوم وجد حلاً سحرياً لمشكلة الشيوعي في منظمة العمل، فقال له:
«يا أبا خالد، شِل الواو بيمشي الحال، فأنت سيد ومن سلالة الرسول.»
وكان المعلم أحياناً ينظر إلى رأس محسن الحليق ويقول:
«كم تحت هذه القرعة من عبقرية.»
لم يكن يجامله، بل كان يصف رجلاً يستطيع أن يحول الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى برنامج، والبرنامج إلى بيان سياسي من عشر صفحات.
ولعل هذا ما جعل الرفاق يقولون:
«كمال جنبلاط ينتج الفلسفة، ومحسن إبراهيم يكتب دليل الاستعمال.»
أما مع ياسر عرفات، فكانت العلاقة مختلفة. عرفات ابن الحركة والاندفاع والوعود الكبيرة، ومحسن إبراهيم ابن التدقيق والحسابات.
في أحد الاجتماعات كان عرفات يدون مطالب الحركة الوطنية اللبنانية. وحين انتهى، نظر محسن إلى الورقة وقال:
«ما تمزح مع كمال بيك… حط النقطة.»
وكانت «النقطة» تعني: للتنفيذ. أما من دونها، فسيكون جواب أمين المستودع: «ما عندنا».
ولذلك كان بعض المقربين يمازحون:
«عرفات يعد بالمستقبل، ومحسن يسأل عن التفاصيل.»
بل إنهم كانوا يضيفون:
«كمال جنبلاط ينتج الفكرة، ومحسن إبراهيم يصوغ الخطة، وياسر عرفات يؤمّن الإمكانات.»
هكذا كان الثلاثة في المخيلة السياسية لجيل كامل.
أما جورج حاوي، فكان قصة مختلفة. هنا لا نتحدث عن حليف أو صديق فحسب، بل عن رفيق عمر.
وكان اليساريون يقولون:
«إذا أردت بياناً سياسياً متقناً فاذهب إلى محسن إبراهيم، وإذا أردت مهرجاناً يهتز له الجمهور فاذهب إلى جورج حاوي.»
ويقولون أيضاً:
«جورج يقنع مئة عامل بخوض إضراب، ومحسن يشرح لهم لماذا خاضوه بعد انتهائه.»
كان حاوي رجل المنبر، وكان محسن رجل الورقة والقلم.
أما عن بيان تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)، فقد كتبه جورج حاوي وسلمه إلى محسن إبراهيم، فعلق عليه قائلاً:
«كنت أعرفك كاتباً، لكن يبدو أنك أديباً.»
وكان يقصد بذلك بلاغة لغة البيان.
لكن أجمل دعابة قالها محسن عن جورج جاءت يوم رحل جورج نفسه.
وقف يرثيه وقال:
«وها هو يسبقني، كعادته عندما يتعلق الأمر بالتسامح في حساب المجازفات.»
ثم اختصر خمسين عاماً من الصداقة بجملة واحدة:
«سبقني… كعادته.»
هنا بلغت الدعابة ذروة النبل. لم تعد نكتة، بل أصبحت طريقة لمواجهة الحزن.
وكان اليسار اللبناني كله مادة دائمة لدعابة محسن إبراهيم ورفاقه.
فمن أشهر ما كانوا يرددونه:
«اجتمع ثلاثة يساريين فأسسوا أربعة أحزاب.»
وأحياناً:
«اجتمع ثلاثة يساريين لتوحيد اليسار… فخرجوا بخمسة تنظيمات.»
وكانوا يقولون:
«أنجزنا نصف الثورة وخسرنا ثلاث ساعات على فاصلة.»
بل إن بعضهم لخّص المأساة كلها بعبارة أخرى:
«إذا استمر النقاش بهذا العمق فلن يبقى حزب نختلف داخله.»
كانوا يضحكون، لكنهم كانوا يعرفون أن النكتة تحمل شيئاً من الحقيقة.
ومع مرور السنوات، صار صمت محسن إبراهيم نفسه موضوعاً للمساءلة.
كان الصحافيون يقولون:
«إذا تكلم محسن إبراهيم أسبوعاً كاملاً فلن ينتهي من رواية أسرار السبعينيات.»
ويرد رفاقه:
«أبو خالد يعرف نصف أسرار الحرب، وأخذ النصف الآخر معه إلى الصمت.»
وهكذا رحل الرجل.
لم يترك وراءه كتاباً في الطرائف، ولم يدوّن مذكرات مليئة بالحكايات، لكنه ترك عشرات اللمعات الصغيرة التي تكشف شيئاً من شخصيته: ذكاءً حاداً، وسخرية مهذبة، وطرافة تظهر في اللحظة المناسبة تماماً.
كنا نلتقيه في مقهى عقل في شتورا أثناء ذهابه إلى دمشق مع زملائه في قيادة الحركة الوطنية اللبنانية. وفي المرة الأولى التي التقيته فيها كنت أظن أنه لا يعرفني، فأردت أن أعرّفه بنفسي. قلت له إن زملاءنا ينعتوننا بأننا «حاتم الخشن في البقاع الغربي وأنا»، ثنائي يشبه ثنائيتكما أنت وأبو أنيس. فأجابني بكلمة واحدة:
«أعرف.»
فبُهِتُّ.
كان كثيرون يخطبون أفضل منه.
وكان كثيرون يضحكون أكثر منه.
لكن قلة قليلة فقط كانت تستطيع أن تختصر مرحلة كاملة من تاريخ لبنان بطرفة واحدة.»



