أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يكن اغتيال جورج حاوي صدفة، ولم يكن تفصيلاً عابراً في دفتر الدم اللبناني. كان قراراً واعياً، محسوباً، بارداً، هدفه تعطيل منطق الحوار والتغيير. فمن كان أقدر من أبي أنيس على الحياد النبيل، لا حياد اللاموقف، وعلى خوض الحوارات مع المتناقضين من دون أن يفقد بوصلته؟ من كان أقدر منه على أن يجلس مع المختلفين، لا ليبرّر لهم، بل ليبحث عن مخارج لوطن ضاق بأبنائه، وعن معنى جديد للسياسة حين تتحول السياسة إلى آلة قتل؟
الرفيق أبو أنيس، اشتقنالك. اشتقنا لك في الحوار، في الساحات، في المبادرات، في تلك الحيوية التي كان لبنان يحتاجها كلما ضاقت عليه جدران الطوائف والمحاور. اشتقنا لصبحيتك مع فنجان القهوة، لابتسامتك على بلكون منزلك، للجرائد المفتوحة أمامك كأنها خرائط حرب وسلام، ولتلك العبارة التي كنت تستقبلني بها: “نصحان كتير يا رفيق”. ثم تبدأ بإعطائي النصائح التي كانت تعطيك إياها الدكتورة سوسي، وأنت أول من يخالفها.
من مميزات أبي أنيس جورج حاوي أنه كان يعرف كيف يوزّع محبته على رفاقه جميعاً. كان كل واحد منا يشعر أن له مكانة خاصة في قلبه، وأن له نهفة ونكتة وذكرى لا تشبه غيرها. لم يكن قائداً يعلو على الناس، بل رفيقاً يعرف أن السياسة بلا إنسان تصير تنظيماً بارداً، وأن الحزب بلا محبة يتحول إلى جهاز.
ثلاثة لم، ولن، أصدق أنهم رحلوا: أبي، وجورج حاوي، وسيدي هاني فحص. الأول ما زال في خيالي جالساً على كرسيه، ينتظر وصولي إلى بيروت. وأبو أنيس ما زال هناك، على بلكون منزله، مع ركوة القهوة والجرائد، يفتح لي الباب على ضحكته ونكتته ونصيحته. وسيدي هاني ما زلت أراه يفتح الجارور، ينتشل الأوراق، يقرأ لي، ثم يسألني بود: “شو بهمّ الأكراد؟” ونغرق طويلاً في نقاش ما يجب وما لا يجب.
ولعل أبشع ما في اغتياله أن القاتل لم يستهدف رجلاً فقط، بل استهدف وظيفة سياسية وأخلاقية كان جورج حاوي يؤديها في تلك اللحظة: وظيفة الوصل بين المتباعدين، وتذكير اللبنانيين أن التغيير لا يولد من الاستسلام، وأن الحوار لا يعني المساومة على الحرية. اغتيل لأنه كان قادراً على الكلام حين أرادوا للبنان أن يصمت. اغتيل لأنه كان يعرف أن المعركة ليست بين طائفة وطائفة، بل بين مشروع ديمقراطي إصلاحي وبين أنظمة أمنية بوليسية تخاف عدوى الحرية.
لم يكن جورج حاوي زعيماً عادياً في ذاكرة لبنان. قيل فيه، بدقة لا مجاملة، إنه “قائد استثنائي في حركة اليسار الديمقراطي اللبناني والعربي”. وقيل فيه أيضاً إنه “رمز كبير من رموز العمل الوطني”. ورأى جان عبيد، بعد اغتياله، أن استهدافه “يصيب المناضلين والأحرار والتقدميين والديمقراطيين والحواريين”. وهذه الكلمات ليست رثاءً عاطفياً فقط، بل توصيف سياسي لرجل كان أخطر ما فيه على قاتليه أنه يجمع ما أرادوا تفريقه: الوطنية واليسار، المقاومة والديمقراطية، العروبة واللبنانية، الحوار والمواجهة، الصلابة والمرونة.
