الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

السرديات الجديدة لليسار: من حطام اليقين القديم إلى أفق الحرية الاجتماعية!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن سقوط الاتحاد السوفياتي مجرد نهاية دولة عظمى أو تبدل في ميزان القوى الدولي، بل كان لحظة انكشاف فكري عميق داخل اليسار العالمي. فقد سقط نموذج تاريخي كان، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الحركة الشيوعية والاشتراكية، يمثل السردية الكبرى التي تمنح المعنى والاتجاه واليقين. غير أن سقوط ذلك النموذج لا يعني سقوط الحاجة إلى اليسار، ولا سقوط الماركسية بوصفها منهجاً نقدياً لفهم المجتمع والتاريخ؛ بل يعني سقوط القراءة الجامدة التي اختزلت الاشتراكية في دولة مركزية مفرطة، وحزب مغلق، وبيروقراطية تتكلم باسم الطبقة العاملة أكثر مما تتيح لها أن تحكم وتقرر.

من هنا تبدأ الحاجة إلى سردية يسارية جديدة: سردية لا تتنكر لماركس، بل تعود إليه بصورة أعمق؛ لا بوصفه مؤسس عقيدة جاهزة، بل بوصفه مؤسس منهج نقدي يربط الفكر بالواقع، والحقوق بالبنية الاجتماعية، والدولة بعلاقات القوة، والحريات بالشروط المادية التي تجعلها قابلة للممارسة. ففي “الأيديولوجيا الألمانية” يضع ماركس وإنجلز قاعدة مركزية لفهم الصراع الفكري والسياسي: الأفكار السائدة في كل عصر هي، في جوهرها، أفكار الطبقة السائدة، لأن من يملك وسائل الإنتاج المادي يمتلك أيضاً وسائل إنتاج الوعي. معنى ذلك أن السرديات ليست بريئة؛ فكل سردية كبرى تعبّر عن موقع اجتماعي، وعن مصالح، وعن بنية قوة. لذلك لا يستطيع اليسار أن يكتفي بإدانة الرأسمالية اقتصادياً، بل عليه أن ينازعها في الوعي، واللغة، والثقافة، والخيال السياسي.

أولاً: سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية النموذج لا نهاية الماركسية

إن القراءة المحافظة لسقوط الاتحاد السوفياتي حاولت تصويره كدليل على نهاية الاشتراكية أو نهاية التاريخ. لكن الماركسية نفسها تمنعنا من مثل هذا التبسيط. ففي “أطروحات حول فيورباخ” يرفض ماركس الفلسفة التأملية التي تكتفي بتفسير العالم، ويؤكد في أطروحته الحادية عشرة أن الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، بينما المطلوب هو تغييره. هذه العبارة ليست شعاراً بل مفتاح منهجي: الماركسية ليست تأملاً في الماضي، ولا عبادة لتجربة بعينها، بل ممارسة نقدية مرتبطة بالواقع المتغير.

لقد انتهى نموذج تاريخي محدد، لا السؤال الاشتراكي ذاته. فالتناقض بين العمل ورأس المال لم ينتهِ؛ بل أعاد إنتاج نفسه في أشكال جديدة: خصخصة الصحة والتعليم، هشاشة العمل، اقتصاد المنصات، احتكار البيانات، تركز الثروة، تهميش الشباب، تدمير البيئة، وتحويل الإنسان إلى مستهلك ويد عاملة مرنة. لذلك فإن السردية اليسارية الجديدة لا يجوز أن تكون حنيناً إلى الماضي، بل نقداً مزدوجاً: نقداً للرأسمالية النيوليبرالية، ونقداً للتجارب الاشتراكية التي تحولت فيها الدولة والحزب إلى جهازين فوق المجتمع.

في “الاشتراكية: الطوباوية والعلمية” يعرّف إنجلز أفق الاشتراكية بوصفه انتقال الإنسان من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية. هذه الفكرة أساسية جداً في تجديد اليسار. فالاشتراكية ليست فقط تأميم وسائل الإنتاج أو إدارة مركزية للاقتصاد، بل هي تحرير الإنسان من الخضوع الأعمى للفقر والمرض والجهل والبطالة والخوف. وبذلك لا تكون الحرية مسألة ليبرالية شكلية، ولا تكون العدالة مسألة اقتصادية ضيقة؛ بل يصبح المشروع الاشتراكي مشروعاً لتحرير الإنسان في شروط حياته الفعلية.

