الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد في قارة بعيدة، بل بوصفها مرآةً لجزء من حياتي ووجداني. فقد كنتُ، ككردي، أرى في النضال الأممي قدرًا أخلاقيًا لا ترفًا سياسيًا؛ أن تحمل قضيتك معك، لكنك لا تحبس قلبك داخل حدودها، وأن تؤمن بأن عدالة شعبك لا تكتمل إذا أدرت ظهرك لآلام الشعوب الأخرى. لذلك وجدتُ نفسي، مثل كثيرين من أبناء جيلي، أناضل وأتعاطف وأدافع عن القضايا العربية والقضايا الأممية، لا لأنني أنسى كرديتي، بل لأنني أفهمها كجزء من جرح إنساني أوسع.

كنا نرى في جيفارا أكثر من صورة على جدار. كان بالنسبة إلينا امتحانًا لمعنى الصلابة. وحين غنّى الشيخ إمام حزنًا عليه: «جيفارا مات»، كنا نردد معه بوجعٍ صادق: «مات المناضل المثال، مات الجدع فوق مدفعه جوا الغابات». لم تكن الأغنية رثاءً لرجل واحد فقط، بل كانت رثاءً لفكرة المناضل الذي لا يساوم على جوهره، ولا يبدل بندقيته بكرسي، ولا يحوّل الثورة إلى وجاهة اجتماعية أو خطاب فارغ.

ومثلما بكينا مع الشيخ إمام على جيفارا، سخرنا معه من أولئك الذين يلبسون النضال كما تُلبس البدلات في المناسبات، ورددنا عبارته اللاذعة: «يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات». كانت تلك السخرية تعني لنا الكثير؛ فقد كنا نميّز بين مناضل يعيش قضيته بصلابة، وآخر يتخذ منها زينة للكلام. وكان جيفارا، في وعينا، أحد وجوه تلك الصلابة النادرة: رجلًا لم يكتفِ بثورة محلية ناجحة، ولم يرضَ أن يصبح وزيرًا في دولة منتصرة، بل مضى يبحث عن ثورة عالمية لم يكن الكون جاهزًا لها.

لهذا، حين أكتب عن تشي جيفارا في ذكرى ميلاده، لا أكتب عن سيرة تاريخية باردة، بل عن رجلٍ دخل وجداننا من باب الأغنية والدمع والحلم. أكتب عن ثائرٍ جعلنا نصدق، ولو للحظة، أن الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى كل المظلومين، وأن النضال الحقيقي ليس إقامةً في وطن واحد، بل عبورٌ دائم نحو كل أرض تنادي الحرية.

الميلاد والبدايات

في الرابع عشر من حزيران/يونيو، تعود إلى الذاكرة سيرة إرنستو غيفارا دي لا سيرنا، المعروف عالميًا باسم «تشي جيفارا»؛ الطبيب الأرجنتيني الذي خرج من عيادته الأولى إلى جغرافيا الفقراء، ومن كتب الطب إلى جبال سييرا مايسترا، ومن انتصار كوبا إلى أحلام إفريقيا وبوليفيا.

وُلد تشي في مدينة روزاريو الأرجنتينية في 14 حزيران/يونيو 1928، ومات أسيرًا ومُعدمًا في قرية لا هيغيرا البوليفية في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1967. لكنه بين الميلاد والموت صنع حياة أكبر من عمرها، ورمزًا ظل حاضرًا في الوجدان الثوري العالمي.

لم يولد تشي فقيرًا، لكنه رأى الفقر بعين من لم يستطع أن يتصالح معه. كان مصابًا بالربو منذ طفولته، ومع ذلك عاش بروح المغامر العنيد. درس الطب، وكان يمكن أن يكون طبيبًا ناجحًا في حياة مستقرة، غير أن أميركا اللاتينية أخذته إلى مصير آخر.

