أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
يسألني بعض الأصدقاء:
لماذا تستعيد سيرة اليسار؟
لماذا تعود إلى تلك الأسماء، وتلك الوجوه، وتلك الرايات، وتلك الهزائم، وتلك الأحلام التي يظنّ البعض أنها صارت من الماضي؟
وأجيبهم ببساطة موجعة:
لأنني لا أستطيع أن أقتلع من قلبي عمراً كاملاً، ولا أن أتعامل مع جزء عميق من روحي كأنه لم يكن.
أنا ابن تلك المدرسة.
ابن اليسار الذي علّمني أن الإنسان لا يولد كي يكون تابعاً أو ذليلاً أو مسحوقاً.
ابن الحلم الكبير بالعدالة، والحرية، والكرامة، والمساواة.
ابن تلك الأزمنة التي كان فيها الكتاب سلاحاً، والمنشور وعداً، والرفيق عائلة، والسجن احتمالاً يومياً، والحلم أكبر من الخوف.
عايشتُ كباراً من هذه المدرسة: جورج حاوي، غسان الرفاعي، كريم مروة، جورج البطل، فواز طرابلسي، محسن إبراهيم، زكي طه، وعشرات الكوادر والقادة السياسيين والعسكريين، أولئك الذين لم يكونوا أسماء في الذاكرة فقط، بل وجوهاً من لحمٍ وحلمٍ وتعبٍ وقلق.
انتميتُ إلى الحزب الشيوعي بعكس إرادة عائلتي.
لم يكن ذلك نزوة شباب، ولا رغبة في التمرد من أجل التمرد. كان بحثاً عن معنى.
قضيتُ ردحاً من العمر مناضلاً، كاتباً، محاوراً، ناقداً ومنتقداً.
آمنتُ، واختلفتُ، وراجعتُ، وغضبتُ، وخرجتُ من بعض اليقين، لكنني لم أخرج من الانحياز إلى الإنسان.
ما زلتُ أعتقد أن ماركس، كأداة تحليل، لم ينتهِ.
نعم، تغيّر العالم، وتغيرت الطبقات، وتبدلت أدوات السيطرة، وصار رأس المال أكثر دهاءً، لكن السؤال الجوهري ما زال قائماً:
من يملك؟ ومن يعمل؟ ومن يُستغَل؟ ومن يُقصى؟ ومن يدفع ثمن الثروة والحروب والسلطة؟
علّمنا ماركس أن الاقتصاد ليس أرقاماً باردة، بل علاقات قوة ومصالح وصراع.
وعلّمنا علم الاجتماع أن الإنسان ليس فرداً معزولاً في الهواء، بل ابن طبقته وبيئته وثقافته وتاريخه وجراح مجتمعه.
أما الفلسفة، فقد منحتنا شجاعة السؤال، وعلّمتنا أن أخطر ما يصيب الإنسان هو أن يعتاد الظلم حتى يظنه قدراً.
ما زلتُ معجباً بمهدي عامل، لأنه جعل الفكر سلاحاً ضد الطائفية والتبعية.
وبحسين مروة، لأنه فتح التراث على العقل والنقد، لا على الجمود والخوف.
وبأنطونيو غرامشي، لأنه علّمنا أن المعركة ليست في الشارع وحده، بل في الثقافة والوعي واللغة والمعنى.
وبروزا لكسمبرغ، لأنها قالت لنا إن الحرية لا تكون حرية إن لم تكن أيضاً حرية المختلف والمعارض والضعيف.
وتعلّقتُ أيضاً بالأحزاب الشيوعية العربية، لا كتنظيمات معصومة، بل كتجارب كبرى حفرت عميقاً في وجدان شعوبها.
تعلّقتُ بالشيوعيين العراقيين، برفاق فهد، ذلك الاسم الذي صار رمزاً للصلابة والفداء في مواجهة الاستبداد.
كان فهد ورفاقه أبناء عراقٍ موجوع، حملوا فكرة العدالة في بلدٍ كان يمتلئ بالفقر والقمع والملوك والعسكر والانقلابات.
ثم جاء عزيز محمد ورفاقه، بجراحهم وأسئلتهم وتجربتهم الصعبة، ليقولوا إن الحزب ليس شعاراً فقط، بل تاريخ من السجون والمنافي والدم والنقد والانقسام والأمل العنيد.
في العراق تعلّمنا أن الشيوعي قد يُطارد في الأزقة، ويُعلّق على المشانق، ويُدفن في الصمت، لكنه يترك وراءه أغنية لا تموت.
