الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

حسين هرموش… الضابط الذي انشقّ فاختُطفت بعده البوصلة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في ذاكرة الثورة السورية أسماء لا تُستعاد بوصفها سيرة فردية فقط، بل بوصفها لحظة مفصلية في تاريخ بلد كامل. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم المقدم حسين هرموش، الضابط السوري الذي تحوّل انشقاقه في حزيران/يونيو 2011 إلى علامة مبكرة على اهتزاز جدار الخوف داخل المؤسسة العسكرية، ثم تحوّلت حادثة اختطافه من الأراضي التركية إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا وغموضًا في بدايات الثورة.

وُلد حسين هرموش في قرية إبلين بمحافظة إدلب عام 1972. قبل انشقاقه، كان ضابطًا في جيش النظام السوري برتبة مقدم، ضمن الفرقة 11 دبابات، ومتخصصًا في الهندسة الحربية. لم يكن هرموش سياسيًا بالمعنى الحزبي، بل ضابطًا خرج من قلب المؤسسة التي أرادها النظام أداة قمع، ليعلن أن وظيفة الجيش ليست إطلاق النار على الناس، بل حماية البلاد والمواطنين.

جاء انشقاقه في 9 حزيران/يونيو 2011، في لحظة كانت فيها إدلب وجسر الشغور وجبل الزاوية تعيش ضغطًا عسكريًا وأمنيًا شديدًا. في بيانه الأول، أعلن هرموش أنه ينشق عن الجيش وينحاز إلى “شباب سورية”، محددًا أسباب قراره بما وصفه بالقتل الجماعي للمدنيين العزّل، وتوريط الضباط والعناصر في اقتحام المدن والقرى الآمنة. كانت تلك الكلمات، في سياقها الزمني، تحديًا علنيًا لرواية النظام، ورسالة مباشرة إلى العسكريين الذين وجدوا أنفسهم بين القسم العسكري وأوامر القمع.

لم يكتفِ هرموش بإعلان موقف فردي، بل سعى إلى تنظيم انشقاق العسكريين. أسس “حركة الضباط الأحرار”، التي عُرفت لاحقًا باسم “لواء الضباط الأحرار”، وكان هدفها المعلن حماية المتظاهرين وتنظيم العسكريين المنشقين ومساعدة الراغبين في الخروج من صفوف قوات النظام. ولذلك اكتسب اسمه رمزية خاصة؛ فهو لم يكن أول عسكري يرفض القمع فحسب، بل كان من أوائل من حاولوا إعطاء الانشقاق إطارًا منظمًا وعلنيًا.

بعد انشقاقه، انتقل هرموش إلى الداخل التركي، حيث كان آلاف السوريين يعبرون الحدود هربًا من العمليات العسكرية. ومن هناك استمر حضوره السياسي والعسكري والإعلامي، وواصل دعوة الضباط والعناصر إلى رفض الأوامر التي تستهدف المدنيين. في تلك المرحلة المبكرة، لم تكن خريطة المعارضة العسكرية قد تبلورت بعد، ولم يكن “الجيش الحر” قد اتخذ شكله المعروف لاحقًا، لذلك ظل اسم هرموش مرتبطًا بالبدايات الأولى لمحاولة حماية الاحتجاجات الشعبية من بطش آلة القمع.

لكن تلك السيرة القصيرة والمكثفة انقطعت فجأة. في 29 آب/أغسطس 2011 فُقد حسين هرموش من داخل الأراضي التركية، في ولاية هاتاي قرب الحدود السورية. وبعد أيام أعلنت حركة الضباط الأحرار خبر فقدانه، وطالبت بكشف مصيره وضمان سلامته. ثم ظهر أنه أصبح في قبضة النظام السوري، في واقعة فتحت باب الاتهامات بشأن اختطافه وتسليمه إلى أجهزة النظام، رغم النفي الرسمي التركي في ذلك الوقت.

في 15 أيلول/سبتمبر 2011 بث إعلام النظام السوري تسجيلًا مصورًا لهرموش، بدا فيه متراجعًا عن روايته السابقة ومرددًا رواية النظام عن “العصابات المسلحة” والجهات التي شجعته على الانشقاق. غير أن المعارضة السورية وناشطين كثيرين اعتبروا ذلك الظهور اعترافًا قسريًا جرى تحت الإكراه، خصوصًا أن الرجل كان قد اختفى في ظروف غامضة قبل ظهوره، وأن مضمون كلامه يناقض كل ما أعلنه في بيان انشقاقه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد هرموش شخصًا حاضرًا بصوته، بل صار أسير الغياب، ورمزًا مبكرًا لسياسة الإخفاء التي ستتوسع لاحقًا في سوريا.

لم يكن اختطاف حسين هرموش اختطافًا لرجل واحد فحسب، بل كان، بمعناه الرمزي والسياسي، اختطافًا مبكرًا لاتجاه كامل داخل الثورة السورية. فقد مثّل هرموش في لحظته الأولى احتمالًا وطنيًا منظمًا: ضباط منشقون يحمون مظاهرات مدنية، ويؤكدون أن المعركة ليست طائفية ولا دينية، بل معركة شعب ضد الاستبداد. كان وجوده يربط بين الشارع المدني والمؤسسة العسكرية المنشقة، ويمنح الثورة فرصة لأن تبقى في إطار وطني جامع، لا في إطار فصائلي مغلق. لذلك بدا اختفاؤه وكأنه إزالة متعمدة لصوت عسكري وطني مبكر كان يمكن أن يحدّ من الفوضى القادمة.

