أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك «الاعلام الاسرائيلي يتحدث عن “ضرورة” السيطرة على مرتفعات اقليم التفاح لحماية المواقع الاسرائيلية في تلال النبطية.
ربما ستبرز لاحقا “ضرورة” احتلال جبل الباروك لحماية مواقع الاحتلال في مرتفعات اقليم التفاح وجبل الريحان وصولا الى صنين والقرنة السوداء… من يدري؟»
في الحروب الحديثة لا تبدأ الخريطة من الخطوط المرسومة على الورق، بل من النقاط التي ترى وتراقب وتضرب. الحدود السياسية قد تقول إن هذه الأرض لبنانية أو سورية، لكن الفكر العسكري يسأل سؤالاً آخر: من يملك المرتفع؟ من يسيطر على الممر؟ من يرى الطريق قبل أن يتحرك عليه الخصم؟ ومن يستطيع أن يحوّل الجغرافيا إلى نظام إنذار مبكر ونار دقيقة ومنع وصول؟
من هنا تأتي خطورة الحديث الإسرائيلي عن «ضرورة» السيطرة على مرتفعات إقليم التفاح لحماية المواقع الإسرائيلية في تلال النبطية. فالمسألة لا تتعلق بتلة هنا أو وادٍ هناك، بل بمنطق استراتيجي كامل يقوم على تحويل الأمن إلى سلسلة لا تنتهي من المواقع المتقدمة. فإذا كانت النبطية تحتاج إلى إقليم التفاح، فإن إقليم التفاح سيحتاج إلى جبل الريحان، والريحان سيحتاج إلى الباروك، والباروك سيحتاج إلى صنين، وصنين سيحتاج إلى القرنة السوداء. هكذا لا يعود الاحتلال حدثاً عسكرياً محدوداً، بل يصبح معادلة تمدد ذاتي: كل موقع يُحتلّ يخلق حاجة إلى موقع أعلى منه أو أعمق منه.
هذا هو جوهر المسألة الجيوسياسية في سوريا ولبنان اليوم. إسرائيل لا تفكر بالحدود كخط فاصل بين سيادتين، بل كمنطقة احتكاك يجب دفعها إلى الخارج. في العقل الأمني الإسرائيلي، الحدود المثالية ليست تلك التي يعترف بها القانون الدولي، بل تلك التي تجعل العدو بعيداً، مكشوفاً، مراقباً، وممنوعاً من المناورة. لذلك تتحول الجبال والتلال والممرات إلى عناصر مركزية في مشروع السيطرة، لأنها تمنح من يملكها ثلاث مزايا حاسمة: الرؤية، النار، والتحكم بالحركة.
في الفكر العسكري، الأرض ليست متساوية. هناك أرض ميتة لا تمنح صاحبها أفضلية، وهناك أرض حاكمة تُخضع ما حولها. المرتفع هو أرض حاكمة لأنه يرى أكثر، ويربط بين قطاعات متباعدة، ويكشف طرق الإمداد، ويتيح توجيه النيران، ويمنح صاحبه قدرة على إدارة المعركة قبل أن تبدأ. لذلك لا تُقاس قيمة جبل الشيخ أو الشقيف أو إقليم التفاح بمساحتها، بل بما تكشفه وتتحكم به. القمة قد تكون أصغر من مدينة، لكنها قد تتحكم بمصير مدينة كاملة.
في سوريا، يمثل جبل الشيخ أو حرمون النموذج الأوضح لهذا التفكير. إنه ليس مجرد قمة عالية، بل منصة استراتيجية تطل على الجولان، وعلى جنوب سوريا، وعلى أجزاء من البقاع اللبناني، وعلى الممرات التي تصل دمشق بالجنوب. من يسيطر على هذه النقطة لا يملك موقعاً دفاعياً فقط، بل يملك عيناً مفتوحة على مسرح عمليات واسع. هنا تصبح الجغرافيا استخبارات قبل أن تكون أرضاً، وتصبح القمة راداراً طبيعياً، وتتحول السيطرة العسكرية إلى قدرة سياسية على فرض الشروط.
وفي لبنان، تؤدي مرتفعات الجنوب الوظيفة نفسها. تلال النبطية، قلعة الشقيف، جبل الريحان، إقليم التفاح، والمرتفعات المتصلة بجزين والبقاع الغربي ليست نقاطاً منفصلة. إنها عقد في شبكة طبوغرافية واحدة. هذه الشبكة تربط الساحل بالداخل، والجنوب بالبقاع، والليطاني بالمناطق الجبلية، وتفتح أو تغلق ممرات الحركة أمام القوات والسكان والإمداد. لذلك فإن السيطرة على مرتفع واحد لا تبقى محصورة في حدوده، بل تعني التأثير في الطرق والوديان والقرى المحيطة به.