رحلة الدراجة النارية واكتشاف الفقر

في رحلته الشهيرة بالدراجة النارية مع صديقه ألبرتو غرانادو عامي 1951 و1952، عبر تشي القارة من الأرجنتين إلى تشيلي وبيرو وكولومبيا وفنزويلا. رأى عمّال المناجم، والفلاحين المطرودين من أرضهم، ومرضى الجذام، والسكان الأصليين الذين يعيشون على هامش الثروة والكرامة.

لم تكن تلك الرحلة مجرد مغامرة شبابية، بل كانت ولادة سياسية داخل شاب يدرس الطب. هناك لم يعد الفقر بالنسبة إليه حالة فردية، بل صار نتيجة نظام كامل من الاستغلال والتبعية والتمييز. لم يعد المرض يبدأ دائمًا من الجسد، بل أحيانًا من الأرض المسلوبة، والأجر المهدور، والتعليم المحروم، والكرامة المنتهكة.

في تلك الرحلة، بدأ تشي يرى أميركا اللاتينية لا بوصفها دولًا منفصلة، بل جسدًا واحدًا ممزقًا بين الاستعمار القديم والهيمنة الجديدة. ومن هنا تحوّل الطب في وعيه من علاج الفرد إلى سؤال أوسع: كيف يُعالَج المجتمع عندما يكون الظلم نفسه هو المرض؟

من غواتيمالا إلى المكسيك

بعد تخرجه، ذهب تشي إلى غواتيمالا، حيث شهد سقوط حكومة جاكوبو أربينز عام 1954، وهي التجربة التي عمّقت اقتناعه بأن القوى الكبرى والشركات العابرة للحدود قادرة على سحق أي مشروع وطني يحاول استعادة الأرض والثروة.

ومن غواتيمالا انتقل إلى المكسيك، وهناك التقى فيدل كاسترو ورفاق حركة 26 يوليو. لم يكن اللقاء عابرًا؛ فقد وجد تشي في الثورة الكوبية المعنى العملي لما كان يتكوّن في داخله. صار مقتنعًا بأن مقاومة الفقر لا تكون بالشفقة فقط، بل بتغيير شروط إنتاجه.

الثورة الكوبية: الطبيب يصير مقاتلًا

في عام 1956، ركب تشي مع فيدل ورفاقه اليخت «غرانما» متجهين إلى كوبا. كادت الحملة أن تُباد في أيامها الأولى، لكن من بقي من الثوار صعد إلى جبال سييرا مايسترا، وهناك صار الطبيب مقاتلًا وقائدًا.

كان تشي يداوي الجرحى ويحمل السلاح، يكتب الملاحظات ويقود المعارك، ويتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز رموز الثورة الكوبية التي انتصرت في كانون الثاني/يناير 1959.

بعد الانتصار، تولى مناصب مهمة في الدولة الجديدة، منها رئاسة البنك الوطني ووزارة الصناعة، وساهم في رسم تصورات اقتصادية واجتماعية للثورة. لكنه لم يكن رجل مكتب بالمعنى التقليدي. بقي داخله المقاتل الذي يخشى أن تتحول الثورة إلى إدارة باردة، وأن تنسى الفقراء الذين قامت باسمهم.

الإنسان الجديد

لم تكن الثورة عند تشي مجرد إسقاط ديكتاتور. كان يؤمن أن الثورة الحقيقية تبدأ بعد الانتصار العسكري، حين يصبح على المجتمع أن يخلق إنسانًا جديدًا.

في فكره، لا يكفي أن تتغير السلطة إذا بقي الإنسان أسير الطمع والخوف والأنانية. كان يريد مجتمعًا لا يكون الربح فيه هو المحرك الأعلى للحياة، ولا يصبح المال مقياس قيمة الإنسان. لذلك شدد على الوعي، والتعليم، والعمل التطوعي، والأخلاق الثورية.

