أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ما حصل اليوم
عملية حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في الجنوب لم تكن مجرد اشتباك ميداني. توقيتها هو الرسالة. فقد جاءت بعد الحديث عن مذكرة تفاهم أميركية–إيرانية تشمل تهدئة الجبهات، ومن بينها لبنان، وقبل أن يتحول وقف النار إلى مسار ثابت يمكن أن تبني عليه الدولة اللبنانية.
بهذه العملية، أعاد حزب الله لبنان إلى قلب الاشتباك الإقليمي، ووجّه رسالة واضحة: لا اتفاق في لبنان من دون الحزب، ولا فصل للبنان عن إيران، ولا وقف نار يتحول إلى مسار سيادي خارج حسابات “المقاومة”.
لبنان يحاول فصل ملفه عن إيران
الموقف الرسمي اللبناني، كما عبّر عنه رئيس الجمهورية والحكومة، يحاول تثبيت معادلة جديدة: لبنان ليس ورقة إيرانية، ولا ساحة إسرائيلية، بل دولة تريد وقف نار شاملاً، انسحاباً إسرائيلياً، وانتشاراً للجيش، وعودة القرار الأمني إلى المؤسسات.
هذا المسار يعني عملياً نقل الملف من يد المحور إلى يد الدولة. أي إخراج لبنان من وظيفة الساحة، وتحويله إلى طرف مستقل يفاوض على سيادته وحدوده وأمنه.
لكن كلما اقترب لبنان الرسمي من هذا الهدف، يعود الميدان ليقول العكس: القرار ليس كاملاً في بيروت، والسلاح ما زال قادراً على نسف أي مسار سياسي.
إيران وحزب الله يتمسكان بلبنان بالنار
إيران لا تنظر إلى لبنان كملف لبناني فقط، بل كورقة أساسية في التفاوض مع واشنطن والضغط على إسرائيل. لذلك تريد أن يكون وقف النار في لبنان جزءاً من أي تفاهم أميركي–إيراني، لا قراراً لبنانياً مستقلاً.
أما حزب الله، فيرفض أن يتحول وقف النار إلى بداية لتقليص دوره العسكري أو حصر القرار بيد الدولة. لذلك تصبح النار وسيلة تفاوض: رسالة إلى أميركا، ضغط على إسرائيل، وتذكير لبيروت بأن أي اتفاق لا يمر فوق الحزب.
بهذا المعنى، يتمسك حزب الله وإيران بالملف اللبناني بالنار، لأن الهدوء الكامل قد يفتح الباب أمام السؤال الأخطر: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
خرق الاتفاق قبل أن يجف حبره
سواء وُصفت العملية بأنها رد على توغل إسرائيلي أو مبادرة ميدانية من حزب الله، فإن نتيجتها السياسية واضحة: ضربت روح التفاهم قبل أن يستقر.
العملية أعطت إسرائيل ذريعة لتوسيع الرد، وأحرجت الدولة اللبنانية، وعرقلت محاولة فصل لبنان عن مسار الصراع الإيراني–الأميركي. كما أكدت أن أي وقف نار لا تملكه الدولة وحدها سيبقى هشاً، وقابلاً للانفجار في أي لحظة.
حزب الله يقول إنه يرد على الاعتداءات. لكن السؤال اللبناني الأهم ليس فقط: من بدأ الاشتباك؟ بل: من يملك حق إدخال البلد كله في تبعاته؟
هل يطيل الحزب الحرب خوفاً من المحاسبة؟
لا يمكن الجزم بأن خوف حزب الله من محاسبة الشارع هو السبب الوحيد لإطالة الحرب. لكنه عامل لا يمكن تجاهله.
فوقف الحرب يفتح باب الحساب: ماذا ربح لبنان؟ من يعوض البيوت المدمرة؟ من يعيد النازحين؟ لماذا دُفع هذا الثمن؟ ومن قرر الحرب أصلاً؟
طالما المعركة مستمرة، يستطيع الحزب تأجيل هذه الأسئلة تحت عنوان الصمود والمقاومة. أما عندما تصمت المدافع، يبدأ الشارع بالسؤال عن الحصيلة. لذلك قد يكون إبقاء الجبهة مشتعلة أو قابلة للاشتعال وسيلة للهروب إلى الأمام، ولمنع انتقال النقاش من “المواجهة مع إسرائيل” إلى “محاسبة من قرر باسم اللبنانيين”.
الخيارات أمام لبنان
الخيار الأول هو البقاء في منطق الأمر الواقع: دولة تفاوض، وحزب يقرر ميدانياً. وهذا يعني استمرار لبنان كساحة مفتوحة.
الخيار الثاني هو مواجهة داخلية مباشرة مع حزب الله، وهو خيار خطير وقد يدفع البلد إلى انقسام لا يحتمله.
الخيار الثالث، وهو الأكثر واقعية، يقوم على مسار تدريجي: وقف نار شامل، انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش، ضمانات دولية، ثم حوار داخلي ملزم حول حصرية السلاح وقرار الحرب.
الخيار الرابع هو تدويل التنفيذ بدعم أميركي–فرنسي–عربي–أممي، شرط ألا يتحول لبنان مجدداً إلى ملف يدار فوق رأس دولته.
الخلاصة
ما جرى اليوم كشف جوهر الأزمة: لبنان يحاول أن يصبح دولة، بينما حزب الله وإيران يريدان إبقاءه ورقة في صراع أكبر.
العملية لم تكن مجرد ضربة عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي، بل ضربة لمسار سياسي كان يحاول تثبيت وقف النار وفصل لبنان عن إيران. وهي أكدت أن أي اتفاق لا يعيد قرار الحرب والسلم إلى الدولة سيبقى حبراً على ورق.
المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الحدود. إنها داخل معنى الدولة نفسها: هل يقرر لبنان مصيره، أم يبقى رهينة سلاح يفتح النار حين يريد، ثم يطلب من الناس دفع الثمن والصمت؟



