أخباركم – أخبارنا
الكاتب: مسعود محمد
ليست معضلة المعارضة الكوردستانية اليوم في أن تسأل نفسها: ماذا يريد ترامب من إيران؟ ولا ماذا تريد إيران من ترامب؟ فهذه أسئلة تخص صراع الدول ومصالحها ومقايضاتها. أما سؤالنا الحقيقي فهو: ماذا نريد نحن؟ وماذا تريد شعوب إيران؟ وأين موقع الكورد وقوى التحرر الوطني والديمقراطي في هذه اللحظة التاريخية؟
إن أي اتفاق بين ترامب وإيران، أو بين أي إدارة أميركية والنظام الإيراني، لا يمكن أن يكون بوصلةً لحركة تحرر وطني. نحن لسنا ملحقاً بأجندة البيت الأبيض، ولا ورقة ضغط في يد هذا الطرف أو ذاك. نحن أصحاب قضية وطنية وديمقراطية، تعنينا إيران أولاً لأنها الدولة التي تضطهد شعوبها، وتعنينا الشعوب الإيرانية أولاً لأنها صاحبة الحق في الحرية والكرامة وتقرير المصير. لذلك فإن موقفنا لا يُبنى على مزاج واشنطن، ولا على حسابات طهران، بل على مصالحنا الوطنية وحقوق شعبنا ومصير شعوب إيران.
المعارضة الكوردستانية، خصوصاً في شرق كوردستان، لا يجوز أن تتحول إلى قوة تنتظر الخارج كي يفتح لها باب التاريخ. فالتاريخ لا يفتحه إلا أصحاب القضية أنفسهم. قد تتقاطع مصالحنا أحياناً مع هذا الطرف أو ذاك، وقد نستفيد من تناقضات دولية أو إقليمية، لكن الخطأ القاتل هو أن نختصر قضيتنا في تلك التناقضات. فكل اتفاق دولي قابل للتبدل، وكل رئيس أميركي يأتي ويذهب، وكل صفقة تُوقَّع اليوم قد تُلغى غداً، أما قضية الشعوب فهي أعمق من الإدارات وأبقى من الاتفاقات.
لقد جرّبت شعوب المنطقة كثيراً من الوعود الدولية. وكم من مرة ظنت قوى سياسية أن لحظة الخلاص ستأتي من الخارج، فإذا بها تكتشف أن الخارج لا يرى في قضيتها إلا بنداً تفاوضياً. أما حركة التحرر الوطني الحقيقية فهي التي تعرف كيف تستخدم الظروف، لكنها لا تصبح أسيرة لها. تعرف كيف تقرأ ميزان القوى، لكنها لا تفقد ميزانها الداخلي. تعرف كيف تخاطب العالم، لكنها لا تنسى أن مصدر شرعيتها الأول هو شعبها.
من هنا، فإن معضلة المعارضة الكوردستانية ليست في وجود اتفاق بين ترامب وإيران، بل في كيفية حماية استقلال قرارها السياسي. علينا أن نقول بوضوح: لسنا ضد أي اتفاق لأنه اتفاق، ولسنا مع أي تصعيد لأنه تصعيد. نحن مع ما يخدم حرية الشعوب الإيرانية، ومع ما يضعف آلة القمع، ومع ما يفتح الطريق أمام الديمقراطية والعدالة القومية والاجتماعية. نحن ضد أن يتحول الاتفاق إلى غطاء جديد لإعادة تأهيل النظام الإيراني ومنحه فرصة إضافية لقمع الداخل وتصدير أزماته إلى الخارج.
النظام الإيراني لا يخاف من ترامب بقدر ما يخاف من لحظة سؤال الداخل. يخاف من العامل والمرأة والطالب والكوردي والبلوشي والعربي والأذري والفرسي الحر، حين يسألون: ماذا فعلتم بنا؟ أين ذهبت ثرواتنا؟ لماذا صارت إيران سجناً كبيراً؟ لماذا تحولت شعارات الثورة إلى حرس وسجون وإعدامات وميليشيات؟ لذلك فإن مركز الصراع الحقيقي ليس في غرف التفاوض المغلقة فقط، بل في الشارع الإيراني، وفي السجون، وفي الجبال، وفي ذاكرة الشهداء، وفي وجدان الشعوب التي لم تعد تقبل أن تعيش تحت وصاية الفقيه والسلاح والأجهزة الأمنية.