وتعلّقتُ بالشيوعيين السودانيين، برفاق عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ.
كان عبد الخالق عقلاً سياسياً نادراً، مثقفاً صلباً، يرى في السودان وطناً للتعدد والعدالة لا مزرعة للعسكر والطغاة.
وكان الشفيع صوت العمال وكرامة النقابيين، رجلاً خرج من قلب الناس، من تعبهم وعرقهم ومطالبهم البسيطة بالحياة الكريمة.
دفع رفاق السودان ثمناً باهظاً، لكنهم تركوا درساً عظيماً: أن الفكر حين يمتزج بالشعب لا يموت على حبل المشنقة، بل يتحول إلى ذاكرة وطن.
وتعرّفتُ على الأرمن عبر الرفيق آرتين مادويان، أحد الوجوه المؤسسة والمضيئة في تاريخ الحزب الشيوعي، ذلك الإنسان الذي حمل في شخصه ذاكرة شعبٍ نجا من المأساة، ولم يفقد إيمانه بالعدالة والكرامة والأممية.
ومن خلاله عرفتُ ابنه الرفيق مارديك، ورفاقاً أعزاء مثل أبو فرج ونارسيس وأبو جابي ( إسكندر)، فأدركتُ أن الأرمن لم يكونوا جماعة تعيش على هامش الحكاية، بل جزءاً أصيلاً من نسيج النضال والثقافة والعمل والوفاء.
علّموني أن الذاكرة حين تتألم لا تنغلق بالضرورة على نفسها، بل قد تنفتح على قضايا الآخرين، وأن شعباً عرف الإبادة والمنفى يستطيع أن يفهم بعمق معنى الظلم حين يقع على الكردي والفلسطيني والعامل والفقير وكل من تُسحق كرامته.
وتوقفنا طويلاً عند جورج حبش، الحكيم، ذلك الفلسطيني الصلب الذي جمع بين وجع اللجوء وصرامة الطبيب ووعي المناضل.
كان حبش بالنسبة إلينا أكثر من قائد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كان صورة الفلسطيني الذي رفض أن تتحول النكبة إلى بكاء فقط، وأراد لها أن تكون تنظيماً وفكراً ومقاومة.
كان الحكيم وجهاً من وجوه الصرامة الأخلاقية في السياسة، رجلاً خرج من الجرح الفلسطيني الكبير ليقول إن الهزيمة لا تُقاوَم بالدموع وحدها، بل بالوعي والتنظيم والإرادة.
ولا يمكن أن أذكر تلك المرحلة من دون وديع حداد.
في تجربة وديع حداد رأينا الوجه الأكثر سرية وراديكالية وجرأة في العمل الفلسطيني المسلح.
اختلف حوله كثيرون، وما زال اسمه يثير الجدل، لكنه كان ابن زمنٍ كان يعتقد أن العالم لا يسمع صوت المظلومين إلا حين يهتز بعنف.
كان وديع حداد بالنسبة لجيل كامل رمزاً للذهاب إلى أقصى الحافة، حيث تمتزج القضية بالحلم، والمغامرة بالخطر، والسياسة بالنار.
قد نختلف اليوم مع كثير من الوسائل، وقد نعيد النظر في تلك التجارب بعين أكثر هدوءاً، لكننا لا نستطيع أن نفهم تلك المرحلة من دون أن نفهم غضبها، ويأسها، واندفاعها، وإحساسها بأن فلسطين تُركت وحيدة أمام عالم أصمّ.
تنقّلنا في إعجابنا بين الراديكالي والمنفتح، بين من أراد كسر العالم دفعة واحدة، ومن آمن أن التغيير يحتاج إلى صبرٍ ونقدٍ وتحالفات ومساحات أوسع للناس.
لم نكن نسخة واحدة، ولم يكن اليسار بيتاً بلا خلافات.
اختلفنا حول تروتسكي، مؤسس الجيش الأحمر السوفياتي، ذلك الثوري الذي رأى أن الثورة إذا حوصرت في بلد واحد قد تخنقها البيروقراطية.
كان تروتسكي بالنسبة للبعض صوت الثورة الدائمة ونقد الاستبداد الحزبي، وبالنسبة لآخرين مغامراً لا يقرأ تعقيدات الدولة والحصار والقوة.
وتناقشنا بحدة حول ستالين والتجربة السوفياتية.