كان يرى أن بناء الاشتراكية لا يتحقق بالمصانع والأرقام وحدها، بل ببناء علاقة جديدة بين الإنسان والعمل. فالعمل، في نظره، ليس مجرد وسيلة للراتب، بل مشاركة في بناء مجتمع أكثر عدالة. ومن هنا جاءت فكرته عن «الإنسان الجديد»: إنسان يعمل من أجل الجماعة لا من أجل نفسه فقط، ويرى في كرامة الآخرين جزءًا من كرامته.

نظرته إلى الفقر

الفقر في فكر تشي لم يكن مشهدًا يستدعي الرحمة، بل فضيحة سياسية. كان يرى أن الفقير ليس ناقصًا في الإرادة، بل محاصرًا ببنية اقتصادية واجتماعية تسلبه الفرصة.

لذلك لم يكن يقبل أن تُختزل مكافحة الفقر في الإحسان، لأن الإحسان قد يخفف الألم لكنه لا يقتلع جذره. كان يريد للفقراء أن يكونوا أصحاب فعل، لا موضوعًا للعطف؛ وأن يتحولوا من ضحايا صامتين إلى قوة تاريخية قادرة على تغيير مصيرها.

كان يرى أن الفقر ليس مشكلة محلية معزولة، بل نتيجة منظومة عالمية من النهب والتبعية والاستغلال. ولهذا ارتبطت عنده قضية الفقراء في أميركا اللاتينية بقضية المستعمرين في إفريقيا، وباللاجئين في فلسطين، وبكل شعب حُرم حقه في الأرض والسيادة والكرامة.

النضال الأممي

من هنا جاءت فكرته عن النضال الأممي. لم يكن تشي يرى الثورة الكوبية جزيرة مكتفية بذاتها، بل شرارة ضمن صراع عالمي ضد الاستعمار والإمبريالية والتبعية.

كان يؤمن أن الظلم إذا كان عالميًا، فإن مقاومته يجب أن تكون عالمية أيضًا. لذلك لم يرَ نفسه أرجنتينيًا فقط، ولا كوبيًا فقط، بل ثائرًا ينتمي إلى كل أرض مظلومة.

كانت الأممية عنده تعني أن تكون قضية الإنسان المضطهد قضية شخصية، حتى لو كان بعيدًا عنك لغةً وجغرافيا. وتعني أن الثائر لا يختار ساحة النضال لأنها مريحة أو قريبة، بل لأنها عادلة وضرورية.

تشي وفيدل كاسترو: بين الدولة والثورة

أما علاقته بفيدل كاسترو، فلم تكن علاقة خصومة بالمعنى الشخصي، ولا قطيعة بين عدوين، بل كانت علاقة ثورية معقّدة بين رجلين التقيا في الهدف العام واختلفا في الإيقاع والوسيلة والأولوية.

كان فيدل، بعد انتصار الثورة، رجل الدولة الذي صار عليه أن يحمي كوبا الصغيرة من الغزو والحصار والانهيار الاقتصادي، وأن يثبت سلطة الثورة داخل جزيرة مهددة من الولايات المتحدة وتعتمد تدريجيًا على الدعم السوفياتي. أما تشي، فبقي أقرب إلى روح المقاتل الأممي الذي لا يرى في انتصار كوبا نهاية الطريق، بل بدايته.

أراد فيدل تثبيت الثورة وبناء الدولة وضمان بقائها، بينما أراد تشي أن تتحول كوبا إلى قاعدة أخلاقية وسياسية لإشعال ثورات أخرى في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا. هنا كان جوهر الاختلاف: بين من صار مسؤولًا عن حكم بلد محاصر ويحتاج إلى الاستقرار، ومن لم يرد أن يتحول النصر إلى إدارة يومية ومؤسسات وحدود.

