الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

حين مات “الأبد”: سقوط صنم الخوف في العاشر من حزيران

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في ذكرى العاشر من حزيران، كتب المؤرخ السوري نشوان الأتاسي على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي:

“مات في البريّة كلبٌ فاسترحنا من عواهُ
خلّف الملعون جرواً فاق بالنبح أباهُ”

ليست قسوة هذه العبارة مجرد شتيمة عابرة، بل هي انفجار ذاكرة سورية طويلة حُبست لعقود تحت الخوف والصمت. إنها تختصر شعوراً عميقاً لدى كثيرين رأوا في موت حافظ الأسد لا نهاية رجل فحسب، بل لحظة انكشاف كبرى لوهم سياسي ونفسي صُنعت حوله دولة كاملة: وهم “قائدنا إلى الأبد”.

في العاشر من حزيران/يونيو 2000، لم يمت حاكم عادي، بل مات الشعار الذي حاول أن يهزم الزمن. مات الرجل الذي صُوّر للسوريين كأنه قدر لا يتغير، وأب لا يُناقَش، ورمز لا يُمس، وحضور أبدي فوق الدولة والمجتمع والتاريخ. لكن الموت، ببساطته القاسية، كشف أن “الأبد” لم يكن سوى كذبة كبيرة، وأن القداسة التي أحاطت بصورة القائد لم تكن إلا صناعة خوف، وأن التصفيق الطويل لم يكن دائماً حباً، بل غالباً نجاة.

فعبارة “قائدنا إلى الأبد” لم تكن شعاراً سياسياً عادياً، بل كانت بنية نفسية متكاملة، صُنعت بالخوف، وتغذّت بالصمت، وتحوّلت مع الزمن إلى عقيدة مفروضة على اللسان والذاكرة والجدار والكتاب المدرسي وساحة المدرسة ونشرة الأخبار. كان الوهم الأكبر فيها أنها حاولت مصادرة الحقيقة الوحيدة التي لا يستطيع مستبد أن يهزمها: الموت. فالسلطة التي عجزت عن إقناع الناس بحبها، حاولت أن تقنعهم بخلودها. وحين لا يستطيع الحاكم أن يصبح محبوباً، يصنع لنفسه صورة مقدّسة؛ وحين لا يثق بولاء الناس، يطلب منهم الطاعة العلنية؛ وحين يعرف أن شرعيته هشّة، يملأ الشوارع بصوره كي يخفي فراغه في القلوب.

من الناحية النفسية، لا تقوم عبادة القائد على حب صادق، بل على خليط معقّد من الخوف، والتكرار، والعجز، والتكيّف. الإنسان الذي يعيش طويلاً تحت سلطة قادرة على العقاب يتعلّم أن يراقب وجهه وكلماته ونظراته. لا يعود الخوف مجرد رد فعل، بل يصبح أسلوب حياة. يضحك حين يجب أن يضحك، يصفّق حين يجب أن يصفّق، يردّد الشعار قبل أن يسأل نفسه هل يؤمن به. ومع الزمن، تتكوّن داخل المجتمع رقابة داخلية أخطر من الشرطي: رقابة الخائف على نفسه.

هكذا يتحوّل الاستبداد من جهاز خارجي إلى حالة نفسية. لا يحتاج النظام دائماً إلى أن يضرب الجميع؛ يكفي أن يضرب بعضهم بقسوة، وأن يترك الحكاية تنتشر بين الباقين. يكفي أن يعرف الناس أن كلمة قد تفتح باب السجن، وأن نكتة قد تدمّر عائلة، وأن الصمت أكثر أماناً من الصراحة. عندها لا يعود الشعار دليلاً على المحبة، بل وثيقة خوف جماعي.

“قائدنا إلى الأبد” لم تكن جملة تصف الواقع، بل جملة تلغي الواقع. فهي تلغي الزمن، وتلغي السياسة، وتلغي الشعب، وتلغي فكرة التداول والمحاسبة. في الدولة الطبيعية، الحاكم موظف عام، يأتي ويذهب، ينجح ويفشل، يُنتخب أو يُحاسب. أما في دولة عبادة الشخص، فالحاكم لا يُناقَش بل يُمَجَّد، لا يُسأل بل يُطاع، لا يُحاسَب بل تُعاد كتابة التاريخ ليبدو كأنه مصدر الوطن ومعناه ومصيره.

تأليه القائد يبدأ عادة بتضخيم صورته. يصبح “الأب”، و“الرمز”، و“الضرورة”، و“صانع التاريخ”. لكن هذا التأليه يخفي في داخله احتقاراً عميقاً للمجتمع؛ كأن الناس قاصرون لا يستطيعون العيش من دون راعٍ أبدي، وكأن الوطن جسد بلا رأس إن غاب الحاكم مات. هذه هي الخدعة النفسية الكبرى: أن يقنع الاستبداد ضحاياه بأنهم لا يستطيعون النجاة إلا به، مع أنه هو نفسه مصدر خوفهم وخرابهم.

ولذلك فإن عبادة الشخص لا تصنع مواطنين، بل تصنع ناجين. المواطن يسأل، يعترض، يشارك، يثق بالقانون. أما الناجي فيبحث عن السلامة، ويتعلّم لغة مزدوجة: لغة في البيت ولغة في الشارع، رأي في القلب ورأي أمام الناس، حقيقة في الذاكرة وكذبة على اللسان. بهذه الطريقة لا يكتفي الاستبداد بقمع السياسة، بل يجرح النفس البشرية نفسها، لأنه يجبر الإنسان على خيانة ما يعرفه في داخله كي يحمي جسده وأهله ولقمة عيشه.

