الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

حين كبرنا على ضوء ظفار: فواز طرابلسي وذاكرة الثورة البعيدة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كبر جيلنا على حكايات لا تشبه الحكايات العابرة. كبرنا على أسماء كانت تصلنا من بعيد كأنها آتية من آخر الأرض، لكنها كانت تسكن في وجداننا كما لو أنها حدثت في حارتنا، في بيوتنا، في أحلامنا الأولى. من بين تلك الحكايات، كانت ظفار أكثر من اسم جغرافي في جنوب عُمان؛ كانت رمزاً لجبل لا ينحني، ولناس خرجوا من العزلة والفقر والقهر ليقولوا إن للكرامة صوتاً، وإن للحرية طريقاً، ولو كان طريقاً شاقاً بين البحر والجبل والمنفى والرصاص.

كبرنا ونحن نقرأ ونسمع فواز طرابلسي، المؤرخ والكاتب اليساري اللبناني، لا بوصفه راوياً محايداً يقف خلف الزجاج، بل شاهداً قلقاً على زمن عربي كان يؤمن بأن التاريخ يمكن أن يتغير، وأن الشعوب الصغيرة تستطيع أن تفتح ثغرة في جدار الإمبراطوريات. كان طرابلسي يكتب عن ظفار لا كخبر عسكري ولا كواقعة بعيدة، بل كنداء أخلاقي وسياسي؛ كأن الثورة هناك كانت مرآة لأسئلة جيل كامل: ماذا نفعل أمام الاستبداد؟ كيف نقاوم الاستعمار؟ ومتى تتحول الحماسة الثورية إلى عبء إن لم تعرف كيف تصغي إلى تحولات الواقع؟

في التاسع من يونيو 1965، اندلعت الشرارة التي ستعرف لاحقاً بثورة ظفار. لم تكن في بدايتها مشروعاً أيديولوجياً كبيراً، بل صرخة محلية ضد حكم السلطان سعيد بن تيمور، وضد العزلة القاسية التي فُرضت على ظفار، وضد الحضور البريطاني الذي كان يمسك بخيوط كثيرة في السلطنة. كانت ثورة أبناء منطقة مهمشة، محاصرة بالفقر، ومقطوعة عن التعليم والخدمات والحداثة، لكنها لم تكن مقطوعة عن الإحساس بالظلم.

بدأت الثورة تحت اسم جبهة تحرير ظفار، وكانت تحمل في أحشائها غضباً وطنياً وقبلياً واجتماعياً. ثم جاءت نهاية الستينيات، ومعها رياح اليسار العربي والعالمي، وانتصار الثورة في جنوب اليمن، وصعود أحلام التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. عندها تحولت الجبهة إلى مشروع أوسع، وتبنت الماركسية اللينينية، ورفعت شعار تحرير الخليج العربي المحتل. من ظفار الصغيرة اتسع الحلم إلى عُمان، ثم إلى الخليج كله.

هنا بالضبط تقع عظمة التجربة ومأساتها في آن واحد. لقد امتلكت الثورة شرعية الألم المحلي، لكنها حملت فوق كتفيها حلماً أكبر من قدرتها الجغرافية والاجتماعية والعسكرية. أرادت أن تكون ظفار بوابة لتحرير الخليج، وأن يتحول الجبل إلى مركز لإعادة كتابة تاريخ المنطقة. غير أن التاريخ لا يكافئ النوايا وحدها، ولا يكفي أن تكون القضية عادلة حتى تنتصر.

وقد فهم فواز طرابلسي هذا التوتر العميق. في شهادته عن ظفار، لم يكتب بروح المديح السهل، ولم يتعامل مع الثورة كأيقونة مقدسة لا تُمس. كان قريباً منها، متعاطفاً معها، مؤمناً بعدالة جوهرها، لكنه كان أيضاً ناقداً لخياراتها. رأى أن الثورة كانت أمام سؤال مصيري: هل هي ثورة لتحرير ظفار؟ أم لتحرير عُمان؟ أم لتحرير الخليج كله؟ وكلما اتسع الشعار، ازداد العبء، وابتعدت الثورة أحياناً عن واقع الناس الذين خرجت من أجلهم.