وهنا تستعيد الذاكرة الكوردستانية واحدة من أعظم لحظات الصمود. عندما اغتيل الدكتور عبد الرحمن قاسملو في 13 تموز 1989 مع رفيقيه، لم يكن الاغتيال مجرد جريمة ضد قائد كوردي، بل كان رسالة دموية من النظام الإيراني إلى كل من يؤمن بالحوار والحقوق والسلام العادل. أرادوا أن يقولوا إن اليد التي تقتل في الداخل تستطيع أن تقتل على طاولة التفاوض أيضاً. أرادوا أن يحولوا الحوار إلى كمين، والسياسة إلى اغتيال.
لكن ما حدث بعد استشهاد قاسملو كان درساً تاريخياً في معنى الحركة الوطنية. لم تسقط الراية، ولم تنتهِ المسيرة. في تلك اللحظة الثقيلة، كان الدكتور صادق شرفكندي نائباً للدكتور قاسملو. فأرسل رسالته عبر اللاسلكي إلى أجهزة الحزب ومراكزه وقوات البيشمركة في شرق كوردستان، ثم تحدّث في اجتماع مع عدد من البيشمركة وعوائل الحزب بكلمات صارت جزءاً من الذاكرة النضالية. قال إن استشهاد الدكتور قاسملو خسارة كبيرة للحزب الديمقراطي الكوردستاني ولحركة كوردستان، لكن النضال مستمر، والطريق سيُستكمل: إما أن ننتصر، أو نستشهد نحن أيضاً ونحتضن الدكتور قاسملو.
هذه الجملة ليست مجرد وفاء لقائد شهيد. إنها تعريف للحركة التحررية. فالحركة التي تتوقف عند استشهاد قائد ليست حركة تحرر، بل عاطفة عابرة. أما الحركة التي تحوّل الدم إلى عهد، والفقدان إلى مسؤولية، والاغتيال إلى استمرار، فهي حركة تعرف أن القادة لا يموتون حين تبقى قضيتهم حيّة.
وفي تلك اللحظة أيضاً، ذهب المناضل والمفكر عبد الله حسن زاده إلى فرنسا للمشاركة في مراسم وداع ودفن الدكتور قاسملو في مقبرة بيرلاشيز، وألقى كلمات تليق بحجم الشهادة وبمعنى القائد الذي لم يكن يمثل حزباً فقط، بل مرحلة كاملة من نضال الكورد في إيران. كان ذلك المشهد إعلاناً بأن الاغتيال لا يستطيع أن يقتل الذاكرة، وأن الدولة التي تقتل خصومها لا تملك شرعية الحوار، حتى لو جلست إلى طاولات العالم.
من قاسملو إلى شرفكندي، ومن شرفكندي إلى كل شهداء شرق كوردستان، تتضح القاعدة الكبرى: لا يجوز اختزال قضيتنا في اتفاق عابر، ولا تعليق مصيرنا على قرار رئيس أجنبي. إننا لسنا معنيين باتفاق ترامب مع إيران إلا بقدر ما يمسّ حقوق الشعوب الإيرانية ومستقبلها. فإذا كان الاتفاق يمنح النظام وقتاً جديداً ليقمع، فنحن ضده سياسياً وأخلاقياً. وإذا كان يضعف أدوات القمع ويفتح مساحة للشعوب، فنحن نقرأه من زاوية مصالحنا لا من زاوية الولاء لأي طرف خارجي.
المعارضة الكوردستانية تحتاج اليوم إلى خطاب واضح لا يترك مجالاً للالتباس: نحن لسنا أداة أميركية، ولسنا تابعين لأي محور، ولسنا قوة تنتظر الحرب كي تعيش أو الاتفاق كي تموت. نحن حركة تحرر وطني ديمقراطية، قضيتنا متجذرة في الأرض والتاريخ والدم واللغة والهوية. نحن جزء من نضال شعوب إيران ضد الاستبداد القومي والديني والأمني. ومصلحتنا ليست في خراب إيران كشعوب، بل في ولادة إيران جديدة، ديمقراطية، تعددية، اتحادية أو لا مركزية، تعترف بحقوق كل مكوناتها القومية والثقافية والدينية.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المعارضة هو أن تسمح للنظام الإيراني بتصويرها كذراع للخارج. هذه هي اللعبة المفضلة لطهران: كل من يطالب بالحرية يصبح عميلاً، وكل من يرفض القمع يصبح مشروع فتنة، وكل شعب يطالب بحقوقه يصبح أداة أميركية أو إسرائيلية. علينا أن نكسر هذه المعادلة بوضوح أخلاقي وسياسي. نحن لا نحتاج إلى إذن من ترامب كي نرفض الاستبداد، ولا إلى قرار من واشنطن كي ندافع عن حق الكورد، ولا إلى حرب خارجية كي نعلن أن هذا النظام فشل في بناء دولة عادلة لكل شعوب إيران.
