الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي بالكتب والمراجع التي أحتاجها للاستمرار في أبحاثي وقراءاتي في تاريخ اليسار اللبناني والعربي. وفي كل مرة يرسل لي كتاباً أو وثيقة، أشعر أن هناك يداً رفيقة تفتح أمامي باباً جديداً على ذاكرة كادت تضيع بين الرفوف، أو بين النسيان، أو بين ما تركته الهزائم فينا من غبار. آخر ما فعله الرفيق محمد أنه قام بتحضير نسخة PDF من كتاب الرفيق الراحل غسّان الرفاعي، «اليسار الحقيقي واليسار المغامر»، وأرسله لي بعناية واهتمام. وأنا أستغل كتابة هذا المقال لأقول له شكراً، لا على الملف وحده، بل على تلك الروح الرفاقية التي تجعل المعرفة عملاً جماعياً، وتجعل حفظ الذاكرة جزءاً من الوفاء لمناضلين كتبوا وفكروا واختلفوا ودفعوا أثمان خياراتهم.

فالكتب، خصوصاً كتب اليسار القديمة، ليست ورقاً فقط. إنها بقايا معارك، وأصوات رفاق، وآثار زمن كانت فيه الكلمة جزءاً من الصراع. وحين نعود اليوم إلى كتاب غسّان الرفاعي هذا، لا نعود إلى نص بارد أو إلى جدل منتهٍ، بل إلى لحظة كاملة من تاريخ اليسار اللبناني، لحظة كان فيها السؤال عن الثورة، وعن فلسطين، وعن الحزب، وعن الطبقة، وعن التحالفات، سؤالاً يومياً حاراً، لا تمريناً نظرياً.

كتب غسّان الرفاعي «اليسار الحقيقي واليسار المغامر» باسم مستعار هو «يساري لبناني»، لكنه لم يكتب نصاً مجهول الهوية السياسية. فالكتاب، من أول صفحاته، يتكلم بلغة خط محدد داخل اليسار اللبناني: خط الحزب الشيوعي اللبناني في مواجهة تيار محسن إبراهيم و«جماعة الحرية»، أي ذلك التيار الذي خرج من رحم حركة القوميين العرب، ثم من منظمة الاشتراكيين اللبنانيين، وصولاً إلى تبلور منظمة العمل الشيوعي في لبنان. لذلك لا ينبغي قراءة الكتاب كخصومة شخصية بين الرفاعي وإبراهيم، بل كوثيقة تأسيسية في تاريخ الانقسام اليساري اللبناني حول سؤال المرحلة: ما هي الثورة الممكنة في لبنان والعالم العربي بعد هزيمة 1967؟

كان الخلاف بين الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي، في جذره، خلافاً على ثلاث مسائل كبرى. أولاً، الموقف من هزيمة حزيران: هل كشفت الهزيمة عجز الأنظمة القومية وحدها، أم كشفت أيضاً عجز الأحزاب الشيوعية التي حافظت على تحالفات أو مراهنات مع تلك الأنظمة؟ ثانياً، الموقف من المقاومة الفلسطينية والعمل الفدائي: هل يصبح العمل الفدائي، بعد 1967، مركز السياسة اليسارية ومعيار الثورية، أم يبقى جزءاً من استراتيجية أوسع تحتاج إلى تحليل طبقي وتحالفات وبرنامج سياسي؟ ثالثاً، طبيعة الثورة في لبنان: هل المطلوب قفزة اشتراكية مباشرة، أم مهمة مرحلية عنوانها إسقاط حكم الطغمة المالية وبناء تحالف ديمقراطي ـ وطني واسع؟

من هنا تنبع أهمية الكتاب. فهو ليس رداً دفاعياً فقط، بل محاولة لإعادة تعريف اليسار نفسه. فالرفاعي لا يناقش خصومه على أساس أنهم أقل حماسة أو أقل إخلاصاً؛ بل يتهمهم بأنهم يقعون في مرض سياسي نظري: استبدال التحليل بالشعار، واستبدال الاستراتيجية بالمزايدة. ولهذا يضع منذ البداية معياراً صارماً للثورية: ليست الثورية أن تقول أكثر العبارات حدة، بل أن تحدد الحلقة السياسية الصحيحة في اللحظة التاريخية الصحيحة.