لم يكن تشي مرتاحًا تمامًا إلى الارتهان المتزايد للاتحاد السوفياتي، ولا إلى تحويل الاشتراكية إلى حسابات تجارية ومصالح دول. في المقابل، كان فيدل مضطرًا إلى موازنة الحلم الثوري مع ضرورات البقاء: السكر، النفط، السلاح، والحماية السياسية في وجه واشنطن.

لذلك لم يكن الخلاف بينهما حول مبدأ الثورة، بل حول سؤالها الكبير بعد الانتصار: هل تُصان الثورة أولًا داخل الدولة، أم تُدفع إلى الخارج ولو على حساب الاستقرار؟ اختار فيدل طريق الدولة المحاصرة التي تريد أن تبقى، واختار تشي طريق الثائر الذي لا يريد أن يستريح.

وحين كتب تشي رسالته الوداعية إلى فيدل، استقال من مناصبه ورتبته وجنسيته الكوبية، معلنًا أن ما كان يربطه بكوبا لم يعد منصبًا أو قانونًا، بل واجبًا أوسع تجاه ساحات نضال جديدة. كان ذلك وداعًا لا إعلان عداوة؛ وداع رجل شعر أن الثورة إذا توقفت عند حدود كوبا ستفقد معناها الأممي.

وقد لخّص هذا التباين مأساة العلاقة بين الحاكم والثائر: فيدل احتاج إلى الزمن كي يحفظ الثورة، أما تشي فخاف أن يقتلها الزمن إذا صارت دولة فقط.

تشي والسوفيات والصين

كانت نظرته إلى الاتحاد السوفياتي والصين معقدة، وليست كما تختصرها الشعارات. كان ماركسيًا وأمميًا، ورأى في الاتحاد السوفياتي قوة كبرى ضرورية في مواجهة الإمبريالية الأميركية، لكنه لم يكن تابعًا أعمى لموسكو.

انتقد تشي ما اعتبره براغماتية سوفياتية زائدة، وانتقد منطق التجارة بين الدول الاشتراكية والدول الفقيرة إذا خضع لقوانين السوق العالمية. كان يرى أن على الدول الاشتراكية الكبرى أن تتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه حركات التحرر، لا أن تتعامل معها كما تتعامل الدول الرأسمالية مع الأسواق والمصالح.

أما الصين، فقد رأى فيها تجربة ثورية كبرى خرجت من الريف والفقر والحرب الشعبية، ولذلك وجد في بعض ملامحها ما يقترب من فكرته عن الإرادة الثورية والعمل الجماعي والتحرر من التبعية. لكنه لم يكن صينيًا بالمعنى الحزبي، ولا مجرد انعكاس للصراع الصيني السوفياتي.

كان يبحث عن طريق أكثر التصاقًا بحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وأقل خضوعًا لمنطق الدولة البيروقراطية أو السوق المقنّعة. لذلك يمكن القول إن تشي احترم موسكو وبكين بقدر ما رأى فيهما سندًا للثورة، وانتقدهما بقدر ما شعر أنهما تبتعدان عن روحها.

تشي في الأمم المتحدة

في 11 كانون الأول/ديسمبر 1964، وقف تشي جيفارا على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ممثلًا لكوبا. لم يكن خطابه دبلوماسيًا بالمعنى الناعم، بل كان خطاب مواجهة.

دافع عن حق كوبا في السيادة، وهاجم التدخلات الأميركية، وندد بالاستعمار والعنصرية والفصل العنصري، وتحدث عن الكونغو وفيتنام وبورتوريكو وفلسطين وقضايا العالم الثالث.

كان حضوره في الأمم المتحدة رسالة مزدوجة: أن كوبا الصغيرة المحاصرة قادرة على مخاطبة العالم، وأن الثورة لا تريد أن تبقى حدثًا محليًا، بل صوتًا لكل الشعوب التي تطالب بالتحرر.

