السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

كيف تنظر الصين إلى حرب إيران مع إسرائيل وأميركا؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في قراءة الصين للحرب الأخيرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا تقف بكين عند حدود الاشتباك العسكري المباشر، ولا تتعامل مع الحدث بوصفه أزمة إقليمية معزولة. فالصين، وهي القوة الاقتصادية الصاعدة والأكبر ارتباطاً بسلاسل التجارة والطاقة العالمية، تنظر إلى هذه الحرب من زاوية أوسع: زاوية موازين القوة الدولية، وأمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، ومحاولات استخدام الأزمات الإقليمية للضغط على الاقتصادات الكبرى.

ومن هنا جاءت أهمية اللقاء مع سعادة القنصل الصيني العام في أربيل، السيد Liu Jun، بحضور عدد من الشخصيات السياسية الكوردستانية والعربية. فقد لم يكن اللقاء مجرد مناسبة دبلوماسية، بل كان نافذة على طريقة تفكير الصين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب مع النفط، والجغرافيا مع الاقتصاد، ومضيق هرمز مع مستقبل النظام العالمي.

الصين ترى الحرب ضمن صراع أوسع على الاقتصاد والطاقة

بحسب القراءة التي عرضها القنصل الصيني، فإن الولايات المتحدة لم تكن تنظر إلى التصعيد مع إيران فقط من زاوية أمن إسرائيل أو الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل من زاوية أعمق تتصل بالاقتصاد العالمي، وبالذات الاقتصاد الصيني. فالتوتر في الخليج ومضيق هرمز يمكن أن يخلق أزمة نفطية واسعة، ترفع الأسعار، وتربك سلاسل الإمداد، وتضغط على الدول الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها الصين.

هذه القراءة الصينية تنطلق من حقيقة واضحة: الصين هي أحد أكبر مستوردي الطاقة في العالم، وأي اضطراب كبير في طرق تصدير النفط من الشرق الأوسط يمكن أن يؤثر على الصناعة، والنقل، والأسعار، والتجارة الخارجية. لذلك ترى بكين أن تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط لا يستهدف إيران وحدها، بل يهدد أمن الاقتصاد العالمي، ويضع الدول الآسيوية الكبرى أمام اختبار صعب.

لكن القنصل Liu Jun أوضح أن هذا الهدف لم يتحقق كما كان يراهن البعض. فالصين، من وجهة نظره، لم تعد دولة مكشوفة تماماً أمام صدمات النفط كما كانت في مراحل سابقة. فقد استعدت خلال السنوات الماضية لاحتمالات الاضطراب، وبنت احتياطيات استراتيجية، ووسعت علاقاتها مع مصادر متعددة للطاقة، وبدأت تحولاً عميقاً نحو الطاقات الجديدة.

مضيق هرمز: الورقة التي لم تعد حاسمة كما كانت

يمثل مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم. فهو بوابة رئيسية لصادرات النفط والغاز من الخليج، وأي تهديد بإغلاقه يثير فوراً مخاوف الأسواق العالمية. غير أن الصين، وفق القراءة التي قُدمت في اللقاء، ترى أن المضيق لم يعد قادراً وحده على خنق اقتصاد كبير مثل الاقتصاد الصيني، خصوصاً إذا كانت الأزمة محدودة زمنياً.

فبكين تعرف أهمية المضيق، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة له. ولذلك بنت استراتيجيتها على مبدأين: الأول هو تنويع مصادر الطاقة، والثاني هو تقليل الاعتماد التدريجي على النفط من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، والسكك الحديدية، والتقنيات الخضراء.

من هنا يمكن فهم العبارة الواضحة التي قالها القنصل الصيني: إذا كان الهدف هو الضغط على اقتصادنا، فقد فشل هذا الهدف.

هذه الجملة تختصر رؤية الصين للحرب. فهي لا تنكر خطورة الأزمة، لكنها تقول إن العالم تغيّر، وإن أدوات الضغط القديمة لم تعد تملك القوة نفسها. فمن يمتلك النفط يملك ورقة مهمة، لكن من يمتلك التكنولوجيا، والاحتياطيات، والقدرة على التحول، يملك قدرة أكبر على الصمود.

إيران بعد الحرب: تماسك داخلي لا انهيار

في تقييمه لوضع إيران، أشار القنصل الصيني إلى أن طهران، رغم الضربات والتحديات، لم تخرج من الحرب منهارة أو مفككة، بل بدت أكثر تماسكاً من الداخل. وهذه نقطة مهمة في القراءة الصينية، لأن بكين غالباً ما تقيس نتائج الحروب ليس فقط بعدد الضربات العسكرية أو حجم الدمار، بل بمدى تأثير الحرب على بنية الدولة وقدرتها على الاستمرار.

فإذا كان الهدف من الحرب إضعاف إيران داخلياً أو دفعها إلى الانقسام، فإن النتيجة، وفق هذه القراءة، جاءت مختلفة. فقد أدت الحرب إلى تعزيز الشعور الوطني، وإلى توحيد بعض الاتجاهات الداخلية أمام خطر خارجي مشترك. وهذا ما يجعل الصين ترى أن استخدام القوة العسكرية لا يؤدي دائماً إلى النتائج السياسية التي يريدها من يستخدمها.