حتى خصومه لم يستطيعوا أن يحصروه في خانة ضيقة. قيل عنه إنه “شهيد تاريخي”، وإنه “لا يمكن وضعه في خانة 14 آذار أو 8 آذار”. وهذه الجملة وحدها تكفي لفهم سرّ خطورته على قتلة السياسة في لبنان. جورج حاوي لم يكن ابن اصطفاف عابر. كان ابن تاريخ كامل من النضال الوطني، من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، إلى الدفاع عن الإصلاح الديمقراطي، إلى رفض النظام الطائفي، إلى مواجهة الوصاية الأمنية، إلى الإصرار على أن لبنان لا يكون إلا دولة لكل أبنائه.
وكأن جورج حاوي كان يقرأ أسباب مقتله قبل وقوعه. ففي نيسان عام 1977، كتب في مجلة “الطريق” عن اغتيال كمال جنبلاط، فقال إن مشروع جنبلاط اصطدم بالنظام الدكتاتوري العربي في خضم معركة الإصلاح الديمقراطي، فتم اغتياله لمنع التغيير، وإن الصراع السياسي فوق لبنان يتخطى حدود هذا البلد الصغير ليتجسد نموذجاً للصراع بين قوى الديمقراطية والإصلاح والأنظمة البوليسية في الساحة العربية.
كم يشبه الأمس اليوم. منع التغيير يكون بالقتل. هكذا قُتل كمال جنبلاط. وهكذا قُتل سمير قصير. وهكذا قُتل جورج حاوي. وهكذا طورد العقل في تاريخنا، من ابن رشد، “أرسطو العرب”، إلى غيلان الدمشقي والحلاج، كأن شعوبنا محكومة بأن ترى الدم في الشوارع، وصور الشهداء على الأعمدة، بدل أن ترى الأفكار في المؤسسات والحرية في صناديق الاقتراع.
لم يكن حاوي ضد العلاقة مع سوريا بوصفها عمقاً جغرافياً وسياسياً، لكنه كان ضد النهج السوري في إدارة لبنان. كان يدين الأجهزة الأمنية وغطاءها السوري. كان يعرف أن المشكلة ليست في العلاقة بين شعبين، بل في نظام وصاية يريد أن يحرس النظام الطائفي اللبناني وأن يمنع انتقال عدوى الإصلاح والديمقراطية من لبنان إلى محيطه. لذلك كتب كراسه المأثور “المخطط الأميركي السوري أمام الهزيمة الحتمية” عشية دخول القوات السورية إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط، في لحظة كانت فيها الحركة الوطنية على قاب قوسين من فرض برنامجها للإصلاح المرحلي، فتدخل النظام السوري لحماية النظام الطائفي والسهر على ديمومته.
كان الشهيد حاوي رجل اللحظات الصعبة. كان يؤمن أنه كلما اشتدت قسوة الظروف، ازدادت الحاجة إلى حشد القوى وتركيزها والقيام بنضال حازم، لأن الوحدة الداخلية لا تُصنع بالخطابات الفارغة، بل بالإرادة السياسية وبالجرأة على المواجهة. كان يطمح إلى بلد محكوم بأحزاب علمانية ذات انتماء وطني متعدد، لا بطوائف مغلقة ولا بميليشيات ولا بأجهزة أمنية. كان يريد لبنان دولة، لا ساحة؛ وطناً، لا صندوق بريد؛ ومجتمعاً سياسياً حياً، لا رهينة في يد الخارج.
ولم يكن جورج حاوي منظّراً بعيداً عن الأرض. كان واحداً من الذين فهموا مبكراً أن مقاومة الاحتلال لا تكون مشروعاً طائفياً ولا احتكاراً حزبياً، بل فعلاً وطنياً جامعاً. يوم دعا، مع محسن إبراهيم، إلى إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بعد اجتياح بيروت عام 1982، كان يؤسس لفكرة المقاومة بوصفها شأناً وطنياً عاماً، لا ملكية خاصة لأحد. وقد قال لاحقاً عن انسحاب الاحتلال من بيروت: “انسحبت من بيروت في أول عملية تحرير حقيقية”. في هذه الجملة تختصر ذاكرة رجل لم يكن يتعامل مع المقاومة كشعار، بل كتجربة دفع فيها هو ورفاقه ثمناً سياسياً وتنظيمياً وشخصياً باهظاً.