ثم جاء الموت.

في العاشر من حزيران، سقطت كلمة “الأبد” أمام خبر قصير: مات حافظ الأسد. انتهى الجسد الذي قيل للناس إنه فوق الزمن. توقفت اليد التي كانت تشير، والصورة التي كانت تراقب، والصوت الذي كان يُقدَّم كقدر. لم يحتج الأمر إلى ثورة فلسفية كي ينكشف الوهم؛ احتاج فقط إلى موت طبيعي. الموت، في لحظة واحدة، فعل ما عجزت عنه الدعاية: ذكّر الناس بأن الحاكم، مهما تضخّمت صورته، إنسان فانٍ، وأن “الأبد” كان كذبة مطبوعة على اللافتات.

لكن المأساة أن الوهم لم يُدفن مع صاحبه. فقد خلّف النظام وريثاً لا بوصفه انتقالاً دستورياً طبيعياً، بل بوصفه استمراراً لفكرة الملكية السياسية للجمهورية. وهنا انكشف المعنى الحقيقي لعبارة “قائدنا إلى الأبد”: لم يكن المقصود خلود الشخص فقط، بل خلود البنية؛ خلود الخوف، وخلود الأجهزة، وخلود السلالة، وخلود تحويل الوطن إلى مزرعة سياسية.

لذلك كان موت حافظ الأسد كاشفاً لا خاتمة. كشف أن القداسة المصنوعة قابلة للتوريث، وأن الدولة التي تُبنى حول رجل لا تتحرر تلقائياً بموته، لأن المشكلة ليست في الفرد وحده، بل في النظام النفسي والسياسي الذي جعل الفرد صنماً. مات الرجل، لكن ظلاله بقيت في المدرسة، والمؤسسة، والنشيد، والملف الأمني، والخوف المتوارث، وفي ذلك السؤال الذي ظل يطارد السوريين: هل مات الحاكم فعلاً، أم ترك وراءه شكلاً آخر من حضوره؟

إن أخطر ما في عبادة الشخص أنها لا تطلب من الناس أن يحبوا الحاكم فقط، بل أن يكذبوا على أنفسهم. تطلب من الأم التي فقدت ابنها أن تبتسم للصورة. من السجين السابق أن يصمت. من الموظف أن يعلّق الشعار فوق مكتبه. من الطفل أن يتعلم اسم القائد قبل أن يتعلم معنى الوطن. وبذلك تتحول السياسة إلى مسرح إجباري، يؤدي فيه الجميع أدوارهم تحت التهديد.

لكن التاريخ، مهما طال تزويره، يملك ذاكرة مضادة. ذاكرة الناس أعمق من اللافتات. وما يُقال همساً في البيوت قد يعيش أطول مما يُكتب على الجدران. كان السوريون يعرفون، ولو بصمت، أن “الأبد” ليس حقيقة. كانوا يعرفون أن الخوف لا يصنع محبة، وأن التصفيق لا يعني القناعة، وأن الصور الكثيرة لا تعني حضوراً حقيقياً في الوجدان. كانوا يعرفون أن القائد الذي يحتاج إلى كل هذا التمجيد ليس إلهاً، بل رجل خائف من الحقيقة.

من هنا تأتي أهمية استعادة تلك الذكرى لا كشماتة بالموت، بل كتحرير للمعنى. فالموت ليس فضيلة بحد ذاته، ولا سقوط الجسد يكفي لولادة الحرية. العبرة أن يموت داخل المجتمع ذلك الاستعداد النفسي لتأليه السياسي، وأن تموت فكرة الأب القائد، والمنقذ الفرد، والحاكم الضرورة. العبرة أن يُعاد الوطن إلى أصحابه: إلى الناس، لا إلى صورة؛ إلى القانون، لا إلى المزاج؛ إلى الذاكرة الحرة، لا إلى الرواية الرسمية.

لقد كشف العاشر من حزيران أن “قائدنا إلى الأبد” لم تكن سوى جملة مذعورة ترتدي ثوب اليقين. كانت محاولة يائسة لإقناع شعب كامل بأن الزمن توقف عند رجل واحد. لكن الزمن لم يتوقف. مات الرجل، وبقي السؤال الأخلاقي والسياسي: كيف استطاع الخوف أن يجعل الكذبة تبدو حقيقة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يشفى من آثارها؟

الشفاء يبدأ حين نستعيد اللغة. حين نقول إن الحاكم ليس وطناً، وإن الدولة ليست عائلة، وإن الخوف ليس ولاءً، وإن الصمت ليس رضى، وإن الموت لا يهزم الشعوب بل يهزم أوهام الطغاة. يبدأ الشفاء حين يصبح نقد القائد أمراً عادياً، وحين تُنزَع القداسة عن السياسة، وحين يعرف الطفل أن الوطن لا يحتاج إلى صنم كي يبقى.

في النهاية، لم يكن حافظ الأسد “إلى الأبد”. لم يكن أي حاكم كذلك، ولن يكون. الأبد ليس للسلطة، بل لذاكرة الشعوب حين تتحرر من الخوف. وكل صورة فُرضت على الجدران تسقط يوماً، لكن الكرامة التي حُرمت منها الناس تبقى تطالب بحقها، جيلاً بعد جيل.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...