أولاً: معنى «المغامرة» عند الرفاعي

مفهوم «المغامرة» في الكتاب لا يعني، عند الرفاعي، الشجاعة الزائدة أو الرغبة العنيفة في التغيير. إنه يعني شيئاً أدق: القفز فوق الشروط التاريخية والاجتماعية للعمل الثوري. اليسار المغامر، بحسب الكتاب، لا يرى الواقع في تعقيده؛ يرى فقط الشعار الذي يريد أن يرفعه. لذلك يصف الرفاعي خصومه بأنهم يتعاملون مع الثورية كما لو أن «الإفراط في الثورية» هو الطريق إلى إثبات النقاء السياسي.

هذه العبارة مفتاحية. فالرفاعي يهاجم هنا منطقاً لا موقفاً منفرداً. إنه يقول إن بعض اليساريين، بدل أن يقرأوا الواقع، يزايدون عليه؛ وبدل أن ينتجوا خطاً سياسياً قابلاً للتحقق، ينتجون لغة قصوى. لذلك نقرأ في الكتاب نقداً واضحاً لفكرة أن رفع الشعارات الجذرية يكفي لبناء خط ثوري. فالمشكلة، في نظره، ليست أن محسن إبراهيم وجماعته يريدون الثورة، بل أنهم يريدونها من دون المرور بما يسميه الرفاعي التحليل الملموس للواقع الملموس.

ولهذا يستحضر الرفاعي، في مقدمة الكتاب، عبارة لينينية بالغة الدلالة: «لا يكفي المرء أن يكون ثورياً». الجملة هنا ليست زينة نظرية. إنها حجر الأساس في بناء الرد. فأن تكون ثورياً، في منطق الرفاعي، لا يعني أن تعلن انتماءك إلى الاشتراكية أو إلى الثورة العالمية؛ بل أن تعرف في كل مرحلة «الحلقة الخاصة» التي يجب الإمساك بها. لذلك يصبح الخلاف مع منظمة العمل الشيوعي، قبل ولادتها التنظيمية المكتملة، خلافاً حول تحديد الحلقة المركزية: هل هي الانخراط غير المشروط في موجة اليسار الفدائي الجديد، أم بناء استراتيجية لبنانية ـ عربية تربط الوطني بالطبقي والمرحلي بالاستراتيجي؟

ثانياً: السجال حول «الأسلوب» ليس لغوياً بل سياسي

يفرد الرفاعي مساحة مبكرة للحديث عن أسلوب محسن إبراهيم في مقالاته المنشورة في «الحرية». قد يبدو الأمر للوهلة الأولى نقاشاً في لهجة الكتابة، لكنه أعمق من ذلك. فالأسلوب، عند الرفاعي، يكشف المنهج. حين يتهم خصمه بأنه لجأ إلى تشويه مواقف الشيوعيين، فهو لا يقصد مجرد خطأ في النقل، بل يقصد أن خصمه يبني صورة مصطنعة عن الحزب الشيوعي كي يسهل الهجوم عليه.

يقول الرفاعي إن مقالات محسن إبراهيم انزلقت إلى «تشويه المواقف الحقيقية للشيوعيين». هذه العبارة تفتح المحور الأول من السجال: الرفاعي يرى أن خصومه لا يناقشون الشيوعيين كما هم، بل يناقشون نسخة مختزلة منهم. فهم يصورون الحزب الشيوعي كقوة محافظة أو تابعة أو عاجزة عن الفعل الثوري، ثم يهاجمون هذه الصورة. لذلك يصبح دفاع الرفاعي عن الحزب دفاعاً عن حقه في أن يُقرأ من خلال نصوصه ومواقفه الفعلية، لا من خلال كاريكاتور يرسمه خصومه.

وفي هذا السياق تبرز عبارة أخرى شديدة الدلالة، حين يتحدث عن ضرورة «إعادة الاعتبار للحقائق». ليست الحقيقة هنا حقيقة معرفية مجردة، بل حقيقة سياسية: حقيقة موقف الحزب الشيوعي من القومية، وفلسطين، والعمل الفدائي، والأنظمة العربية، ولبنان. الكتاب كله مبني على هذا الادعاء: أن جماعة «الحرية» شوّهت المواقف، وأن مهمة الرفاعي هي إعادة تركيبها ضمن منطق ماركسي ـ لينيني.