وقال حاوي أيضاً إن “إسرائيل فوجئت بهذه العمليات في بيروت”، لأنها كانت تنتظر حالة استسلام لا مقاومة. هذه الجملة لا تضيء فقط على دوره في مقاومة الاحتلال، بل تكشف المسافة الهائلة بين مقاومة وطنية تريد تحرير الأرض وبناء الدولة، وبين سلاحٍ يتحول لاحقاً إلى سلطة فوق الدولة، يستخدم ذاكرة المقاومة ليصادر السياسة والقرار والعدالة.
وكان حاوي يعرف، من خبرته الطويلة، أن الاغتيالات الكبرى لا تُفهم من اليد التي تضغط على الزر وحدها. في إحدى مقابلاته قال: “لم يحصل ولا اغتيال كبير في لبنان والمنطقة بقرار من طرف واحد”. هذه الجملة تبدو اليوم كأنها وصية سياسية تركها قبل اغتياله. فالقاتل في لبنان ليس فرداً معزولاً غالباً، بل منظومة: طرف يقرر، طرف يغطّي، طرف ينفذ، طرف يعطّل العدالة، وطرف يراهن على تعب الذاكرة.
حتى في أيامه الأخيرة، بقي حاوي يشعر أن شيئاً كبيراً يقترب. تُروى عنه عبارة قالها لجورج بطل في وداعه الأخير: “لا تتجول غداً يا جورج… أشعر أن أمراً كبيراً سيحدث”. وفي اليوم التالي سقط أبو أنيس شهيداً. كأن الرجل الذي قرأ تاريخ الاغتيالات في لبنان والمنطقة كان يسمع خطوات الجريمة وهي تقترب من سيارته.
بعد اغتيال رفيق الحريري، وسمير قصير، ثم جورج حاوي، لم يعد ممكناً التعامل مع الاغتيالات كأحداث منفصلة. المحكمة الخاصة بلبنان نفسها نظرت إلى الهجمات على مروان حماده وجورج حاوي وإلياس المر بوصفها هجمات متصلة باعتداء 14 شباط 2005. وفي عام 2019، رُفعت السرية عن لائحة اتهام في قضية جديدة ضد سليم جميل عياش تتعلق بهذه الهجمات الثلاث. لم تكتمل المحاكمة، ولم يصدر حكم نهائي في جريمة جورج حاوي، لكن مجرد الربط القضائي بين هذه الجرائم، ومجرد انتقال اسم عياش من ملف الحريري إلى ملف حاوي وحماده والمر، يقول الكثير عن بنية العنف السياسي التي حكمت لبنان في تلك المرحلة.
أما حزب الله، فليس في هذا النص اتهاماً عاطفياً عابراً. المحكمة الدولية أدانت في ملف الحريري عناصر من الحزب، وحكمت عليهم غيابياً، فيما بقي عياش فاراً من العدالة. وإذا كان الحكم القضائي لا يساوي حكماً سياسياً شاملاً على كل البنية التي أمرت وغطت وسهّلت، فإن السياسة لا تستطيع أن تتجاهل ما قالته الوقائع: هناك شبكة اغتيال، هناك محترفون في الرصد والتفجير والتخفي، وهناك بيئة سلاح وأمن تعلو على الدولة وتمنع العدالة من الوصول إلى المتهمين.
وسوريا، حتى حين لا تُدان كدولة في منطوق حكم قضائي، لا تخرج من السؤال السياسي والأخلاقي. فالاغتيالات وقعت في ظل زمن الوصاية ومخلفاتها، وفي لحظة صراع على خروج الجيش السوري من لبنان، وعلى معنى السيادة، وعلى قدرة اللبنانيين على استعادة قرارهم. جورج حاوي كان ابن هذا الصراع. كان يعرف سوريا الشعب، ويعرف سوريا الثقافة والمقاومة، لكنه كان يرفض سوريا الأجهزة والمخابرات والوصاية. لذلك يصبح اتهام النهج الأمني السوري، سياسياً وتاريخياً، جزءاً من قراءة الجريمة، لا مجرد غضب شخصي.