بعد تغييب هرموش وأمثاله، بدأت المساحات تُفتح تدريجيًا أمام قوى أكثر تنظيمًا وتمويلًا وتسليحًا، بعضها حمل خطابًا إسلاميًا متشددًا أو فصائليًا ضيقًا. لم يكن هذا التحول نتيجة حادثة واحدة فقط، فالواقع السوري كان أعقد من ذلك، وتداخلت فيه عوامل القمع الوحشي، والسلاح، والمال السياسي، وتدخلات الدول، وإطلاق بعض المتشددين من السجون، وتخلي العالم عن حماية المدنيين. لكن اختطاف هرموش بقي علامة فارقة؛ لأنه أزاح من المشهد أحد أوائل الوجوه التي جسدت إمكانية انتقال الثورة من السلمية إلى الحماية المنظمة دون أن تفقد بوصلتها الوطنية والمدنية.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى اختطاف هرموش كجزء من عملية أوسع لاختطاف الثورة نفسها: إخراج الأصوات الوطنية الجامعة من الساحة، ودفع الناس، تحت القصف والحصار والخذلان، نحو خيارات أكثر قسوة وتطرفًا. فكلما غاب الضابط الوطني، والمعارض المدني، والناشط السلمي، تقدمت بدلًا منهم قوى السلاح المنفلت والخطاب المغلق. وهكذا لم يُختطف هرموش وحده، بل اختُطفت معه إمكانية مبكرة لجيش حر منضبط، وطني، قريب من الناس، يحمي الثورة بدل أن تتحول الثورة لاحقًا إلى ساحة صراع بين مشاريع متنافسة.

قضية اختطافه لم تبقَ رواية سياسية فقط. فقد عادت إلى الواجهة لاحقًا مع الحديث عن ملاحقات واتهامات في تركيا لأشخاص قيل إن لهم صلة بتسليمه إلى النظام السوري. هذه المعطيات لا تلغي بقاء تفاصيل كثيرة غير محسومة، لكنها تؤكد أن ما جرى لم يكن اختفاءً عابرًا، بل قضية أمنية عابرة للحدود، تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة السوريين، وخصوصًا في ذاكرة العسكريين الذين رأوا في مصير هرموش رسالة ترهيب واضحة لكل من يفكر في الانشقاق.

أما مصيره بعد تسليمه، فظل لسنوات طويلة موضع روايات متضاربة. قيل إنه أُعدم، وقيل إنه بقي في السجن، وتداول ناشطون روايات وصورًا وقرائن مختلفة من دون حسم نهائي في حينه. وفي السنوات اللاحقة أعلن ابنه براء هرموش، نقلًا عن شهود، أن والده قُتل في سجن صيدنايا في 19 كانون الثاني/يناير 2012. وحتى مع هذا الإعلان، تبقى قصة هرموش جزءًا من ملف أوسع: ملف المختفين والمعتقلين الذين حُرموا من محاكمة عادلة، ومن إعلان رسمي للحقيقة، ومن حق عائلاتهم في معرفة المصير في وقته.

في ذكرى انشقاق حسين هرموش، لا تُستعاد حكايته بوصفها حادثة من الماضي فقط، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا عن معنى الشجاعة في لحظة الخطر. لقد كان انشقاقه إعلانًا أن داخل المؤسسة العسكرية من رأى الشعب قبل السلطة، والوطن قبل الأوامر، والقسم العسكري قبل الولاء الأعمى. وكان اختطافه رسالة مضادة من النظام وحلفائه ومخترقي الحدود: أن من يخرج عن الطاعة سيُلاحَق حتى خارج الجغرافيا السورية.

ومع ذلك، لم تُلغِ حادثة اختطافه أثره. فقد صار اسمه شاهدًا على البدايات الأولى لانشقاق الضباط، وعلى الكلفة الباهظة التي دفعها من رفضوا أن يكونوا شهود زور أو أدوات قتل. حسين هرموش لم يعش طويلًا بعد انشقاقه، لكن اللحظة التي أعلن فيها موقفه بقيت أطول من سجانيه، وأوسع من الزنزانة، وأعمق من التسجيل الذي أُجبر، على الأرجح، على الظهور فيه.

إن ذكرى هرموش ليست مناسبة للرثاء وحده، بل للتوثيق أيضًا. فكل سيرة تُكتب بدقة عن ضابط منشق أو معتقل أو مختفٍ هي مقاومة للنسيان، وكل حقيقة تُثبت هي خطوة في طريق العدالة. وحين يُذكر حسين هرموش اليوم، فإنما يُذكر بوصفه أحد أوائل الذين قالوا إن الجيش لا يكون جيش وطن إذا وُجه سلاحه إلى صد

الناس، وإن الضابط لا يُقاس برتبته فقط، بل باللحظة التي يختار فيها إلى أي جانب من التاريخ يقف.
:::

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...