لكن قوة النص تكمن أيضاً في حدّته. فالرفاعي لا يقف عند التصحيح، بل يحاكم. إنه لا يقول فقط إن خصومه أخطأوا، بل يرى أن خطأهم يعكس موقعاً طبقياً وفكرياً: برجوازية صغيرة متعجلة، مأخوذة ببلاغة الثورة أكثر مما هي منخرطة في شروطها. هنا يتحول السجال من نقاش سياسي إلى تشخيص اجتماعي للخصم.

ثالثاً: القومية بين الماركسية والتحرر الوطني

القسم الأول من الكتاب، «قضايانا القومية في ضوء الماركسية ـ اللينينية»، يوضح أن الرفاعي لا يقبل الفصل السهل بين الأممية والقومية. فخصوم الحزب الشيوعي كانوا يميلون إلى نقد التحالفات القومية بوصفها انحرافاً أو تبعية لأنظمة برجوازية صغيرة. أما الرفاعي فيرد بأن المسألة القومية، في البلدان التابعة والمستعمَرة أو شبه المستعمَرة، ليست مسألة رجعية بذاتها؛ إنها ميدان صراع.

هنا يجب فهم الخلفية: منظمة العمل الشيوعي، في طورها التكويني، كانت ابنة أزمة حركة القوميين العرب بعد الهزيمة. خرجت من القومية إلى الماركسية وهي تحمل نقداً حاداً للناصرية والبعث والتجارب العسكرية العربية. أما الحزب الشيوعي، كما يدافع عنه الرفاعي، فيميز بين نقد الأنظمة القومية وبين إنكار الموقع الموضوعي لبعض المهام القومية في الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية.

لذلك لا يضع الرفاعي القومية في مواجهة الماركسية. إنه يحاول أن يعيدها إلى داخل التحليل الطبقي. المسألة القومية عنده لا تُفهم إذا عُزلت عن الطبقات، لكنها أيضاً لا تُلغى باسم الطبقات. وهذا هو جوهر السجال: الرفاعي يخشى أن يؤدي اليسار الجديد، في اندفاعه ضد الأنظمة القومية، إلى إضعاف جبهة التحرر الوطني نفسها، أو إلى استبدال السياسة الواقعية بشعارية معزولة.

رابعاً: فلسطين والعمل الفدائي — مركزية القضية لا تعني إلغاء السياسة

أكثر محاور الكتاب حساسية هو محور فلسطين. بعد 1967 صارت المقاومة الفلسطينية القوة الرمزية الكبرى في الوجدان اليساري العربي. كان الانحياز إليها معياراً للثورية، وكانت بيروت جزءاً من المجال السياسي والإعلامي والتنظيمي للفدائيين. لكن الرفاعي يرفض أن تتحول فلسطين إلى ذريعة لإلغاء التحليل السياسي.

الفصل الذي يحمل عنوان «الموقف المبدئي من العمل الفدائي يتحدد في إطار الموقف من القضية الفلسطينية» يكثف موقفه كله. الجملة بذاتها برنامج. فالعمل الفدائي، مهما بلغت أهميته، ليس بديلاً من القضية الفلسطينية، ولا من البرنامج السياسي العربي، ولا من بناء القوى الاجتماعية. إنه شكل نضالي داخل قضية أوسع.

هنا يختلف الرفاعي مع محسن إبراهيم وجماعة «الحرية» في نقطة جوهرية. اليسار الجديد كان يرى في الفدائية قوة قطيعة مع عجز الأنظمة والأحزاب التقليدية. أما الرفاعي فيرى أن تقديس الشكل الفدائي قد يؤدي إلى اختزال السياسة في السلاح. هو لا يعادي الكفاح المسلح، بل يعادي تحويله إلى معيار وحيد للحقيقة. فالسلاح لا يجيب وحده عن سؤال: من يقود؟ بأي برنامج؟ ضمن أي تحالفات؟ وبأي علاقة مع الجماهير العربية والفلسطينية واللبنانية؟

لذلك فإن دفاع الرفاعي عن الحزب الشيوعي في هذه النقطة ليس دفاعاً عن التردد، كما كان خصومه يقولون، بل دفاع عن ربط فلسطين باستراتيجية تحرر وطني أشمل. إنه يخشى أن تصبح الفدائية، في الخطاب اليساري الجديد، تعويضاً عن غياب التحليل الطبقي. ومن هنا نفهم لماذا يعود مراراً إلى فكرة «الحلقة الخاصة» وضرورة تحديدها. فالقضية الفلسطينية مركزية، لكنها لا تُدار بالشعار وحده.