زياراته إلى العالم العربي وهدفها

كان للعالم العربي مكان خاص في جولات تشي ونظرته الأممية. بعد انتصار الثورة الكوبية، خرج في عام 1959 في جولة إلى بلدان آسيا وإفريقيا والعالم العربي، هدفها كسر عزلة الثورة الكوبية، وبناء علاقات سياسية واقتصادية مع دول العالم الثالث، وربط كوبا الناشئة بقضايا التحرر الوطني.

زار تشي مصر في عهد جمال عبد الناصر، وكانت القاهرة آنذاك مركزًا مهمًا لحركات التحرر وعدم الانحياز. كما زار غزة في حزيران/يونيو 1959، وكانت تحت الإدارة المصرية، وهناك رأى وجهًا مباشرًا من وجوه النكبة الفلسطينية واللجوء والاقتلاع من الأرض.

لم تكن زيارته إلى غزة تفصيلًا بروتوكوليًا. كانت جزءًا من رؤية ترى فلسطين قضية تحرر وطني، لا قضية إنسانية فقط. كان الفلسطيني بالنسبة إلى تشي شبيهًا بكل إنسان حُرم أرضه وسيادته وصوته.

كما زار المغرب عام 1959 في سياق الجولة نفسها، وكانت الزيارة جزءًا من محاولة الثورة الكوبية فتح قنوات مع دول ما بعد الاستعمار، وبناء حضور سياسي وتجاري ودبلوماسي خارج المحيط الأميركي. وتورد مصادر تاريخية أنه مرّ كذلك بدمشق في تلك الجولة، وزار مواقع رمزية مثل ضريح صلاح الدين، غير أن تفاصيل الزيارة السورية أقل توثيقًا من زيارته إلى مصر وغزة والمغرب.

كانت غاية تلك الجولات واضحة: أن تقول كوبا إنها ليست وحدها، وأن الثورة الكوبية لا تريد أن تنحصر في البحر الكاريبي، بل تريد أن تكون جزءًا من موجة عالمية تمتد من أميركا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا والعالم العربي.

تجربة الكونغو

عام 1965، ذهب تشي إلى الكونغو لدعم قوى متمردة مرتبطة بإرث باتريس لومومبا ومواجهة النفوذ الاستعماري الجديد. كان يرى في إفريقيا ساحة مركزية من ساحات الصراع العالمي، حيث لم ينتهِ الاستعمار بخروج الجيوش الأجنبية، بل عاد بأشكال أخرى: شركات، عملاء، انقلابات، وتدخلات دولية.

لكن تجربة الكونغو اصطدمت بواقع شديد التعقيد. واجه تشي ضعف التنظيم، والانقسامات الداخلية، وغياب الانضباط، وصعوبة اللغة والبيئة، وتدخل قوى خارجية. انتهت التجربة بالفشل، وخرج منها بمرارة كبيرة.

غير أن فشل الكونغو لم يكن عنده نهاية الحلم، بل درسًا قاسيًا عن أن الثورة لا تُصدَّر بقرار فردي، ولا تنجح إلا إذا وجدت جذورها العميقة في الشعب نفسه. لقد أراد أن يشعل ثورة، لكنه اكتشف أن النار لا تشتعل إذا لم يكن الحطب مهيأً من الداخل.

بوليفيا: حين تسبق الفكرة شروطها

بعد الكونغو، اختار تشي بوليفيا محطته الأخيرة. دخلها متخفيًا عام 1966، آملًا أن تتحول إلى بؤرة ثورية تمتد في أميركا الجنوبية.

لكن الجغرافيا كانت قاسية، والاتصال بالفلاحين ضعيفًا، والدعم السياسي أقل مما توقع، والجيش البوليفي مدعومًا ومستشارًا من الولايات المتحدة. وجد تشي نفسه محاصرًا أكثر فأكثر، لا فقط عسكريًا، بل سياسيًا واجتماعيًا.