ولا يمكن، في القراءة السياسية الأوسع، فصل هذا المسار عن الدور الإيراني في لبنان عبر حزب الله. فالسلاح الذي نما خارج الدولة، وتحول تدريجياً إلى سلطة موازية ثم إلى سلطة فوق الدولة، لم يكن مجرد تفصيل داخلي لبناني. كان جزءاً من مشروع إقليمي واضح، هدفه الإمساك بالقرار اللبناني وتحويل لبنان من مساحة تعدد وحوار إلى ورقة في يد المحور الإيراني. من هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كانت الاغتيالات مجرد عمليات أمنية محلية، أم كانت جزءاً من تغطية إقليمية أوسع سمحت بإسكات الأصوات التي تعيق اكتمال السيطرة؟ قد لا تكون المحكمة الدولية قد أصدرت حكماً مباشراً على إيران، لكن السياسة لا تقف عند حدود منطوق الأحكام. فالنتيجة التي رآها اللبنانيون بأعينهم كانت واضحة: كلما سقط صوت سيادي أو ديمقراطي أو إصلاحي، تقدمت سلطة السلاح خطوة إضافية، حتى وجد لبنان نفسه أسير معادلة قاتلة عنوانها: دولة ضعيفة، قرار مخطوف، وحزب مسلح يختصر البلاد باسم مقاومة صارت غطاءً للهيمنة.
القاتل واحد، لا بمعنى أن اليد التقنية واحدة دائماً، بل بمعنى أن المنطق واحد: قتل من يفتح نافذة، قتل من يحاور، قتل من يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. من فرج الله الحلو إلى حسين مروة، ومن حسن حمدان إلى سهيل طويلة، ومن خليل نعوس إلى ميشال وأكد ولبيب عبد الصمد، وصولاً إلى جورج حاوي، المسار واحد: كلما ظهر عقل حر، وطني، ديمقراطي، حاولت آلة الظلام أن تكسره.
لقد أرادوا باغتيال جورج حاوي أن يقولوا للبنانيين إن الحوار جريمة، وإن التغيير ثمنه الموت، وإن كل من يخرج من الاصطفاف المرسوم له سيدفع الثمن. أرادوا أن يقطعوا الخيط الرفيع الذي كان يمكن أن يجمع المختلفين حول فكرة الدولة. أرادوا أن يسكتوا رجلاً يعرف لغة الشارع ولغة الفكر، لغة الحزب ولغة الوطن، لغة الخصومة ولغة التسوية. وهذا، بالذات، ما جعل اغتياله جريمة سياسية كبرى، لا مجرد عملية أمنية.
عندما أفكر بجورج حاوي تدمع عيني غصباً عني. لا أصدق أنه رحل. إلى اليوم لم تتجرأ يدي على محو رقم أبي أنيس من هاتفي. هو هناك. لم يمت. سنتكلم كعادتنا عن زيادة وزننا، وعن آخر محاولاتنا الفاشلة لإنقاصه، ثم نمر إلى قضايا لبنان والمنطقة. أنتظر اتصالنا الأسبوعي. طال هذا الأسبوع. لا يمر. عيني على الهاتف، لكنه لا يرن.
يا أبا أنيس، ما عوّدتنا سفراً طويلاً كهذا. تركتنا في بلد يحتاجك أكثر مما مضى: يحتاج إلى حيويتك، إلى قدرتك على تحويل الخصومة إلى حوار، والحوار إلى مبادرة، والمبادرة إلى أمل. قتلوك لأنهم خافوا من هذه القدرة. خافوا من رجل يعرف أن لبنان لا يعيش بالثأر، لكنه لا يحيا أيضاً بالنسيان.
وحياة الذين راحوا، ما رح نسامح وما رح ننسى. لا لأننا نعبد الحقد، بل لأن النسيان في بلاد الاغتيال شراكة ثانية في الجريمة. لا ننسى جورج حاوي، ولا سمير قصير، ولا كمال جنبلاط، ولا كل الذين سقطوا لأنهم أرادوا للبنان أن يكون وطناً لا ساحة، ودولة لا صندوق بريد، وحواراً لا عبوة ناسفة.
جورج حاوي لم يمت. مات الجسد، أما المعنى فباقٍ: أن التغيير يستحق المخاطرة، وأن الحوار شجاعة، وأن القاتل مهما طال ارتحاله في الظل، يبقى أصغر من ذاكرة الضحايا.



