الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو جماعة أو ثقافة، بل من موقع إنسان عاش في بلاد الإسلام، ورأى من الداخل جمال الإيمان حين يكون علاقة روحية بين الإنسان وربه، وخطورته حين يتحول إلى ضغط اجتماعي أو مطالبة سياسية أو وصاية على حياة الآخرين. لذلك، حين أكتب عن هذا الموضوع، لا أكتبه بدافع عنصرية ولا استهداف ولا إسلاموفوبيا، بل بدافع الدفاع عن مبدأ واحد: لا حرية حقيقية بلا احترام متبادل، ولا تعايش بلا حدود واضحة بين الإيمان الشخصي والنظام العام.

في أوروبا، ومنها إيطاليا، وجد كثيرون من المهاجرين واللاجئين وطالبي العمل ملاذاً من القمع أو الفقر أو الحرب أو غياب العدالة. وجدوا قانوناً يحميهم، ودولة تمنحهم حق العبادة، وشارعاً لا يسألهم عن دينهم قبل أن يعترف بكرامتهم الإنسانية. وهذه نعمة أخلاقية وسياسية عظيمة. لكن السؤال الصعب يبدأ عندما تتحول الحرية التي منحتها الدولة للمهاجر إلى مطالبة بتغيير عادات المجتمع المضيف، أو إلزام أبنائه بسلوك ديني لا يؤمنون به.

من حق المسلم أن يصوم رمضان، لكن ليس من حقه أن يطلب من غير المسلم ألا يأكل أمامه. ومن حقه أن يصلي، لكن ليس من حقه أن يجعل الشارع العام مكاناً دائماً لتعطيل حركة الناس باسم العبادة. ومن حقه أن يرى الخمر محرماً في عقيدته، لكن ليس من حقه أن يطلب من المجتمع المسيحي أو العلماني أن يخجل من رموزه أو عاداته أو طقوسه. ففي المسيحية، للخمر معنى ديني ورمزي في سرّ القربان، وفي الثقافة الأوروبية له حضور تاريخي واجتماعي. فكيف يحق لمن جاء طالباً الحرية أن يبدأ أول دروسه بمطالبة الآخرين بالتنازل عن حريتهم؟

الحرية الدينية، في جوهرها، تعني أن تمارس إيمانك دون اضطهاد، لا أن تفرض حساسية إيمانك على المجال العام. الصائم الحقيقي لا يحتاج إلى إخفاء الطعام من أمامه حتى يثبت صبره. والمؤمن الحقيقي لا يحتاج إلى السيطرة على الشارع حتى يثبت حضوره. والضيف، أخلاقياً، لا يطلب من البيت الذي استقبله أن يغيّر أثاثه وعاداته وتاريخه كي يشعر هو بالراحة.

هذا لا يعني أن على المسلم أن يذوب أو يتخلى عن هويته. لا أحد يطلب ذلك. المطلوب هو الفرق بين الاندماج والاستعلاء. الاندماج يعني أن أحافظ على خصوصيتي الدينية داخل حدود القانون والاحترام العام. أما الاستعلاء فهو أن أتعامل مع المجتمع المضيف كأنه ناقص أخلاقياً لأنه لا يعيش وفق شريعتي. هنا تبدأ المشكلة: حين تتحول الهجرة من بحث عن الأمان إلى مشروع ضغط ثقافي، وحين تتحول الحرية من حق شخصي إلى محاولة لإعادة تشكيل البلد المضيف.

القانون الدولي نفسه لا يفهم الحرية باعتبارها حقاً مطلقاً بلا حدود. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، يقرر في مادته الثامنة عشرة حق كل إنسان في حرية الفكر والضمير والدين، بما في ذلك حرية إظهار الدين أو المعتقد بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم. لكنه في مادته التاسعة والعشرين يضع قاعدة لا تقل أهمية، وهي أن ممارسة الحقوق والحريات تخضع للقيود التي يقررها القانون بهدف ضمان الاعتراف الواجب بحقوق الآخرين وحرياتهم واحترام مقتضيات الأخلاق والنظام العام والرفاه العام في مجتمع ديمقراطي. وهذا يعني أن الحق الديني محترم، لكنه ليس فوق حقوق الآخرين ولا فوق النظام العام.

والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 1966 ودخل حيز النفاذ عام 1976، يؤكد في المادة الثامنة عشرة أن حرية الإنسان في اعتناق دين أو معتقد لا يجوز المساس بها، لكنه يميز بين الإيمان الداخلي ومظاهر ممارسة الدين في المجال العام. فإظهار الدين أو المعتقد يمكن أن يخضع لقيود يحددها القانون متى كانت ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين. أي أن الصلاة والصوم واللباس والدعوة الدينية حقوق محترمة، لكنها لا تمنح صاحبها حق تعطيل حياة الناس أو مصادرة حرياتهم.

وكذلك تنص المادة التاسعة عشرة من العهد نفسه على حرية الرأي والتعبير، لكنها تقر بأن هذه الحرية تحمل واجبات ومسؤوليات خاصة، ويمكن أن تخضع لقيود ضرورية لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. وهذا مهم لأن النقاش حول الدين والهجرة والهوية يجب أن يبقى ممكناً دون تخويف الناس بتهم جاهزة، ما دام لا يدعو إلى كراهية أو عنف أو تمييز. النقد ليس عنصرية بالضرورة، والدفاع عن ثقافة البلد المضيف ليس فاشية، كما أن حماية حرية المسلم في العبادة لا تعني إسكات غير المسلم عن الدفاع عن نمط حياته.