الموقف الوطني المستقل لا يعني الحياد بين الضحية والجلاد. ولا يعني الانعزال عن العالم. بل يعني أن نعرف كيف نخاطب المجتمع الدولي من موقع صاحب القضية، لا من موقع التابع. أن نقول للعالم: ساعدوا الشعوب لا الأنظمة، ادعموا الحقوق لا الصفقات، لا تمنحوا النظام الإيراني شرعية مجانية، ولا تجعلوا من أمنكم النووي سبباً لنسيان السجون والإعدامات وحقوق القوميات والنساء والعمال والطلبة.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في اتفاق ترامب مع إيران، بل في أن بعض القوى قد تنسى جوهر الصراع حين تشتد الضوضاء حول الاتفاق. جوهر الصراع هو أن إيران الحالية دولة محكومة بعقل أمني إمبراطوري، تنكر التعدد، وتقمع الداخل، وتصدّر الأزمات، وتتعامل مع الشعوب غير الفارسية بوصفها خطراً لا شريكاً. لذلك فإن أي حل لا يبدأ من الاعتراف بحقوق الشعوب الإيرانية سيبقى هدنة مؤقتة مع الأزمة، لا حلاً لها.
نحن لسنا معنيين بأن نكون جزءاً من بازار الاتفاقات. نحن معنيون بأن نكون صوتاً واضحاً في لحظة الالتباس. صوتاً يقول إن دم قاسملو وشرفكندي وكل شهداء كوردستان لا يدخل في المقايضات. صوتاً يقول إن الحركة التي دفعت هذا الثمن لا تنتظر شهادة حسن سلوك من أي عاصمة. صوتاً يقول إن النظام الإيراني قد يفاوض العالم، لكنه لم يفاوض بعد شعوبه بصدق، ولم يعترف بجرائمه، ولم يفتح باب العدالة، ولم يتخلَّ عن عقلية الاغتيال والقمع.
لهذا، فإن الطريق أمام المعارضة الكوردستانية واضح وصعب في آن واحد: استقلال القرار، وحدة الصف، تجديد الخطاب، الانفتاح على كل قوى الديمقراطية داخل إيران، ورفض التحول إلى ورقة في يد أي قوة خارجية. علينا أن نربط القضية الكوردية بمشروع أوسع لتحرير إيران من الاستبداد، لا أن نعزلها عنه. فحرية الكورد لا تنفصل عن حرية الشعوب الإيرانية، وحقوق الشعوب الإيرانية لا تكتمل من دون الاعتراف بحق الكورد في هويتهم وأرضهم وإرادتهم السياسية.
قد يوقّع ترامب اتفاقاً، وقد يراوغ النظام الإيراني، وقد تتبدل العواصم في مواقفها. لكن ما لا يجوز أن يتبدل هو جوهر موقفنا: نحن حركة تحرر وطني، ولسنا بنداً في اتفاق. نحن أصحاب قضية، ولسنا صدى لأجندة أحد. نحن معنيون بإيران لأنها وطن الشعوب التي تعيش فيها، ومعنيون بكوردستان لأنها جرحنا وحقنا وذاكرتنا ومستقبلنا.
ومن قاسملو إلى شرفكندي، ومن كل شهيد إلى كل مناضل حي، تبقى الرسالة واحدة: قد يقتلون القادة، لكنهم لا يستطيعون قتل الطريق. قد يوقّعون الاتفاقات، لكنهم لا يستطيعون إلغاء حق الشعوب في الحرية. وقد تتغير خرائط المصالح، لكن دم الشهداء لا يتغير، ولا يدخل في المساومات.
لسنا معنيين باتفاق لا يرى الشعوب. ولسنا معنيين بسلام يمنح الاستبداد عمراً جديداً. نحن معنيون فقط بحرية الإنسان، وكرامة الشعوب، وحق كوردستان، وبناء مستقبل لا يكون فيه الكوردي ولا غيره ضحية دولة تخاف من تعددها، فتقتل أبناءها باسم الوحدة، وتصادر حريتهم باسم الأمن.
هذه هي معضلة المعارضة الكوردستانية، وهذا هو جوابها: لا نعمل بموجب أجندة ترامب، ولا ننتظر إذناً من أحد. نعمل بموجب مصالحنا الوطنية، ووفاءً لشهدائنا، وانحيازاً لشعوب إيران التي تستحق أن تعيش حرة، عادلة، متعددة، وكريمة