ثانياً: حقوق الإنسان من منظور ماركسي: نقد الحق المجرد لا رفض الحق

ينبغي لليسار أن يستعيد خطاب حقوق الإنسان، ولكن لا بوصفه استعارة جاهزة من الليبرالية الغربية، ولا بوصفه خطاباً أخلاقياً منفصلاً عن البنية الاقتصادية والاجتماعية. ففي “حول المسألة اليهودية” ينتقد ماركس حدود حقوق الإنسان في المجتمع البرجوازي، لا لأنه يرفض الحرية أو المساواة، بل لأنه يرى أن هذه الحقوق تبقى ناقصة حين تُفهم بوصفها حقوق فرد معزول داخل مجتمع قائم على الملكية الخاصة والتنافس والانقسام الطبقي.

هذا النقد الماركسي بالغ الأهمية اليوم. فالحق في حرية التعبير لا يساوي كثيراً إذا كان المواطن محروماً من التعليم والمعرفة والوصول إلى الإعلام. والحق في الانتخاب يصبح شكلياً إذا كانت الحاجة الاقتصادية والزبائنية والمال السياسي تتحكم في اختيارات الناس. والمساواة أمام القانون تبقى محدودة إذا كان الوصول إلى العدالة مشروطاً بالثروة والنفوذ. لذلك لا يكفي أن نعلن الحقوق؛ يجب أن نبني الشروط التي تجعلها قابلة للممارسة.

وفي “نقد برنامج غوتا” يذهب ماركس أبعد من ذلك حين يبين أن الحق المتساوي قد يحمل داخله لا مساواة فعلية، لأنه يقيس أفراداً غير متساوين بمعيار واحد. فالبشر يختلفون في حاجاتهم، وقدراتهم، وظروفهم العائلية، وصحتهم، ومواقعهم الاجتماعية. لذلك لا تكفي المساواة القانونية الشكلية؛ بل لا بد من عدالة اجتماعية تراعي الشروط المادية الواقعية. من هنا تنبع أهمية الصحة والتعليم والسكن والعمل اللائق بوصفها حقوقاً تأسيسية، لا خدمات ثانوية.

السردية اليسارية الجديدة يجب أن تقول بوضوح: لا حرية بلا عدالة اجتماعية، ولا عدالة بلا حريات عامة. فالسلطة التي تقدم الخبز وتصادر الصوت لا تبني اشتراكية، والسوق التي تتيح حرية شكلية وتترك الإنسان تحت رحمة الفقر لا تبني ديمقراطية. الاشتراكية الديمقراطية هي الجمع بين الحق والقدرة، بين النص القانوني والشرط المادي، بين حرية المواطن وكرامة العامل.

ثالثاً: الخروج من المركزية الأوروبية في حقوق الإنسان

الخروج من المركزية الأوروبية لا يعني رفض كونية حقوق الإنسان، بل يعني رفض احتكار الغرب لتعريف الإنسان والتقدم والحضارة. فالحقوق لا تصبح كونية لأنها صادرة عن مركز أوروبي أو مؤسسة دولية، بل لأنها مرتبطة بكرامة الإنسان أينما كان. غير أن هذه الكونية تصبح زائفة حين تُستخدم انتقائياً ضد خصوم القوى الكبرى، ويُصمت عنها حين يتعلق الأمر بالحلفاء أو بالمصالح الاقتصادية أو بالاحتلال أو بالعقوبات أو بنهب ثروات الجنوب العالمي.