أما الحق في التجمع السلمي، بما فيه التجمعات ذات الطابع الديني أو الاجتماعي، فمحمي في المادة الحادية والعشرين من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، غير أن الحماية القانونية لهذا الحق لا تعني غياب التنظيم. فالتجمع السلمي يمكن أن يخضع لقيود قانونية ضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم. لذلك لا يجوز التعامل مع الشارع العام كأنه ملك لجماعة دينية أو سياسية بعينها. الشارع للجميع: للمؤمن وغير المؤمن، للمسلم والمسيحي واليهودي واللاديني، للمرأة والرجل، للعامل والطالب والمسن والمريض.

المسألة إذن ليست ضد الإسلام، بل ضد فرض أي دين على المجال العام. لو جاء مسيحي إلى بلد مسلم وطالب الناس بتغيير عاداتهم لأن صليبه يزعجهم أو لأن طقوسهم لا تشبه طقوسه، لرفضنا ذلك. ولو جاء ملحد إلى مجتمع متدين وطالب بمنع الأذان أو الكنائس لمجرد أنه لا يحب الدين، لرفضنا ذلك أيضاً. المبدأ واحد: لا أحد يملك المجتمع وحده. ولا أحد يملك حق تحويل حريته الشخصية إلى عبء يومي على الآخرين.

الأخلاق الدينية نفسها تؤكد هذا المعنى. فالدين الذي لا يعلّم صاحبه احترام المضيف، واحترام الطريق، واحترام حرية المختلف، يتحول من إيمان إلى عصبية. وفي التراث الديني عموماً، قيمة الضيافة لا تعني أن الضيف يحكم البيت، بل أن يحترم كرم من استقبله. ومن عاش في بلاد الإسلام يعرف جيداً أن المجتمعات هناك تطلب من الغريب احترام عاداتها ورموزها وحساسياتها. فلماذا يصبح احترام العادات واجباً هناك، وعنصرية هنا؟

على المهاجر أن يفهم أن أوروبا لم تمنحه الحرية كي يحارب بها حرية الأوروبي. منحته حق بناء مسجد ضمن القانون، لا حق مصادرة الساحات. منحته حق الصيام، لا حق تأنيب الناس لأنهم يأكلون. منحته حق الحجاب، لا حق إدانة امرأة لا ترتديه. منحته حق تربية أبنائه على دينه، لا حق عزلهم عن المجتمع أو تعليمهم كراهية البلد الذي يحملون أوراقه ويأكلون من خيره.

وفي المقابل، على المجتمع الأوروبي أن يكون عادلاً: لا يخلط بين المسلم المتدين والمتطرف، ولا بين المهاجر العامل والمجرم، ولا بين اللاجئ المحتاج ومن يستغل القانون. العدل يقتضي حماية حرية العبادة، ومكافحة العنصرية، ومعاقبة خطاب الكراهية، لكنه يقتضي أيضاً قول الحقيقة بوضوح: الاندماج ليس خياراً تجميلياً، بل شرط أخلاقي وسياسي لاستمرار السلم الاجتماعي.

إيطاليا، مثل غيرها من الدول الأوروبية، ليست فندقاً بلا ذاكرة. هي بلد له تاريخ ودين وثقافة وفنون ومطبخ وطقوس وأعياد وشوارع وكنائس وساحات ونمط حياة. من يأتي إليها يجب أن يحترم هذا كله. ليس مطلوباً منه أن يصبح إيطالياً ضد أصله، ولكن مطلوب منه ألا يتعامل مع إيطاليا كأرض محايدة بلا روح، أو كمجرد مصدر مساعدات ووثائق وفرص عمل.

الحرية الحقيقية تقوم على قاعدة بسيطة: لك دينك ولي حياتي. لك صومك ولي طعامي. لك صلاتك ولي طريقي. لك قناعتك ولي قناعتي. نلتقي في القانون، ونتساوى في الكرامة، ونختلف دون أن يفرض أحدنا نفسه على الآخر.

لذلك، فإن الدفاع عن حضارة البلد المضيف ليس اعتداءً على المهاجر، بل دفاع عن العقد الاجتماعي الذي يحمي الجميع. فمن دون هذا العقد، لن تبقى حرية للمسلم ولا لغير المسلم. ستتحول المجتمعات إلى جزر متصارعة، كل جماعة تطلب من الأخرى أن تنحني أمام حساسياتها.

الهجرة الناجحة لا تبدأ من سؤال: ماذا يجب أن يغيروا هم من أجلي؟ بل من سؤال: كيف أعيش بينهم باحترام، وأحافظ على إيماني دون أن أعتدي على حريتهم؟ عند هذه النقطة فقط يصبح التعايش ممكناً، وتصبح الحرية نعمة مشتركة، لا سلاحاً موجهاً إلى صدر المجتمع الذي فتح بابه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

حوار عربي–صيني معمق في جامعة شي بي حول العلاقات الدولية ودراسات الأحزاب

أخباركم - أخبارنا شيآن – الصين: واصل وفد الأحزاب اليسارية من البلدان العربية، الذي يزور...

إبراهيم اليوسف وجكرخوين: حين يتحول الكتاب إلى وفاء لذاكرة شاعر وأمة

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا...

بين قضبان الظلم وتغريدة الحرية: عندما يعود إحساس فضل شاكر ليصالح الدنيا

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود أخيراً، تنفست الموسيقى الصعداء، وعادت النبضة التي غابت طويلاً لتملأ...