خامساً: القرار الدولي ومعنى الواقعية الثورية

يناقش الكتاب أيضاً مسألة قرار مجلس الأمن بعد هزيمة 1967. هذا المحور مهم لأنه يكشف الفرق بين الرفض الأخلاقي والرفض السياسي. اليسار الجديد كان يميل إلى اعتبار أي تعامل مع قرارات دولية ضرباً من التسوية أو القبول بمنطق الهزيمة. أما الرفاعي فيحاول أن يطرح معياراً آخر: ما موقع القرار في ميزان القوى؟ وهل يمكن استخدامه ضمن صراع أوسع؟ وهل الرفض المطلق ينتج سياسة فعلية أم مجرد إعلان ثوري؟

ليست الواقعية عند الرفاعي قبولاً بالهزيمة. لكنها أيضاً ليست خطابة ضد الهزيمة. الواقعية الثورية عنده هي القدرة على قراءة التناقضات واستخدامها. لذلك يبدو في هذا الفصل أقرب إلى تقليد شيوعي كلاسيكي يرى السياسة كسلسلة موازين قوى، لا كسلسلة مواقف أخلاقية مطلقة.

وهذه النقطة هي بالضبط ما جعل خصومه يتهمونه بالتحريفية أو المساومة. ففي نظرهم، كانت اللغة المرحلية تخفي عجزاً عن القطع الثوري. أما في نظره، فإن لغة القطع الثوري تخفي عجزاً عن بناء سياسة قابلة للحياة.

سادساً: لبنان — من الاقتصاد إلى الطغمة المالية

ينتقل القسم الثاني من الكتاب إلى لبنان، وهنا تظهر قوة الرفاعي التحليلية بوضوح أكبر. فالكتاب لا يكتفي بالدفاع عن الحزب الشيوعي في المسائل القومية، بل يحاول أن يبني تشخيصاً للبنية اللبنانية. لذلك يبدأ من الاقتصاد لا من الطائفية، ومن الطبقات لا من الشعارات.

الفصل الأول في هذا القسم يحمل عنواناً كاشفاً: «تحليل التركيب الاقتصادي أساس لاستراتيجية وتكتيك ثوريين». العنوان وحده يختصر منهج الرفاعي. لا يمكن، في نظره، أن تحدد خطاً ثورياً في لبنان من دون أن تفهم طبيعة الاقتصاد اللبناني: تجاري، مصرفي، خدماتي، مرتبط بالسوق الرأسمالية العالمية، ومتداخل مع بقايا علاقات ريفية وإقطاعية وطائفية.

في هذا السياق يرفض الرفاعي القراءة التبسيطية التي تربط البنية الاقتصادية مباشرة وبشكل آلي بالبنية السياسية. يقول في أحد المواضع إن المسألة لا تُفهم عبر «النظرة التبسيطية الميكانيكية». هذه العبارة مهمة لأنها تكشف أن الرفاعي لا يقدّم ماركسية مدرسية مسطّحة، بل يحاول أن ينتبه إلى وسائط السياسة والدولة والطائفية والدين والتقاليد. فالبنية الاقتصادية تؤثر، لكنها لا تفسر وحدها كل شيء. ولذلك لا يمكن فهم لبنان من دون فهم العلاقة بين الاقتصاد والطائفية والدولة والريف والمدينة.

في تحليله لتطور الرأسمالية اللبنانية، يشير الرفاعي إلى أن التحديث لم يلغِ البنى القديمة، بل أعاد تركيبها. ففي نص شديد الأهمية يقول إنه «لا يمكن الكلام بدقة عن تحالف» بين الفئة السائدة في الريف والفئة السائدة في المدينة، بل عن «اندماج عضوي». هذا التمييز أساسي. فالتحالف يعني وجود قوى مستقلة نسبياً تتقاطع مصالحها؛ أما الاندماج العضوي فيعني أن الطبقات المسيطرة في لبنان تشكل بنية واحدة تتداخل فيها المصارف والتجارة والعقارات والزعامات الطائفية وبقايا النفوذ الإقطاعي.

من هنا تأتي فكرة «الطغمة المالية». الرفاعي لا يستخدم المصطلح كشتيمة سياسية، بل كمفهوم تحليلي. الطغمة المالية هي التعبير المركّز عن السلطة الطبقية في لبنان: سلطة المال المصرفي والتجاري والعقاري، المتداخلة مع الدولة والطائفية والزبائنية. لذلك تصبح المهمة المرحلية، في نظره، هي إسقاط حكم هذه الطغمة، لا رفع شعار الاشتراكية مباشرة من دون ميزان قوى.