هنا تصبح أطروحات لينين حول حق الأمم في تقرير المصير مرجعية أساسية. ففي “الثورة الاشتراكية وحق الأمم في تقرير المصير” يربط لينين الاشتراكية بالديمقراطية الكاملة وبالمساواة بين الأمم، ويؤكد حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها. وهذا مهم جداً لأي يسار يريد أن يخرج من المركزية الأوروبية: لا يمكن أن ندافع عن حقوق الإنسان ونصمت عن حق الشعوب في التحرر الوطني، ولا يمكن أن ننتقد الإمبريالية ونبرر قمع الإنسان داخل الدولة الوطنية.

السردية اليسارية الجديدة يجب أن ترفض ازدواجيتين معاً: ازدواجية ليبرالية تستخدم حقوق الإنسان لتبرير الهيمنة الخارجية، وازدواجية سلطوية تستخدم السيادة الوطنية لتبرير القمع الداخلي. فحقوق الإنسان بلا تحرر وطني وعدالة دولية تتحول إلى خطاب انتقائي، والتحرر الوطني بلا حريات داخلية يتحول إلى دولة قمعية باسم الشعب.

رابعاً: التنمية والأمن: وحدة الخبز والكرامة والاستقرار

لا يمكن فصل التنمية عن الأمن، ولا الأمن عن العدالة. فالأمن في المفهوم اليساري ليس أمن السلطة وحدها، بل أمن المجتمع: أمن الغذاء، والصحة، والتعليم، والعمل، والسكن، والبيئة، والحياة اليومية. وحين تُختزل الدولة في جهاز ضبط وقمع، وتنسحب من وظائفها الاجتماعية، فإنها لا تنتج استقراراً حقيقياً؛ بل تراكم أسباب الانفجار.

في “نقد برنامج غوتا” يرفض ماركس الشعارات العامة عن “التوزيع العادل” إذا لم تُربط ببنية الإنتاج نفسها. وهذه نقطة مركزية في موضوع التنمية. فالتنمية ليست توزيع مساعدات بعد إنتاج الثروة، بل سؤال: من يملك أدوات الإنتاج؟ من يقرر أولويات الاستثمار؟ من يستفيد من النمو؟ هل تتحول الثروة إلى صحة وتعليم وسكن وعمل، أم إلى تراكم خاص وامتيازات طبقية؟

ومن منظور إنجلز في “الاشتراكية: الطوباوية والعلمية”، لا يصبح الإنسان حراً إلا حين يسيطر بصورة واعية على الشروط الاجتماعية التي كانت تتحكم فيه كقوى عمياء. لذلك فإن التنمية اليسارية ليست نمواً رقمياً فقط، بل هي توسيع لقدرة المجتمع على التحكم في مصيره. الصحة والتعليم هنا ليسا قطاعين خدميين فحسب، بل هما شرط الحرية الفعلية؛ فمن لا يتعلم لا يستطيع أن يشارك، ومن يخاف المرض لا يستطيع أن يكون حراً، ومن لا يجد عملاً كريماً لا يستطيع أن يكون مواطناً كامل الحقوق.

خامساً: التعدد والتعايش: ضد التنمر والاستعلاء الحضاري

السردية اليسارية الجديدة يجب أن تعيد فهم العلاقة بين الطبقة والهوية. صحيح أن الماركسية تكشف الجذر المادي للاستغلال، لكنها لا تبرر تجاهل الاضطهاد الثقافي أو القومي أو الديني أو الجندري. فالمجتمع ليس اقتصاداً فقط، بل هو أيضاً لغة ورمز وثقافة وذاكرة واعتراف. وحين تُهان مكونات اجتماعية أو قومية أو دينية أو ثقافية، فإن المسألة لا تكون “ثانوية”، بل تصبح جزءاً من بنية الهيمنة.

هنا يقدم لنا غرامشي، في “دفاتر السجن”، مفهوماً حاسماً: الهيمنة ليست سيطرة بالقوة وحدها، بل قيادة فكرية وأخلاقية وثقافية. فالطبقة أو القوة السياسية لا تحكم فقط عبر الدولة، بل عبر إنتاج المعنى، وبناء القبول، وتشكيل ما يبدو للناس “طبيعياً” أو “بديهياً”. لذلك فإن اليسار لا ينتصر بمجرد امتلاك برنامج اقتصادي؛ بل يحتاج إلى بناء كتلة تاريخية تجمع المتضررين من الاستغلال والتمييز والتهميش حول مشروع مشترك.