العقيدة العسكرية الإسرائيلية، منذ نشأة الدولة، تقوم على هاجس العمق. إسرائيل دولة ضيقة جغرافياً، تخشى الحرب داخل عمقها المدني، ولذلك سعت دائماً إلى نقل المعركة إلى أرض الخصم. هذا ما ظهر في سيناء سابقاً، وفي الجولان، وفي جنوب لبنان، وفي كل مفهوم «الحزام الأمني». الفكرة بسيطة وخطيرة: بما أن الداخل الإسرائيلي لا يحتمل حرب استنزاف طويلة على حدوده المباشرة، يجب إنشاء عمق خارجي، ولو داخل أراضي الآخرين.
لكن العمق الخارجي لا يستقر عند حد. فالحزام الأمني يحتاج إلى حماية، ومواقع الحزام تحتاج إلى مرتفعات تشرف عليها، والمرتفعات تحتاج إلى ممرات خلفية، والممرات تحتاج إلى مناطق نار عازلة. هنا يدخل الاحتلال في حلقة التمدد. يبدأ بحجة منع الصواريخ، ثم يتوسع بحجة منع التسلل، ثم يترسخ بحجة حماية القوات، ثم يطالب بترتيبات سياسية تعترف بالأمر الواقع. وفي كل مرحلة، تتحول «الحاجة العسكرية» إلى «مطلب سياسي».
هذا ما يجعل السيطرة على الممرات مسألة لا تقل أهمية عن السيطرة على القمم. فالحرب لا تُدار من القمم وحدها، بل من الطرق التي تصل بينها. في جنوب لبنان، الممرات بين النبطية وجزين، وبين الليطاني والبقاع الغربي، وبين الساحل والداخل، هي شرايين الحركة. من يراقبها يستطيع أن يبطئ الخصم، أن يقطع الإمداد، أن يعزل القرى، وأن يحول الجغرافيا إلى مصيدة. وفي الجنوب السوري، الطرق بين القنيطرة ودرعا ودمشق ليست مجرد طرق مدنية، بل محاور اقتراب ومناورة وانسحاب وإمداد.
في الفكر الاستراتيجي، تسمى هذه القدرة «السيطرة على خطوط الاتصال». الجيش الذي لا يستطيع تأمين خطوط اتصاله يصبح عاجزاً عن القتال حتى لو امتلك السلاح. لذلك تسعى إسرائيل إلى مراقبة خطوط الاتصال بين سوريا ولبنان، وبين البقاع والجنوب، وبين القرى الحدودية والعمق اللبناني. ليست الغاية فقط منع تهريب السلاح أو حركة المقاتلين، بل جعل أي قوة معادية تعيش تحت ضغط دائم، مكشوفة قبل أن تتحرك، ومهددة قبل أن تنتشر.
هنا تدخل التكنولوجيا لتضاعف قيمة الجغرافيا. في الماضي، كان المرتفع يمنح رؤية بالعين والمدفع. اليوم يمنح المرتفع منصة للطائرات المسيّرة، والحساسات، والرادارات، وأنظمة التنصت، وتوجيه النيران الدقيقة. لم تعد القمة مجرد موقع للمراقب العسكري، بل عقدة في شبكة قتل متكاملة. الطائرة المسيّرة ترى، المستشعر يؤكد، الذكاء الاصطناعي يصنف، والمدفعية أو الصاروخ أو الطائرة تضرب. لذلك يصبح احتلال القمة، حتى بقوة صغيرة، قادراً على إنتاج أثر عسكري واسع.
بهذا المعنى، تسعى إسرائيل إلى بناء ما يمكن تسميته «سيادة نارية» فوق أرض لا تملكها قانونياً. السيادة هنا لا تعني رفع العلم فقط، بل القدرة على الرؤية والإنذار والضرب والمنع. قد لا تحتاج إسرائيل إلى إدارة كل قرية مباشرة، لكنها تريد أن تملك قرار الحركة فوقها وحولها. من يتحرك؟ متى؟ بأي طريق؟ وتحت أي تهديد؟ هذه هي السيطرة الحقيقية في الحروب الحديثة: ليست دائماً احتلالاً كاملاً، بل قدرة دائمة على تعطيل إرادة الخصم.
في لبنان، يكتسب هذا المنطق خطورة مضاعفة بسبب طبيعة البلاد. لبنان ليس ساحة مفتوحة، بل بلد جبلي مركب، شديد الترابط بين الطوائف والمناطق والطرق والموارد. أي سيطرة على عقد جبلية معينة يمكن أن تقطع البلد نفسياً وميدانياً. الجنوب لا يُفصل عن البقاع بخط إداري فقط، بل بممرات ومرتفعات. والساحل لا ينفصل عن الجبل إلا بطرق قليلة نسبياً. لذلك فإن التحكم بالممرات الجبلية لا يعني فقط أفضلية عسكرية، بل قدرة على الضغط السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
من هنا، فإن التوسع الإسرائيلي لا يجب أن يُقرأ فقط كتحرك ضد حزب الله، بل كمشروع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. في سوريا، تريد إسرائيل جنوباً منزوع القدرة العسكرية الثقيلة، خالياً من إيران وحزب الله، ومراقَباً من القمم. وفي لبنان، تريد جنوباً مفكك القدرة، منزوع الكثافة السكانية عند الحاجة، وخاضعاً لنظام مراقبة ونار يمنع إعادة بناء القوة. بين الجبهتين، تظهر خريطة واحدة: قوس أمني من جبل الشيخ إلى الجليل، ومن الجولان إلى الليطاني.