سابعاً: الاستراتيجية المرحلية ضد القفزة اللفظية

هنا يبلغ السجال ذروته. الرفاعي يقول إن لبنان لا يحتاج إلى يسار يعلن نهايات التاريخ، بل إلى يسار يعرف المرحلة. هذه هي المسافة الفاصلة بين «اليسار الحقيقي» و«اليسار المغامر». الحقيقي، في تصوره، يحدد المهمة المركزية الممكنة تاريخياً؛ والمغامر يقفز إلى المهمة القصوى فيخسر القدرة على التأثير.

لذلك يطرح الكتاب مهمة «إسقاط حكم الطغمة المالية» بوصفها المهمة المرحلية الرئيسية. ليست هذه المهمة اشتراكية مباشرة، لكنها أيضاً ليست إصلاحاً ليبرالياً. إنها، عند الرفاعي، مهمة ديمقراطية وطنية ذات مضمون طبقي: ضرب مركز السلطة الرأسمالية التابعة، وتوسيع قاعدة الحركة الشعبية، وربط النضال المطلبي بالنضال السياسي.

هنا يظهر الخلاف العميق مع منظمة العمل الشيوعي. فالمنظمة، في لحظتها الأولى، كانت تميل إلى خطاب أكثر جذرية في نقد الدولة اللبنانية، والأنظمة العربية، والتسويات، والتحالفات. أما الحزب الشيوعي، كما يدافع عنه الرفاعي، فيخشى أن يؤدي هذا الخط إلى عزلة يسارية. ولذلك يكتب ناقداً تلك القوى التي «تسير وراء شعاراتها» عندما تعجز عن جرّ الجماهير إلى تبنّي أفكارها. العبارة قاسية لكنها دقيقة في بنيتها: الرفاعي يقول إن الخطر ليس فقط أن ترفع شعاراً خاطئاً، بل أن تصبح أسير الشعار بعد أن تفشل في تحويله إلى قوة اجتماعية.

بهذا المعنى، الكتاب دفاع عن السياسة ضد الانفعال. فالرفاعي لا ينكر مشروعية الغضب بعد الهزيمة، لكنه يرفض أن يتحول الغضب إلى برنامج. ولا ينكر قيمة الجذرية، لكنه يرفض أن تتحول الجذرية إلى قطيعة مع الجماهير. ولا ينكر مركزية فلسطين، لكنه يرفض أن تلغي فلسطين تحليل لبنان. ولا ينكر الاشتراكية كهدف، لكنه يرفض أن تُطرح كبديل عن تحديد المهمة المرحلية.

ثامناً: ما بقي من السجال

ما يجعل هذا الكتاب مهماً اليوم ليس أنه حسم الخلاف بين الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي. فالتاريخ لا يُقرأ بهذه البساطة. لقد أخطأ الطرفان وأصابا. الحزب الشيوعي أصاب حين أصر على التحليل الطبقي وعلى ضرورة فهم المرحلة وعدم تحويل الثورة إلى شعار. لكنه دفع ثمن ثقله التنظيمي، وتحالفاته، وعلاقته بالخط السوفياتي، وعدم قدرته دائماً على التقاط مزاج الجيل الجديد بعد الهزيمة. ومنظمة العمل أصابت حين التقطت غضب جيل جديد على الهزيمة والأنظمة والخطابات القديمة، لكنها وقعت، في كثير من الأحيان، في أسر الراديكالية اللفظية والرهان على القطيعة السريعة مع واقع أكثر تعقيداً.

هنا تكمن قيمة «اليسار الحقيقي واليسار المغامر». إنه لا يقدم لنا جواباً نهائياً، بل يفتح سؤالاً لا يزال حياً: كيف يكون اليسار جذرياً من دون أن يكون مغامراً؟ وكيف يكون واقعياً من دون أن يصير محافظاً؟ كيف يدعم المقاومة من دون أن يختزل السياسة في السلاح؟ كيف يطرح الاشتراكية من دون أن يلغي المهمات المرحلية؟ وكيف يقرأ لبنان طبقياً من دون أن يتجاهل الطائفية، والدولة، والريف، والمدينة، والارتباط بالخارج؟