بالنسبة لبكين، هذه ليست حالة إيرانية فقط، بل درس عام في العلاقات الدولية. فالحروب قد تدمر بنى تحتية، لكنها لا تضمن تغيير سلوك الدول، ولا تضمن إسقاط الأنظمة، ولا تضمن إعادة رسم المنطقة وفق إرادة القوى الخارجية. لذلك تفضل الصين دائماً الخطاب القائم على التهدئة، واحترام السيادة، والحلول السياسية، لأنها ترى أن البديل هو فوضى طويلة ومكلفة للجميع.

الولايات المتحدة في القراءة الصينية: إدارة الأزمات عبر التصعيد

تنظر الصين بريبة إلى طريقة تعامل الولايات المتحدة مع أزمات الشرق الأوسط. فمن وجهة نظر بكين، كثيراً ما تستخدم واشنطن التوترات الإقليمية للحفاظ على نفوذها، ولإعادة ترتيب موازين القوة، وللضغط على خصومها المباشرين وغير المباشرين. وفي هذه الحالة، ترى الصين أن التصعيد حول إيران لم يكن بعيداً عن المنافسة الأميركية ـ الصينية.

فواشنطن، بحسب هذا المنظور، لا تحتاج دائماً إلى مواجهة الصين عسكرياً كي تضغط عليها. يمكنها أن تضغط من خلال التجارة، أو التكنولوجيا، أو العقوبات، أو الممرات البحرية، أو أسواق الطاقة. وإذا ارتفع سعر النفط بسبب حرب في الخليج، فإن كلفة الإنتاج والنقل قد ترتفع عالمياً، وهذا ينعكس على الصين بوصفها مصنعاً كبيراً للعالم.

لكن المفارقة أن الصين تبدو أكثر استعداداً لهذا النوع من الضغط مما كان متوقعاً. فقد تعلمت من أزمات السنوات الماضية أن الاعتماد على مصدر واحد أو ممر واحد أو سوق واحدة يجعل الدولة ضعيفة أمام الابتزاز. ولهذا تحولت بكين إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة، لا يعتمد فقط على النفط المستورد، ولا على الغرب وحده، ولا على طريق بحري واحد.

درس أوروبا في أوكرانيا حاضر في التفكير الصيني

من النقاط المهمة التي شدد عليها القنصل الصيني المقارنة مع التجربة الأوروبية بعد حرب أوكرانيا. فقد كشفت تلك الحرب هشاشة الاعتماد الأوروبي الكبير على مصدر واحد للطاقة، خصوصاً الغاز الروسي. وحين تعطلت الإمدادات واشتدت العقوبات، دفعت أوروبا ثمناً اقتصادياً كبيراً من التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية لبعض قطاعاتها الصناعية.

بالنسبة للصين، كان ذلك درساً استراتيجياً. فالدولة التي تبني اقتصادها على مصدر واحد للطاقة، أو على شريك واحد، أو على ممر واحد، تضع نفسها تحت رحمة الأزمات. لذلك لا تريد بكين تكرار التجربة الأوروبية، ولا تريد أن تكون رهينة لتقلبات الشرق الأوسط، رغم أهمية المنطقة بالنسبة إليها.

وهنا يظهر الفرق بين التفكير القصير المدى والتفكير الاستراتيجي. فبعض القوى تراهن على أزمة نفطية مؤقتة لإرباك خصومها، بينما تراهن الصين على بناء قدرة طويلة المدى تجعلها أقل تأثراً بالأزمات العابرة. إنها لا تقول إن النفط لم يعد مهماً، بل تقول إن النفط وحده لم يعد كافياً لتحديد مصير الدول الكبرى.

التحول الأخضر كسلاح استراتيجي لا بيئي فقط

كثيرون ينظرون إلى التحول الأخضر باعتباره قضية بيئية أو التزاماً مناخياً. أما في الرؤية الصينية، فهو أيضاً خيار استراتيجي وأمني. فكل سيارة كهربائية تنتجها الصين، وكل مشروع طاقة شمسية أو رياح، وكل توسع في القطارات السريعة، يعني عملياً تقليل الاعتماد على النفط المستورد وتقليل قدرة الآخرين على الضغط عليها عبر الطاقة.

لذلك لا يمكن فصل موقف الصين من حرب إيران وإسرائيل وأميركا عن مشروعها الكبير في الطاقة الجديدة. فبكين تدرك أن القرن الحادي والعشرين لن يكون فقط قرن من يسيطر على آبار النفط، بل قرن من يسيطر على البطاريات، والمعادن النادرة، وسلاسل إنتاج الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الصناعية المرتبطة بها.