هذا يعني أن التعايش بين المكونات لا يجوز أن يكون تسامحاً فوقياً، حيث تمنح جماعة قوية جماعة أضعف حق الوجود. التعايش الحقيقي هو مساواة واعتراف وشراكة. ولا يستطيع اليسار أن يكون تحررياً وهو يمارس استعلاءً حضارياً، أو مركزية ثقافية، أو تنمراً سياسياً ضد مكونات المجتمع. اليسار الجديد يجب أن يبني وحدة شعبية لا تلغي التعدد، وتعدداً لا يفكك العدالة الاجتماعية.

سادساً: الشباب واللغة الجديدة: من منطق الطاعة إلى منطق الإقناع

ربما تكثّف ابنتي، في جملة واحدة، مأزق اليسار مع الجيل الجديد. قالت لي متحدية: “قد أكون يسارية بطابع إنساني، لكنني لن أكون اشتراكية إذا كان معنى الاشتراكية أن أتساوى مع شلة حمقى. أنا أريد أن أنافس، وأن أتقدم في الحياة، وأن أكون الأفضل”. وهي ابنة هذا الزمن: تجيد عدة لغات، تستخدم التكنولوجيا، تفكر عالمياً، وتقيس الأفكار بقدرتها على توسيع حياتها لا بتكرار شعارات الآباء. فهل أستطيع أن أخاطبها بمنطق: الحزب قرر، وعليكِ التنفيذ؟ وهل يمكن أن نكسب جيلاً رقمياً، نقدياً، سريع المقارنة، واسع المعرفة، بمنطق تنظيمي مغلق تشكّل في زمن آخر؟

هذا السؤال ليس عائلياً فقط، بل سياسي وفكري. إذا لم يستطع اليسار أن يجيب ابنة كهذه، فلن يستطيع أن يجيب جيلاً كاملاً. والجواب لا يكون بتوبيخ طموحها، بل بتصحيح معنى الاشتراكية في ذهنها. فالاشتراكية، في أصلها الماركسي العميق، ليست مساواة بين المجتهد والكسول، ولا تسوية قسرية بين المبدع والأحمق، ولا إلغاءً للتفوق الفردي. في “نقد برنامج غوتا”، ينتقد ماركس فكرة “الحق المتساوي” لأنها قد تتحول إلى حق غير عادل عندما تقيس أفراداً غير متساوين بمعيار واحد. أي إن ماركس نفسه لم يكن داعية مساواة ميكانيكية تلغي الفروق بين البشر، بل كان يرى أن العدالة الحقيقية يجب أن تعترف باختلاف القدرات والحاجات والشروط.

ومن هنا يجب أن نشرح للشباب أن الاشتراكية ليست عداءً للتميّز، بل عداءٌ لاحتكار شروط التميّز. ليست ضد المنافسة، بل ضد منافسة مزيفة يبدأ فيها بعض الناس من مدارس ممتازة ولغات وسفر وشبكات عائلية ورأسمال ثقافي، بينما يبدأ آخرون من الفقر والمرض والتعليم الرديء وانسداد الأفق. اليسار الجديد لا يقول للشابة المتفوقة: لا تكوني الأفضل. بل يقول لها: كوني الأفضل، ولكن في مجتمع لا يجعل تفوقك مبنياً على حرمان غيرك، ولا يجعل نجاحك مشروطاً بسحق الآخرين، ولا يحوّل الذكاء إلى امتياز طبقي مغلق.