بين بطولة الفرد ونضج المجتمع

في التجربة البوليفية، لا تكمن المأساة فقط في الحصار العسكري أو ضعف الدعم أو مطاردة الجيش، بل في سؤال أعمق: ماذا يحدث حين يكون الثائر متقدمًا بفكرته على المجتمع، بينما لم تنضج بعد الشروط الاجتماعية التي تجعل الثورة ممكنة؟

من منظور ماركسي، لا تولد الثورة من إرادة البطل وحده، ولا من نقاء الفكرة وحدها، بل من التقاء الفكرة الثورية مع شروط موضوعية ناضجة داخل المجتمع. فالفقر وحده لا يصنع ثورة، والظلم وحده لا يكفي لإشعالها؛ لا بد أن يتحول الألم الاجتماعي إلى وعي، وأن يتحول الوعي إلى تنظيم، وأن تتحول الطبقات المقهورة من كتلة متفرقة خائفة إلى قوة تاريخية تعرف عدوها ومصلحتها وإمكان التغيير.

لقد عبّر ماركس عن هذا المعنى حين قال إن النظرية تصبح قوة مادية عندما تستولي على الجماهير. وهذه الجملة تختصر مأساة بوليفيا: كانت النظرية حاضرة في وعي تشي، وكانت الفكرة مشتعلة في قلبه، لكنها لم تكن قد أصبحت بعد قوة مادية في الجماهير البوليفية.

التناقض موجود لكنه غير ناضج

في بوليفيا، كان التناقض الطبقي والاجتماعي موجودًا: فقر ريفي، تهميش، هيمنة خارجية، دولة ضعيفة، وفلاحون يعيشون على هامش السلطة والثروة. لكن وجود التناقض لا يعني بالضرورة نضجه الثوري. هنا يبرز الفارق الماركسي بين مجتمع يعاني، ومجتمع صار قادرًا على تحويل معاناته إلى فعل سياسي منظم.

الفلاح البوليفي كان مظلومًا، لكنه لم يكن بالضرورة يرى في مجموعة حرب العصابات القادمة من الخارج تعبيرًا مباشرًا عن خلاصه اليومي. كان الفقر قائمًا، لكن الوعي الثوري لم يكن قد تبلور كقوة جماعية. كانت الأرض تحمل أسباب الغضب، لكنها لم تكن قد أنجبت بعد الأداة السياسية القادرة على تحويل ذلك الغضب إلى ثورة.

ولهذا يصبح كلام إنجلز بالغ الدلالة حين يؤكد أن الثورات لا تُصنع اعتباطًا أو بإرادة مجردة، بل تنشأ من شروط مستقلة عن رغبات الأفراد والأحزاب. فالثائر يستطيع أن يفتح الطريق، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق التاريخ إذا لم تكن تناقضات المجتمع قد بلغت لحظة الانفجار.

الطليعة حين تتحول إلى عزلة

كان تشي في بوليفيا طليعة ثورية شديدة الصلابة، لكنه اصطدم بالمشكلة التي حذّر منها لينين: لا يمكن للطليعة وحدها أن تُلقى في المعركة الحاسمة قبل أن تكون الجماهير الواسعة قد اتخذت موقف الدعم أو التعاطف أو الحياد الإيجابي. فالطليعة، إذا ابتعدت كثيرًا عن مستوى وعي المجتمع، لا تعود طليعة تقود حركة شعبية، بل تتحول إلى عزلة بطولية.

وهنا تكمن قسوة التجربة البوليفية. تشي لم يكن مخطئًا في إحساسه بوحشية الإمبريالية، ولا في إيمانه بعدالة الفقراء، ولا في حلمه بثورة قارية. لكنه كان متقدمًا على البنية الاجتماعية والسياسية التي أراد تفجيرها. كان يرى أميركا اللاتينية كلها كساحة واحدة للتحرر، بينما كان الفلاح البوليفي يرى خوفه اليومي، أرضه الصغيرة، قريته، وموازين قوة لا تسمح له بسهولة أن يتحول إلى جزء من مشروع أممي واسع.