لم تكن نقاشاتنا باردة، بل كانت معارك فكرية ووجدانية، لأن الاتحاد السوفياتي كان عند كثيرين منا حلماً كبيراً وجرحاً كبيراً في الوقت نفسه.
وقف ضد النازية، ودعم حركات تحرر، وفتح أمام الفقراء والمستضعفين خيالاً عالمياً جديداً؛ لكنه أيضاً بنى دولة قاسية، وسجوناً، وبيروقراطية خانقة، وعبادة للفرد، وتحالفات لم تكن دائماً بريئة ولا عادلة.
وكان أكثر ما أوجعنا أن تلك التجربة، باسم المصالح الدولية وتوازنات الحرب الباردة، وقفت أحياناً مع دكتاتوريات عربية، أو سايرتها، أو ضغطت على الأحزاب الشيوعية كي تنحشر في هوامشها وتدفع أثماناً باهظة من استقلالها وكرامتها السياسية.
رأينا كيف جرى تبرير العلاقة مع أنظمة مثل نظام الأسد وصدام حسين وعبد الناصر، وكيف طُلب من شيوعيين عرب أن يهادنوا سلطاتٍ ضيّقت عليهم، وسجنتهم، واستخدمتهم حين احتاجت إليهم، ثم ضربتهم حين انتهت الحاجة.
وهنا كان السؤال المرّ يطاردنا دائماً: كيف يمكن لفكرة وُلدت لتحرير الإنسان أن تصمت أمام سجنه؟ وكيف يمكن لحلم العدالة أن يتحول، باسم الدولة والمصلحة والتحالفات، إلى غطاءٍ للاستبداد؟
ولهذا أشعر بألمٍ عميق اليوم، حين أرى بعض اليسار يلبس لفّة ملالي إيران، وينسى أن الخميني لم يكن امتداداً لحلم الشعب الإيراني في الحرية، بل كان من سرق ثورته، وسحق يسارها، وذبح مناضليها بلا رحمة.
أشعر بالألم حين يتحول بعض من رفعوا راية العقل والتحرر إلى مبرّرين للاستبداد الديني، فقط لأنه يرفع شعارات ضد أميركا أو يتكلم باسم المقاومة.
فاليسار الذي لا يرى السجن إلا إذا كان سجّانه خصمه، ولا يرى القتيل إلا إذا قتله عدوه، يفقد روحه ومعناه.
لا يمكن لمن حلم بالحرية أن يبرر دولة العمامة والسوط.
ولا يمكن لمن بكى على رفاقه في السجون أن يصفق لسجون الآخرين.
المعيار ليس من يرفع الشعار الأعلى، بل من يحمي الإنسان من القمع، ومن يدافع عن حقه في التفكير والاختلاف والحياة.
وفي قلبي أيضاً ظفار، تلك الثورة البعيدة القريبة، التي حلمت بأن تفتح للجبال والقرى والنساء والفقراء باباً على العدالة والكرامة.
ظفار لم تكن مجرد بندقية في جبل، بل محاولة كي يقول المنسيون إن لهم صوتاً وحقاً ومستقبلاً.
وفي ذاكرتي اليمن السعيد، لا كاسم جميل فقط، بل كحلم عربي مكسور ما زال يبحث عن سعادته بين الحرب والفقر والانقسام.
وفي وجداني عدن، المدينة التي عرفت البحر والميناء والعمال والمنفى والأفكار الكبيرة، وكانت يوماً مختبراً للحلم والتحديث واليسار.
ولا أنسى كومونة باريس، تلك اللحظة الخاطفة التي قالت إن العمال والفقراء يستطيعون أن يحكموا مدينتهم، ولو لأيام قليلة، وأن الحلم قد يُهزم عسكرياً لكنه لا يُمحى من ذاكرة الشعوب.
ولا أنسى تشيلي أليندي، حين حاول رجل نبيل أن يفتح طريقاً ديمقراطياً نحو العدالة، فأسقطته الدبابات والانقلابات ومصالح الإمبراطوريات.
كانت تشيلي درساً قاسياً: أن الصندوق وحده لا يحمي الحلم حين تتآمر عليه البنادق والشركات والمخابرات.
تأثرتُ بالحركات الثورية في العالم، بما لها وما عليها.
بالجيش الأحمر الياباني، وبفصيل الجيش الأحمر الألماني، المعروف أيضاً بجماعة بادر ماينهوف، وبكل أولئك الذين رأوا في فلسطين قضية أممية لا تخص شعباً وحده، بل تخص معنى العدالة في العالم.