ومن هذه الزاوية، يصبح التحول الأخضر جزءاً من الأمن القومي الصيني. إنه ليس مجرد سياسة بيئية، بل درع اقتصادي في مواجهة الحروب والعقوبات واضطرابات الممرات البحرية. وكلما تقدمت الصين في هذا المسار، تراجعت فاعلية الضغط عليها عبر النفط.

الصين لا تريد انهيار الشرق الأوسط

رغم انتقادها للسياسات الأميركية والإسرائيلية، لا تسعى الصين إلى رؤية الشرق الأوسط يغرق في الفوضى. فالصين لديها مصالح واسعة في المنطقة: الطاقة، التجارة، الاستثمارات، مبادرة الحزام والطريق، العلاقات مع دول الخليج، العلاقات مع إيران، والعلاقات المتنامية مع العراق وإقليم كوردستان. لذلك فإن الاستقرار بالنسبة إلى بكين ليس شعاراً دبلوماسياً فقط، بل مصلحة مباشرة.

الصين تريد شرقاً أوسط مستقراً، متعدد العلاقات، مفتوحاً أمام التجارة، لا تهيمن عليه قوة واحدة ولا تحكمه الحروب المستمرة. وهي تفضل أن تكون وسيطاً اقتصادياً وسياسياً هادئاً، لا طرفاً عسكرياً مباشراً. ومن هنا يمكن فهم دعوتها الدائمة إلى الحوار، ورفضها للتصعيد، وتشديدها على احترام السيادة وعدم توسيع رقعة الحرب.

لكن هذا لا يعني أن الصين محايدة تماماً في قراءتها السياسية. فهي ترى أن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية عمّقت الأزمة، وأن الضغط بالقوة لا يصنع استقراراً دائماً. وفي الوقت نفسه، لا تريد أن تتحول إيران إلى مصدر اضطراب مفتوح يهدد خطوط الطاقة والتجارة. لذلك تسعى بكين إلى توازن دقيق: رفض التصعيد، دعم التهدئة، الحفاظ على العلاقات مع إيران، وعدم خسارة علاقاتها مع دول الخليج.

الشرق الأوسط بين النفط والتحول العالمي

الخلاصة الأهم التي خرج بها اللقاء أن مستقبل القوة لم يعد مرتبطاً فقط بمن يملك النفط، بل بمن يملك القدرة على إدارة التحولات. فالنفط سيبقى مهماً لسنوات طويلة، لكنه لم يعد وحده معيار القوة. الدول التي تملك اقتصاداً مرناً، ومصادر طاقة متنوعة، واحتياطيات استراتيجية، وتكنولوجيا متقدمة، ستكون أكثر قدرة على النجاة من الأزمات.

وهذا بالضبط ما تريد الصين أن تقوله من خلال تجربتها. فالحروب قد ترفع أسعار النفط، وقد تربك الأسواق، وقد تخيف المستثمرين، لكنها لا تستطيع بسهولة كسر اقتصاد استعد لها مسبقاً. أما الدول التي تبقى أسيرة النفط وحده، أو أسيرة التحالفات الضيقة، أو أسيرة الجغرافيا، فإنها ستكون أكثر عرضة للاهتزاز عند كل أزمة.

من هنا تبدو حرب إيران مع إسرائيل وأميركا، في العين الصينية، أكثر من مواجهة عسكرية. إنها اختبار لنظام عالمي قديم يحاول استخدام الطاقة والحروب والممرات البحرية للضغط، في مقابل نظام جديد تتقدم فيه دول كبرى نحو تنويع مصادر القوة، وبناء استقلال نسبي عن أدوات الابتزاز التقليدية.

خاتمة: الصين تقرأ الحرب بعين المستقبل

في النهاية، لا تنظر الصين إلى الحرب الأخيرة باعتبارها انتصاراً عسكرياً لطرف أو هزيمة لطرف آخر فقط. بل تنظر إليها كعلامة على مرحلة انتقالية في العالم. مرحلة تتراجع فيها قدرة الحروب على فرض النتائج النهائية، وتتراجع فيها قدرة النفط وحده على التحكم بمصير الاقتصادات الكبرى، وتتقدم فيها أهمية التكنولوجيا، والاحتياطيات، والتنويع، والتحول الأخضر.

وقد يكون هذا هو جوهر الرسالة التي حملها اللقاء مع القنصل الصيني العام في أربيل: إن من يراهن على إغلاق مضيق، أو رفع سعر النفط، أو إشعال حرب محدودة لإخضاع اقتصاد كبير، قد لا يدرك أن العالم تغيّر. فالصين لم تعد ترى نفسها مجرد مستورد للطاقة، بل دولة تبني بدائلها، وتستعد للأزمات، وتحوّل كل تهديد إلى دافع لتسريع انتقالها نحو اقتصاد أكثر استقلالاً ومرونة.

ولذلك، فإن القراءة الصينية للحرب يمكن تلخيصها في فكرة واحدة: المستقبل لن يكون لمن يشعل الأزمات، بل لمن يستطيع الصمود أمامها؛ ولن يكون لمن يملك النفط فقط، بل لمن يملك القدرة على التحول

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...