غياب الأداة السياسية

في التحليل الماركسي، لا تكفي الشجاعة المسلحة إذا غابت الأداة السياسية القادرة على وصل الفكرة بالجماهير. فالثورة ليست بندقية فقط، بل حزب أو حركة أو تنظيم أو شبكة اجتماعية قادرة على تحويل المعاناة إلى برنامج، والبرنامج إلى وعي، والوعي إلى فعل جماعي.

في كوبا، وجدت حرب العصابات حاضنة شعبية أوسع، وديكتاتورية مكروهة، وشبكات دعم، وذاكرة وطنية تقاوم نظام باتيستا. أما في بوليفيا، فقد كان الجبل موجودًا، وكان السلاح موجودًا، وكانت الإرادة موجودة، لكن المجتمع لم يتحول إلى جبل سياسي خلف المقاتلين. غابت الصلة العضوية الكافية بين الطليعة المسلحة والكتلة الشعبية التي كان يُفترض أن تنهض معها.

ومن هنا تصبح عبارة لينين: «لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية» غير كافية وحدها إذا قرأناها مبتورة. فالنظرية شرط ضروري، لكنها لا تصبح حركة إلا حين تجد تنظيمها الاجتماعي والسياسي، وحين تتحول من وعي النخبة إلى وعي الجماهير.

الثورة لا تُستورد

تكشف بوليفيا حدود نقل التجارب من بلد إلى آخر. ما نجح في كوبا لم يكن وصفة ميكانيكية قابلة للتكرار في أي مكان. فالماركسية، في جوهرها، ليست تكرارًا لشكل جاهز، بل تحليل ملموس لواقع ملموس. ولكل مجتمع طبقاته، وتاريخه، وبنية دولته، وريفه، ومدنه، ودرجة وعيه، وطبيعة علاقته بالإمبريالية.

كان تشي يريد أن يجعل من بوليفيا شرارة لثورة قارية، لكن الشرارة تحتاج إلى مادة قابلة للاشتعال. لم تكن المشكلة في نقاء الشرارة، بل في أن المادة الاجتماعية لم تكن قد بلغت درجة الاشتعال التاريخي. ولهذا لم تكن الهزيمة دليلًا على بطلان الفكرة، بل دليلًا على أن الفكرة، مهما كانت عادلة، لا تنتصر إلا عندما تتحول إلى حاجة جماعية واعية ومنظمة.

مأساة الثائر المتقدم على زمنه

كان تشي في بوليفيا أشبه بفكرة وصلت قبل أوانها. سبق المجتمع بخطوة تاريخية، وربما بخطوات. رأى المستقبل أبعد مما رآه محيطه، لكن المستقبل لا ينتصر لأنه واضح في ذهن الثائر فقط؛ ينتصر حين يصبح واضحًا في وعي الجماهير.

وهنا تكمن المفارقة المأساوية: الثائر المتقدم على زمنه قد يرى الحقيقة قبل غيره، لكنه لا يستطيع أن يفرض على التاريخ أن ينضج بسرعة قلبه. فالتاريخ لا يتحرك بالشجاعة الفردية وحدها، بل عندما تلتقي الشجاعة مع الشرط الاجتماعي، والتنظيم، والوعي، وحركة الجماهير.

لذلك لم تكن بوليفيا سقوطًا أخلاقيًا لتشي، بل كانت امتحانًا قاسيًا لفكرة الطليعة حين تنفصل عن الحاضنة الشعبية. لقد بقي تشي صلبًا حتى النهاية، لكن الصلابة وحدها لا تكفي لصنع ثورة. كان يحتاج إلى مجتمع يرى ما يراه، وجماهير تحمل ما يحمل، وتنظيم يحوّل الفكرة من حلم أممي إلى قوة مادية.