كانت ظفار في ذاكرة طرابلسي أرضاً جميلة وقاسية، تجمع البحر والجبل، وتكشف في الوقت نفسه فقر المجتمع وبساطته وتركيبته القبلية. لم يرَ فيها مجرد ساحة حرب، بل مجتمعاً حياً، له تناقضاته وحاجاته وحدوده. ولهذا كان نقده موجهاً لا إلى شجاعة الثوار، بل إلى قدرة القيادة على قراءة المجتمع والسياسة والزمن.

حين وصل السلطان قابوس إلى الحكم عام 1970، تغيرت قواعد الصراع. لم تعد الثورة تواجه سعيد بن تيمور وحده، ذلك الحاكم المنغلق الذي جسّد في نظر كثيرين معنى العزلة والقمع. صارت تواجه سلطة جديدة تقدم نفسها بوصفها مشروع تحديث وبناء دولة، مدعومة في الوقت نفسه بخبرة بريطانية، وتدخل إيراني، ومساندة إقليمية. هنا كان على الثورة، كما فهم طرابلسي لاحقاً، أن تعيد التفكير في أدواتها وشعاراتها. لكن التمسك بالكفاح المسلح وحده جعلها تخوض معركة قاسية في زمن تغيّر بسرعة.

لم تُهزم ظفار لأن رجالها ونساءها افتقدوا الشجاعة. ولم تنكسر لأن حلمها كان بلا معنى. هُزمت لأنها وجدت نفسها في مواجهة تحالف عسكري وسياسي واسع، ولأن العالم الذي أحاط بها تغيّر، ولأن الثورة حين لا تراجع نفسها في اللحظة المناسبة قد تتحول من أفق للتحرر إلى حصار على ذاتها.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال ظفار في الهزيمة. فالثورات لا تُقاس فقط بما انتهت إليه عسكرياً، بل بما تركته في الذاكرة من أسئلة وندوب ومعانٍ. لقد كشفت ظفار وجه الخليج الذي نادراً ما كان يُرى: خليج الفقراء والمهمشين والعمال والقبائل والنساء اللواتي دخلن زمن السياسة والسلاح والتنظيم. كشفت أن وراء النفط والقصور والقواعد العسكرية شعوباً كانت تبحث عن اسمها ومكانها وكرامتها.

ولهذا بقيت ظفار في وجدان جيلنا أكثر من فصل منسي في تاريخ عُمان. بقيت درساً عن الحلم حين يتجاوز حدوده، وعن العدالة حين تحتاج إلى حكمة، وعن الثورة حين تصير اختباراً لا للشجاعة فقط، بل للبصيرة أيضاً. وبقي فواز طرابلسي أحد الذين منحونا لغة لفهم تلك التجربة: لغة لا تخون التعاطف، لكنها لا تتخلى عن النقد؛ ولا تمحو البطولة، لكنها لا تقدس الخطأ.

كبر جيلنا على هذه الحكايات لأننا كنا نبحث، مثل أصحابها، عن معنى للحرية في زمن مزدحم بالهزائم. كبرنا ونحن نظن أن الجبل البعيد في ظفار كان جزءاً من جغرافيتنا الداخلية، وأن صوت الثورة هناك كان صدى لأسئلة لم تنتهِ بعد. وربما لهذا، كلما عادت ذكرى التاسع من يونيو، لا نستعيد مجرد واقعة من الماضي، بل نستعيد زمناً عربياً كاملاً كان يؤمن، رغم كل شيء، بأن المستحيل يمكن أن يُجرَّب، وأن الكرامة تستحق أن يُغامر الإنسان من أجلها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...