أعرف أن بعض تلك التجارب أخطأ، وبعضها تطرف، وبعضها دفع حياته ثمناً لأوهامه أو لأحلامه، لكن تلك المرحلة كانت تقول شيئاً واضحاً: العالم لم يكن ساكناً، وجيلنا لم يكن محايداً أمام الظلم.
أنا ابن واحدة من أكبر القضايا في هذه المنطقة: القضية الكردية.
وما زلنا، رغم كل الدماء والوعود المكسورة والخرائط الظالمة، نبحث عن حقنا في تقرير المصير، وعن مكان آمن للكرامة واللغة والهوية والذاكرة.
القضية الكردية ليست وجعاً قومياً فقط، بل امتحان أخلاقي لكل من يتحدث عن الحرية والعدالة وحقوق الشعوب.
وساندتُ الشعب الفلسطيني، ووقفتُ معه في السراء والضراء.
لم تكن فلسطين عندي شعاراً سياسياً ولا هتافاً عابراً، بل جرحاً إنسانياً مفتوحاً.
فلسطين كانت وما زالت سؤال العدالة العاري أمام عالم يدّعي الحضارة، ثم يترك شعباً كاملاً تحت الاحتلال والمنفى والموت.
قرأتُ حنّا مينه، فتعلمتُ أن البحر والفقر والعمل يصنعون رجالاً لا تنكسر أرواحهم.
وقرأتُ غابرييل غارسيا ماركيز، فتعلمتُ أن الذاكرة قد تتحول إلى أسطورة، وأن الشعوب المقهورة تخبئ أحلامها في الحكايات.
وقرأتُ غوغول، فوجدتُ في السخرية مرآة للبيروقراطية والبؤس والإنسان الصغير المسحوق.
وقرأتُ دوستويفسكي، فدخلتُ إلى أعماق النفس البشرية حيث يتصارع الإيمان والشك، الخطيئة والخلاص، الألم والحرية.
وقرأتُ أوستروفسكي، فتعلمتُ أن الإنسان قد يُصهر مثل الفولاذ حين يؤمن بقضية أكبر من ألمه.
وقرأتُ أمين معلوف، ففهمتُ أن الهويات إذا أُغلقت صارت سجوناً، وإذا انفتحت صارت جسوراً.
وقرأتُ محمد عيتاني، وعزيز نيسين، وعبد الرحمن منيف، وغسان كنفاني، وأسماء كثيرة لا يتسع لها مقال واحد.
من كنفاني تعلمنا أن الكلمة قد تقاوم مثل البندقية.
ومن منيف تعلمنا أن الاستبداد والنفط والصحراء قد تصنع خرائط قاسية للإنسان.
ومن عزيز نيسين تعلمنا أن الضحك أحياناً يكون أعلى أشكال الاحتجاج.
قرأتُ بابلو نيرودا، محمود درويش، ناظم حكمت، الجواهري، وسميح القاسم…
فاختلط قلبي بين الحب والثورة والوطن.
من نيرودا تعلّمت أن الحب قد يكون كونًا كاملًا:
“أحبك بلا أن أعرف كيف…”
ومن درويش أن الوطن ليس أرضًا فقط، بل جرحٌ يمشي فينا:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”
ومن ناظم حكمت أن الأمل مقاومة:
“أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد.”
ومن الجواهري أن الكلمة قد تصير سيفًا:
“سلامٌ على هضبات العراق.”
ومن سميح القاسم أن الكرامة لا تُساوَم:
“تقدّموا… كل سماء فوقكم جهنم.”
هكذا وجدتني بين قصيدة حب، وصرخة وطن، ونبض ثورة…
لا أعرف هل كنت أقرأ الشعر، أم كان الشعر يقرأني
ولم تكن الكتب وحدها هي التي صنعت وجداني.
كانت الأغاني أيضاً جزءاً من الذاكرة، ومن الحلم، ومن الطريق.
غنّيتُ مع سميح شقير للسودان والجولان، ولصديقه شڤان من كردستان، فكانت الأغنية عنده تمتد من جبلٍ إلى جبل، ومن منفى إلى منفى، ومن جرحٍ إلى جرح.
وغنيت مع فرقة الطريق العراقية اعود وكيف لا اعود وعدنا لعراق بلا صدام حسين. عراق ثبت الحد الأدنى من حقوق الكرد ” الفيدرالية”.