لقد استشهد تشي لا لأن فكرته كانت بلا معنى، بل لأنها وصلت إلى أرض لم تنضج بعد لحملها. كان يريد ثورة عالمية، لكن العالم لم يكن جاهزًا لها. وكان يريد أن يوقظ التاريخ، لكن التاريخ، في بوليفيا، كان لا يزال نائمًا في خوف الفلاحين، وتردد الأحزاب، وحسابات الدول، وبرودة الشروط الموضوعية.

النهاية المأساوية

في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1967، أُسر تشي جريحًا في وادي يورو. وفي اليوم التالي، 9 تشرين الأول/أكتوبر، أُعدم في قرية لا هيغيرا. هكذا انتهى الجسد، وبدأت الأسطورة.

كانت نهايته مأساوية، لكنها صنعت صورته الأخيرة: رجل نحيل، مريض، مطارد، لكنه لم يتراجع عن قناعته بأن الثورة لا تكون حقيقية إذا صارت راحة شخصية. مات تشي مهزومًا عسكريًا، لكنه خرج من الهزيمة رمزًا عالميًا للتمرد والعدالة والكرامة.

مقولاته كوصايا للمستقبل

لا تنتظروا العدالة من الذين يربحون من الظلم؛ اصنعوها أنتم، ولو بدت الطريق أطول من العمر.

لا تجعلوا الفقر مشهدًا للشفقة فقط؛ اسألوا دائمًا: من صنعه؟ من يستفيد منه؟ ومن يخاف من نهايته؟

لا تقيسوا الإنسان بما يملك، بل بما يمنح، وبما يستطيع أن يفعله حين يرى غيره مكسورًا.

لا تسمحوا للحدود أن تقتل معنى التضامن؛ فكل أرض مظلومة قريبة، وكل إنسان مسحوق قريب.

لا تجعلوا الثورة غضبًا عابرًا؛ اجعلوها وعيًا، وتنظيمًا، وأخلاقًا، وقدرة على بناء إنسان جديد.

لا تخافوا من الهزيمة إذا كان الطريق عادلًا؛ فالذين يفتحون الطريق قد لا يصلون إلى آخره، لكن غيرهم يمشي بعدهم.

لا ترفعوا صورة الثائر وتنسوا فكرته؛ فالرمز بلا فعل يتحول إلى زينة، أما الفكرة فتظل دينًا في عنق المستقبل.

لا تقولوا إن العالم لا يتغير؛ كل عالم ظالم يروّج هذه الكذبة كي يبقى كما هو.

لا تطلبوا النصر السهل؛ فالنضال الحقيقي لا يَعِد أصحابه بالراحة، بل يمنحهم معنى لحياتهم.

وإذا جاء الموت في طريق الحرية، فليكن شاهدًا على أن هناك من رفض أن يعيش محايدًا في زمن الظلم.

بين الرمز والإنسان

في ذكرى ميلاده، لا يعود تشي جيفارا مجرد وجه مطبوع على القمصان واللافتات، بل يعود سؤالًا صعبًا: ماذا نفعل أمام عالم لا يزال ينتج الفقر والحروب والاحتلال والتبعية؟

هل نكتفي بإعجاب بارد برموز الماضي، أم نعيد قراءة المعنى الذي ماتوا من أجله؟ لقد أخطأ تشي وأصاب، انتصر وهُزم، ألهم وأثار الجدل، لكنه بقي رمزًا لأن حياته لم تكن بحثًا عن نجاة شخصية، بل عن عدالة أوسع من حدود الوطن الواحد.

كان تشي يؤمن أن الإنسان لا يصبح حرًا لأنه نجا وحده، بل لأنه ساهم في نجاة الآخرين. لذلك بقي حاضرًا بعد موته: لا لأنه كان كاملًا، بل لأنه عاش كما لو أن الفقراء في كل مكان عائلته، وأن الثورة ليست مهنة، بل وعدًا أخلاقيًا للمستقبل.

حتى النصر دائمًا.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...