في “البيان الشيوعي”، يكتب ماركس وإنجلز أن المجتمع المنشود هو ذلك الذي يكون فيه “التطور الحر لكل فرد شرطاً للتطور الحر للجميع”. هذه العبارة تصلح لأن تكون مدخلاً لمخاطبة الشباب اليوم. فالاشتراكية ليست دفن الفرد في الجماعة، بل تحرير الفرد داخل جماعة عادلة. وليست أن ينخفض المتقدمون إلى مستوى المتأخرين، بل أن ترتفع القاعدة الاجتماعية كلها بحيث يصبح التفوق ثمرة جهد وموهبة، لا ثمرة وراثة طبقية وامتياز اجتماعي. وفي “الغروندريسه/ Grundrisse”، الخطوط العامة لنقد الإقتصاد السياسي، يربط ماركس الثروة الحقيقية بتطور قدرات الأفراد وبالوقت الحر الذي يسمح للإنسان أن يطوّر ملكاته. هذا جوهر حديثنا مع جيل اللغات والتكنولوجيا: الاشتراكية لا تخاف من المعرفة ولا من التفوق، بل تريد تعميم شروط المعرفة والتفوق.

لذلك، فإن سؤال ابنتي يكشف أن اليسار لا يحتاج إلى لغة وعظية، بل إلى لغة تحررية. لا يكفي أن نقول للشباب إن السوق ظالم؛ علينا أن نشرح لهم أن السوق لا يكافئ الموهبة وحدها، بل يكافئ الموقع الاجتماعي، والوراثة، والشبكات، والقدرة على الوصول. ولا يكفي أن نقول لهم إن الحزب قرر؛ لأن جيل التكنولوجيا يسأل: لماذا؟ وبأي دليل؟ وبأي آلية محاسبة؟ وبأي حق تتكلمون باسمي؟ إن الحزب الذي لا يستطيع إقناع ابنته لن يستطيع إقناع المجتمع. والحزب الذي يخاطب الشباب بمنطق الطاعة لا بمنطق الحرية سيخسرهم، حتى لو كانت قضيته عادلة.

الاشتراكية الجديدة التي يمكن أن يسمعها الشباب هي اشتراكية الفرص العادلة، والكرامة، والصحة، والتعليم، والحق في التفوق، والحق في الاختلاف، والحق في مساءلة القيادة. إنها لا تطلب من الفرد أن يتنازل عن طموحه، بل تطلب من المجتمع أن يمنع تحويل طموح القلة إلى احتكار، وأن يمنع تحويل فشل الأكثرية إلى قدر. بهذا المعنى، نستطيع أن نقول لابنتنا: لا نريدك أقل تفوقاً، بل نريد عالماً لا يكون فيه تفوقك امتيازاً ضد الآخرين، بل قوة مضافة لتحرر الجميع.

سابعاً: الحزب اليساري والحوكمة الحزبية: لا ديمقراطية اجتماعية بعقلية مغلقة

لا يستطيع الحزب اليساري أن يطالب بديمقراطية المجتمع وهو عاجز عن ممارستها داخله. هذه إحدى العقد الكبرى التي ورثتها أحزاب يسارية كثيرة من القرن العشرين: مركزية مفرطة، قيادة مغلقة، لغة خشبية، ضعف في الشفافية، خوف من النقد، وتهميش للشباب والنساء والكوادر الجديدة.

في “الدولة والثورة”، يميز لينين، بالعودة إلى تجربة الكومونة، بين المركزية الديمقراطية والمركزية البيروقراطية. فالمركزية الديمقراطية، في معناها الحي، لا تعني أوامر من فوق، ولا إلغاء المبادرة المحلية، بل تعني وحدة العمل السياسي مع أوسع مشاركة ومحاسبة وانتخاب وقابلية للعزل. أما حين تتحول إلى طاعة صامتة للجهاز المركزي، فإنها تفقد معناها الثوري وتصبح نقيضاً للديمقراطية.

وتقدم روزا لوكسمبورغ في “المسائل التنظيمية للديمقراطية الاشتراكية الروسية” تحذيراً مبكراً من مخاطر الإفراط في المركزية وتركيز السلطة في اللجنة المركزية على حساب المبادرة الحية للطبقة العاملة والحزب. قيمة هذا التحذير اليوم أنه يساعدنا على التمييز بين الانضباط الضروري لأي حزب وبين الطاعة التي تقتل السياسة. فالحزب الذي لا يسمح بالنقد الداخلي يضعف قدرته على فهم المجتمع. والحزب الذي يخاف من شبابه يحكم على نفسه بالشيخوخة السياسية.