هذا القوس لا يعتمد فقط على الاحتلال المباشر، بل على هندسة الخوف. عندما تُقصف قرية مراراً، وعندما يُمنع السكان من العودة، وعندما تصبح الطرق مهددة، وعندما تتحول الحقول إلى مناطق رصد ونار، ينشأ فراغ بشري. والفراغ البشري مكسب عسكري. فالأرض الخالية أسهل مراقبة، وأقل كلفة في الاستهداف، وأضعف قدرة على إنتاج مقاومة محلية. لذلك يصبح التهجير، حتى لو لم يُعلن هدفاً رسمياً، جزءاً من النتيجة الاستراتيجية.
في المقابل، لا تستطيع المقاومة أو الدولة أو أي قوة دفاعية أن تتجاهل القاعدة نفسها: من لا يملك الجغرافيا الحاكمة، أو لا يمنع العدو من استخدامها، يصبح مكشوفاً. غير أن المشكلة في لبنان وسوريا ليست عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً. فغياب الدولة القادرة على احتكار قرار الحرب والسلم يمنح إسرائيل ذريعة دائمة. ووجود سلاح خارج الدولة يمنحها مادة دعائية وأمنية. أما عجز الدولة عن بسط سيادتها، فيترك الأرض بين قوتين: قوة إسرائيل التي تريد السيطرة من الخارج، وقوة الأمر الواقع التي تتحرك من الداخل.
هنا يصبح السؤال الاستراتيجي اللبناني بالغ الصعوبة: كيف يمكن حماية السيادة من دون ترك الجنوب مكشوفاً، وكيف يمكن منع إسرائيل من احتلال الأرض من دون إبقاء الدولة عاجزة عن قرار الحرب؟ إن أسوأ الاحتمالات هو بقاء الوضع الرمادي: لا حرب شاملة، ولا سلام، ولا سيادة كاملة، ولا انسحاب كامل. هذا الوضع هو البيئة المثالية للتمدد الإسرائيلي، لأنه يسمح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والضربة المؤقتة إلى موقع دائم، والمنطقة العازلة إلى حدود جديدة غير معلنة.
في الفكر العسكري، هناك مفهوم مهم اسمه «الأمر الواقع العملياتي». أي أن القوة لا تحتاج أحياناً إلى إعلان ضم أو توقيع اتفاق كي تغير الخريطة. يكفي أن تضع موقعاً، وتمنع العودة، وتفرض قواعد اشتباك، وتكرر ذلك شهوراً وسنوات، حتى يصبح الواقع الجديد هو المرجعية. عندها لا يناقش العالم أصل الاحتلال، بل يناقش شروط إدارته، ولا يسأل لماذا دخلت القوات، بل متى تنسحب وبأي ضمانات. هكذا تنتصر القوة على القانون بالتدرج لا بالصدمة.
وهذا ما يجعل العبارة الساخرة عن الباروك وصنين والقرنة السوداء عميقة استراتيجياً. فالمسألة ليست أن إسرائيل ستحتل كل جبال لبنان غداً، بل أن منطقها الأمني لا يحتوي على نقطة توقف داخلية. الجبل الأعلى دائماً يغري بالسيطرة، والممر الأبعد دائماً يبدو ضرورياً، والعمق التالي دائماً يُقدَّم كضمانة. وإذا لم توجد قوة سياسية وقانونية وعسكرية تضع حداً لهذا المنطق، فإنه سيواصل إنتاج خرائطه الخاصة.
في النهاية، ما يجري على حدود سوريا ولبنان ليس صراعاً على بضعة مواقع، بل صراع على تعريف الأمن والسيادة. إسرائيل تريد أمناً يتحقق فوق أراضي الآخرين. وسوريا ولبنان يواجهان خطر سيادة منقوصة، لا تُلغى بالضرورة عبر إعلان احتلال كامل، بل عبر السيطرة على القمم والممرات والقرار الميداني. في هذه المعادلة، من يملك جبل الشيخ يراقب الجنوب السوري والبقاع، ومن يملك الشقيف يطل على الليطاني والنبطية، ومن يمد عينه إلى إقليم التفاح يفكر بما بعد النبطية، ومن يفكر بما بعد إقليم التفاح لا يعود يتحدث عن دفاع، بل عن إعادة رسم المجال.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا تريد إسرائيل هذه التلة أو تلك؟ السؤال هو: من سمح لمنطق الأمن الإسرائيلي أن يصبح بديلاً عن سيادة الدول؟ فإذا صار أمن إسرائيل سبباً لاحتلال جبل، ثم سبباً لاحتلال الجبل الذي يحميه، فلن تبقى الحدود حدوداً، بل ستصبح مجرد استراحة مؤقتة بين توسعين.
من يملك القمم يرسم الحدود. ومن يترك قممه بلا سيادة، يترك خرائطه لجنرالات العدو.