غسّان الرفاعي، في هذا الكتاب، لا يكتب كمؤرخ، بل كمناضل في قلب المعركة. وهذا ما يعطي النص حرارته وقسوته في آن واحد. لغته حادة لأنها ابنة زمن حاد. وتصنيفاته قاطعة لأنها جزء من صراع لم يكن أصحابه يرونه خلافاً فكرياً هادئاً، بل معركة على مستقبل اليسار نفسه. لذلك قد لا نوافق على كل أحكامه اليوم، وقد نرى في بعضها ظلماً أو مبالغة، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل قوة السؤال الذي وضعه: لا يكفي أن تكون ثورياً، بل يجب أن تعرف كيف تجعل الثورة سياسة.

كتاب عن مأزق اليسار لا عن انتصار فريق

«اليسار الحقيقي واليسار المغامر» كتاب دفاعي وهجومي في آن. دفاعي لأنه يرد على حملة فكرية وسياسية ضد الحزب الشيوعي اللبناني. وهجومي لأنه لا يكتفي بالرد، بل يبني تصنيفاً كاملاً لخصومه: برجوازيون صغار، متعجلون، أسرى الشعارات، عاجزون عن تحديد الحلقة المركزية في النضال.

لكن قوته ليست في أحكامه القطعية، بل في الأسئلة التي يطرحها. فهو يسأل: كيف نكون ثوريين من دون أن نكون لفظيين؟ كيف ندعم فلسطين من دون أن نختزل السياسة في الفدائية؟ كيف ننتقد الأنظمة القومية من دون أن نسقط في يسار معزول عن معركة التحرر الوطني؟ كيف نفهم لبنان من خلال طبقاته وطغمته المالية وطائفيته في آن واحد؟ وكيف نحدد مهمة مرحلية من دون أن نخون الهدف الاشتراكي؟

لذلك يجب قراءة الكتاب اليوم لا بوصفه نصاً انتصر فيه غسان الرفاعي على محسن إبراهيم، أو انتصرت فيه منظمة العمل لاحقاً على الحزب الشيوعي، بل بوصفه وثيقة مأزق. مأزق يسار كان يريد أن يكون علمياً وثورياً وشعبياً في الوقت نفسه، لكنه وجد نفسه ممزقاً بين الواقعية والمغامرة، بين التحالف والقطيعة، بين فلسطين ولبنان، بين الحزب والجبهة، بين النظرية والجماهير.

إن الجملة اللينينية التي يستعيدها الرفاعي، «لا يكفي المرء أن يكون ثورياً»، تصلح مفتاحاً للكتاب كله. فالمسألة ليست أن نكون ثوريين في النية، بل أن نعرف كيف تتحول النية لخط، والخط إلى قوة، والقوة إلى تغيير. هنا بالضبط يقع السجال بين غسان الرفاعي ومنظمة العمل الشيوعي: سجال على شروط الثورة، لا على حب الثورة.

غير أن سجالات تلك الأيام، مهما بلغت حدّتها، كانت تستند إلى صراع فكري وأيديولوجي حقيقي، وإلى زمن كانت فيه الكلمات تعبيراً عن خيارات تنظيمية وسياسية كبرى. أما اليوم، فقد تغيّر الواقع الذي أنتج تلك السجالات: تغيّرت بنية الرأسمالية، وتحوّلت الدولة، وتبدّلت أشكال التبعية، وتراجعت الأحزاب، وتقدّمت أزمات جديدة تتصل بالهجرة، والبيئة، والتكنولوجيا، والعمل الهش، وانكسار المجال العام. لذلك لا يكفي أن نستعيد تلك النقاشات كما كانت، ولا أن نحاكم أصحابها بمنطق حاضرنا فقط؛ بل علينا أن نستحضرها لكي نكمل البناء من حيث توقفت، وأن نفتح نقاشاً من نوع آخر، نقاشاً يسارياً أكثر تحرراً وثورية، لا يكرر قوالب الماضي ولا يتنكر له، بل يتعلم من شجاعته وأخطائه معاً، من أجل يسار يواكب العصر وأزماته، ويعيد وصل الفكر بالفعل، والنظرية بالناس، والحلم الاشتراكي بأسئلة الحرية والعدالة والكرامة بمفهوم اليوم بمفهوم عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية. يسار يفهم لغة الشباب ويواكبهم لا يسار يطرح لغة تبدو وكأنها قادمة من كوكب آخر.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...