لذلك نحتاج إلى حوكمة حزبية يسارية حديثة: وضوح في الصلاحيات، مؤتمرات دورية حقيقية، انتخاب ومساءلة، شفافية مالية، حق الاختلاف المنظم، تداول المسؤوليات، تقييم أداء القيادات، تمثيل فعلي للشباب والنساء والعمال والمناطق المهمشة، وآليات اتصال دائمة مع المجتمع. لسنا أحزاباً حاكمة، لكن علينا أن نتحرر من عقلية الحزب الحاكم: عقلية المركز الذي يعرف كل شيء، والقاعدة التي تنفذ فقط.

ثامناً: هل تصلح السردية الصينية مقدمة لسردية يسارية جديدة؟

تطرح التجربة الصينية سؤالاً معقداً على اليسار العالمي: هل يمكن أن تكون “السردية الصينية” مدخلاً لسردية يسارية جديدة، أم أنها نموذج خاص لا يجوز تعميمه؟ الجواب يحتاج إلى تمييز دقيق بين ما يمكن التعلم منه وما يجب نقده. فمن الخطأ أن يرفض اليسار التجربة الصينية بالكامل بدافع حساسية ليبرالية أو غربية، كما أن من الخطأ أن يحولها إلى نموذج مكتمل أو وصفة جاهزة. الصين ليست حاشية على التجربة السوفياتية، وليست تكراراً للنيوليبرالية الغربية، بل هي صيغة تاريخية خاصة جمعت بين قيادة حزب شيوعي، ودولة تنموية قوية، وانفتاح مضبوط على السوق، وتخطيط طويل المدى، وسردية وطنية حضارية ضد الإذلال الاستعماري والتبعية.

قوة السردية الصينية أنها أعادت الاعتبار إلى سؤال التنمية بوصفه سؤالاً مركزياً في الاشتراكية. فدينغ شياو بينغ، في نصوصه وخطاباته منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، طرح مبدأ “تحرير العقل وطلب الحقيقة من الوقائع”، ثم ربط الاشتراكية بتطوير القوى المنتجة والقضاء على الفقر. هذا قريب من ماركس في المعنى المنهجي لا في الشكل السياسي؛ فماركس لم يفهم الاشتراكية كفقر موزع بالتساوي، بل كمجتمع يحرر القوى الإنسانية من الضرورة والاستغلال. لذلك فإن أهم درس صيني لليسار هو أن العدالة لا تُبنى على الفقر، وأن الخطاب الاشتراكي الذي يعادي الإنتاج والكفاءة والتكنولوجيا محكوم عليه بالعجز.

لقد استطاعت الصين، بحسب تقديرات البنك الدولي، إخراج نحو ثمانمئة مليون إنسان من الفقر المدقع خلال أربعة عقود. وهذا إنجاز تاريخي لا يستطيع أي تحليل جاد تجاهله. غير أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في الرقم وحده، بل في السؤال الذي يطرحه على اليسار: هل يمكن الدفاع عن الاشتراكية من دون مشروع إنتاجي؟ هل يمكن الحديث عن العدالة من دون دولة قادرة على التخطيط والاستثمار وبناء البنية التحتية؟ هل تكفي الشعارات التحررية إذا بقي المجتمع غارقاً في الفقر والبطالة والتبعية التكنولوجية؟ هنا تقدم الصين درساً حاداً: لا يسار بلا تنمية، ولا تنمية بلا دولة، ولا دولة فعالة بلا قدرة تنظيمية وتخطيطية طويلة المدى.

لكن السردية الصينية ليست مجرد قصة تنمية؛ إنها أيضاً قصة دولة وحزب وهوية وطنية. في الخطاب الصيني المعاصر حول “التحديث الصيني النمط”، كما ورد في وثائق المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني، هناك تأكيد على “الرخاء المشترك”، وعلى أن التحديث لا يعني التغريب، وعلى أن لكل حضارة طريقها الخاص إلى الحداثة. وهذه نقطة مهمة جداً لليسار في الجنوب العالمي: الحداثة ليست ملكية أوروبية، والتقدم لا يعني نسخ الغرب، والديمقراطية الاجتماعية لا يمكن أن تُبنى من دون سيادة وطنية وقدرة دولة وتخطيط طويل المدى. بهذا المعنى، يمكن للسردية الصينية أن تساعد اليسار على الخروج من عقدتين: عقدة الخضوع للنموذج الغربي، وعقدة الحنين إلى النموذج السوفياتي.

غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الدولة التنموية إلى دولة فوق المجتمع، وحين يتحول الحزب إلى مصدر الحقيقة الوحيد، وحين يتم التعامل مع الحرية بوصفها خطراً على التنمية لا شرطاً من شروطها. هنا يجب أن نستدعي روزا لوكسمبورغ بعمق. فقد حذرت مبكراً من أن المركزية الخانقة تقتل المبادرة الحية للجماهير، وأن التنظيم الثوري إذا انفصل عن حرية النقد يتحول إلى جهاز وصاية. كما يجب أن نستدعي غرامشي: الهيمنة ليست إكراهاً فقط، بل قيادة فكرية وأخلاقية. فإذا لم تستند القيادة إلى قبول حر وتعدد ونقاش، فإنها تخاطر بأن تتحول من هيمنة بالمعنى الغرامشي إلى سيطرة إدارية وأمنية.

من هنا، تصلح السردية الصينية كمادة للتفكير لا كنموذج للاستنساخ. تصلح لأنها تقول إن التنمية، والتكنولوجيا، والسيادة، والتخطيط، وتجاوز الفقر، ومقاومة المركزية الأوروبية، كلها عناصر لا غنى عنها في أي سردية يسارية جديدة. لكنها لا تكفي لأنها لا تجيب بما يكفي عن أسئلة الحريات العامة، والتعدد السياسي، واستقلال المجتمع المدني، وحقوق الإنسان بوصفها حقوقاً لا منحة من الدولة. إن اليسار العربي، إذا أراد أن يتعلم من الصين، فعليه أن يتعلم من قوتها التنموية لا أن يستعير صمتها السياسي؛ أن يتعلم من قدرتها على التخطيط لا أن ينسخ مركزيتها؛ أن يتعلم من رفضها للتبعية لا أن يبرر باسم ذلك أي تضييق على الإنسان.

السردية الصينية مفيدة إذا فهمناها كتنبيه تاريخي: لا اشتراكية بلا إنتاج، ولا عدالة بلا دولة قادرة، ولا استقلال بلا تنمية، ولا خروج من المركزية الأوروبية بلا ثقة حضارية بالنفس. لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى تبرير لفكرة أن الحزب يعرف دائماً، والمجتمع ينفذ دائماً، والفرد ينتظر دائماً. فالسردية اليسارية الجديدة التي نحتاجها يجب أن تجمع بين درس الصين في التنمية ودرس ماركس في التحرر الإنساني، وبين قدرة الدولة وحرية المجتمع، وبين الرخاء المشترك والتطور الحر لكل فرد.

لذلك يمكن القول: نعم، تصلح السردية الصينية كمقدمة جزئية، لا كخاتمة. تصلح كباب لإعادة التفكير في التنمية والسيادة والتكنولوجيا والرخاء المشترك، لكنها لا تصلح وحدها كسردية يسارية جديدة ما لم تُستكمل بسؤال الديمقراطية والحقوق والحريات والحوكمة الحزبية. فالمطلوب ليس “صيننة” اليسار، بل بناء يسار قادر على أن يتعلم من الصين كما يتعلم من ماركس وروزا وغرامشي وتجارب الجنوب العالمي، ثم يصوغ طريقه الخاص: طريقاً يجعل الإنسان غاية التنمية، لا مادتها الخام؛ ويجعل الحزب أداة تحرر، لا بديلاً عن المجتمع.

تاسعاً: ركائز السردية اليسارية الجديدة

يمكن بناء السردية اليسارية الجديدة على سبع ركائز مترابطة.

أولاً، الماركسية كمنهج نقدي لا كعقيدة جامدة. نستند إلى ماركس وإنجلز في “الأيديولوجيا الألمانية” لفهم أن الوعي والسرديات والأفكار ليست منفصلة عن علاقات القوة، بل هي جزء من الصراع الاجتماعي نفسه.