وغنّيتُ مع الشيخ إمام: “هم مين ونحن مين”، لا كسؤال في أغنية فقط، بل كسؤال طبقي وأخلاقي وسياسي ظل يطاردني في كل منعطف.
وغنّيتُ مع مارسيل خليفة: “يا علي”، و“يا بحرية”، و“الحدود”، و“الهوية”، فكانت الموسيقى عنده وطناً مؤقتاً لمن لا وطن لهم، وذاكرةً لمن أخذت منهم الحروب أسماءهم وبيوتهم.
وغنّيتُ مع زياد الرحباني: “أنا مش كافر”، لأن السخرية أحياناً تكون صلاة المكسورين حين لا يجدون مكاناً في معابد الطاعة.
وغنّيتُ مع سامي حواط: “أحد الأخوان لبطني”، فكانت الأغنية تضحك وتوجع في الوقت نفسه، وتقول إن الإنسان العادي، بجوعه وسخريته وغضبه، هو بطل الحكاية الحقيقي.و
تأثرتُ بتشي غيفارا، لأنه جعل الحلم أكثر خطورة من الراحة.
وتأثرتُ بالجنرال جياب، لأنه أثبت أن الشعوب الصغيرة تستطيع أن تهزم الإمبراطوريات حين تمتلك الإرادة والتنظيم والصبر.
وتأثرتُ بثورتي كوبا وفيتنام، لا كصور رومانسية معلقة على الجدران، بل كتجربتين قالتا إن التاريخ لا يكتبه الأقوياء وحدهم.
فكيف يمكن أن أترك كل ذلك؟
كيف أتعامل معه كأنه لم يكن؟
كيف أمحو وجوهاً وكتباً وسجوناً ومنابر ورفاقاً ومجادلات طويلة وأحلاماً كانت أكبر من أعمارنا؟
أنا لا أستعيد اليسار كي أقدّسه.
ولا أكتب عنه كي أقول إننا كنا دائماً على حق.
ولا أعود إلى تلك السيرة لأهرب من الحاضر، أو لأغلق عيني عن أخطاء الماضي.
لقد أخطأنا، وخسرنا، وتوهمنا، وتصلّبنا أحياناً، ورفعنا شعارات أكبر من قدرتنا على تحقيقها.
لكننا، رغم كل شيء، لم نكن بلا معنى.
كنا نبحث عن عالم أقل قسوة.
عن وطن لا يذل أبناءه.
عن خبز بلا إهانة.
عن حرية بلا خوف.
عن عدالة لا تقف عند باب الطائفة أو القومية أو الطبقة.
عن إنسان لا يُسحق لأنه فقير، أو كردي، أو فلسطيني، أو عامل، أو مختلف، أو معارض.
لهذا أكتب.
لا لأنني أعيش في الماضي، بل لأنني لا أريد للماضي أن يتحول إلى رماد صامت.
أكتب لأن في تلك التجارب ما يستحق النقد، وما يستحق الوفاء، وما يستحق أن يُقرأ بعين جديدة وقلب لم يمت.
خرجتُ من بعض التنظيمات، نعم.
خرجتُ من بعض اليقين القديم.
خرجتُ من بعض الأوهام التي ظنناها حقائق.
لكنني لم أخرج من الحلم بالعدالة.
لم أخرج من الانحياز إلى الإنسان.
لم أخرج من سؤال الحرية.
لم أخرج من وجع المظلومين.
أنا ابن ذلك الطريق، حتى لو غيّرتُ خطاي.
ابن تلك الرايات، حتى لو صارت اليوم مثقلة بالغبار.
ابن تلك الأغاني، حتى لو خفت صوتها.
ابن تلك الهزائم، لأنها علمتني أن الإنسان لا يُقاس بانتصاراته فقط، بل بقدرته على أن يبقى وفياً لما هو نبيل فيه.
لذلك أستعيد سيرة اليسار.
لا لأبكي على زمن مضى، بل لأفتش في رماده عن جمرة صغيرة
ربما نحتاجها اليوم، في هذا العالم المتوحش، كي نضيء بها طريقاً جديداً نحو مستقبل أكثر رحمة، أكثر عدلاً، وأكثر إنسانية.
أبحث، وأكتب، وأناقش، لا لأستعيد يقيناً مات، بل لأفهم أكثر، ولأعرف في هذا الخراب الكبير: “هم مين ونحن مين”.
:::