ثانياً، الحرية والعدالة معاً. نستند إلى ماركس في “حول المسألة اليهودية” كي نفهم حدود الحقوق الليبرالية المجردة، لا كي نرفض الحقوق، بل كي نجعلها فعلية ومادية واجتماعية.

ثالثاً، الصحة والتعليم والعمل والسكن بوصفها شروط الحرية. نستند إلى “نقد برنامج غوتا” في تجاوز المساواة الشكلية نحو عدالة تراعي الحاجات والشروط الواقعية، وترى أن الإنسان لا يمارس حقه إلا إذا امتلك القدرة الفعلية على ممارسته.

رابعاً، التنمية والأمن بوصفهما مشروعاً واحداً. الأمن الحقيقي لا ينتج من القمع، بل من مجتمع عادل قادر على حماية أفراده من الفقر والمرض والجهل والخوف. هنا يلتقي إنجلز في “الاشتراكية: الطوباوية والعلمية” مع أي تصور يساري حديث يجعل الحرية تحكماً واعياً بالشروط الاجتماعية لا خضوعاً لها.

خامساً، الخروج من المركزية الأوروبية. نستند إلى لينين في حق الأمم في تقرير المصير، ونربط حقوق الإنسان بالتحرر الوطني والعدالة الدولية، من دون أن نحول السيادة إلى ذريعة للاستبداد الداخلي.

سادساً، التعدد بلا استعلاء. نستند إلى غرامشي في فهم الهيمنة الثقافية وبناء كتلة تاريخية تقوم على الاعتراف والمساواة لا على الإلغاء، وعلى قيادة أخلاقية وثقافية لا على السيطرة وحدها.

سابعاً، الحزب الديمقراطي المنفتح. نستند إلى لينين في المعنى الديمقراطي للمركزية، وإلى روزا لوكسمبورغ في نقد البيروقراطية والمركزية الخانقة، لبناء حزب يحكم نفسه بالشفافية والمساءلة قبل أن يطالب بإصلاح المجتمع.

خاتمة: سردية تحرر لا سردية حنين

إن اليسار لا يحتاج اليوم إلى رثاء السرديات الكبرى القديمة، ولا إلى تكرارها كما كانت، بل إلى بناء سردية تحررية جديدة تستند إلى أفضل ما في التراث الماركسي وتتجاوز أسوأ ما في تجارب الجمود والبيروقراطية. فماركس يعلمنا أن الأفكار مرتبطة بالقوة الاجتماعية، وإنجلز يضع الحرية في قلب الاشتراكية، ولينين يربط التحرر بالديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وروزا لوكسمبورغ تحذر من قتل المبادرة باسم التنظيم، وغرامشي يذكرنا بأن الصراع على السلطة هو أيضاً صراع على الثقافة والمعنى والهيمنة.

السردية اليسارية الجديدة هي سردية الإنسان الملموس: العامل، الفلاح، المرأة، الشاب، المريض، العاطل، المهمش، صاحب الهوية المقموعة، والمواطن الذي يريد أن يعيش بحرية وكرامة في وطن عادل. إنها سردية لا تختزل الإنسان في السوق، ولا تذوبه في الدولة، ولا تسجنه في هوية واحدة، بل تفتح أمامه أفق المشاركة والعدالة والمعرفة والحرية.

بهذا المعنى، يكون تجديد اليسار عودة إلى جوهره: تغيير العالم لا تفسيره فقط؛ بناء الحرية لا إدارتها؛ إنتاج العدالة لا الاكتفاء بوعدها؛ وبناء حزب ديمقراطي في داخله كي يكون قادراً على حمل مشروع ديمقراطي في المجتمع. فاليسار الذي لا يسمع الشباب لن يصنع المستقبل، واليسار الذي لا يحترم الحقوق لن يصنع الحرية، واليسار الذي لا يربط التنمية بالكرامة لن يصنع العدالة، واليسار الذي لا يراجع نفسه سيبقى أسير سردية سقطت، بينما العالم ينتظر سردية جديدة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...