أخباركم – أخبارنا/ د. وفيق ريحان
حيث إنّ الاحتلال الإسرائيلي قد أصبح واقعًا ضاغطًا، والعدو يرتكب حاليًا أبشع الجرائم ضد الوطن والإنسانية، محاولًا إسقاط جرائم الإبادة في غزة على الواقع الجنوبي واللبناني، من أجل فرض الشروط ذاتها التي سعى إلى فرضها على المقاومة الإسلامية في غزة وعلى الشعب الفلسطيني، تحقيقًا لمشروعه السياسي القائم على طرد الفلسطينيين من أرضهم، واحتلال كامل القطاع والضفة الغربية، وتصفية القضية الفلسطينية، وذلك بدعم أميركي مطلق.
وفي هذا السياق، تبدو الدولة اللبنانية اليوم وكأنها تفاوض الرموز نفسها التي تآمرت على الشعب الفلسطيني وارتكبت بحقه أبشع المجازر بصورة مباشرة. وفي ذلك تسليمٌ شبه مطلق بالأمر الواقع الذي يحاول العدو الإسرائيلي فرضه على لبنان والمنطقة. أما الحديث عن خلافات سياسية واسعة النطاق بين الرئيسين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فلن يتعدى كونه خلافات ضيقة تتعلق بالأسلوب لا بجوهر القضية. لذلك، لا يمكن التعويل على وجود شرخ كبير بين الرجلين أو بين السياستين من حيث الأهداف الاستراتيجية.
لقد راهن بعض الفئات السياسية في لبنان، أو اعتقد، أن قوة حزب الله في الميدان قد انتهت إلى غير رجعة، بعدما تمكنت إسرائيل من اغتيال عدد من قادته السياسيين والعسكريين والأمنيين خلال عام 2024. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك؛ فها هم رجال هذا الحزب يقفون بقوة وبسالة في أشرس مواجهة مع هذا العدو الهمجي، الذي لم يكترث يومًا لنداءات وقف إطلاق النار، رغم صدورها عن حليفه الأميركي.
ويبدو أن هذا العدو يحاول توسيع نطاق ما يسمى بالحزام الأمني، ليمتد إلى الأراضي السورية من جهة القنيطرة وسفوح الجولان الشرقية، من دون الإعلان عن ذلك، تمهيدًا لإحكام السيطرة الكلية على كامل الأراضي اللبنانية. ومن المرجح أن يحاول احتلال المواقع الجبلية في تلال علي الطاهر، وجبال سجد والريحان، والجبل الرفيع، ومرتفعات عرمتى، وصولًا إلى السلسلة الشرقية فوق البقاعين الأوسط والشمالي، بما يتيح له التواصل العسكري والأمني مع سفوح الجولان والقنيطرة.
إن هذا المشروع سوف يستغرق وقتًا طويلًا، وسيؤدي إلى استنزاف هائل للإمكانات المادية والمالية والاقتصادية والبشرية في لبنان. لذلك، لا بد لنا من التسلح بالقوة والحكمة في مواجهة هذا العدو الإرهابي. ومن يعتقد أننا قريبون من وقف دائم لإطلاق النار فهو واهم دون شك.
ولا يمكن مواجهة هذا المشروع الجهنمي إلا بوحدة الداخل، ووقف المهاترات السياسية غير المجدية، لأن الخطر الصهيوني سيطال الجميع من دون تفرقة. كما ينبغي على سلطات العهد أن تعمل على توحيد الجهود والمواقف تجاه المسار التفاوضي مع هذا العدو، والوقوف بثبات أمام تعنت وعنصرية الكيان الإسرائيلي، الذي لا يفهم منذ نشوئه إلا لغة القوة والمواجهات البطولية القادرة على إحباط مخططه التآمري.
وفي المقابل، ينبغي على حزب الله، الذي يقدم المزيد من التضحيات في مواجهة هذا العدو، أن يسخّر إنجازاته العسكرية في خدمة مشروع الدولة اللبنانية، وألا يخاصمها، لأن ذلك يصب، دون أدنى شك، في خدمة العدو وعملائه، ويساهم في شرذمة الوضع الداخلي. كما ينبغي أن يتحلى الحزب بالواقعية والعقلانية السياسية التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية في إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وأن يتماهى معها في هذا السلوك السياسي.
لن نتمكن من اجتياز هذه المرحلة بقوة وثبات من دون وحدتنا الداخلية. كما أن تصويب مسار العهد لن يتحقق إلا من خلال التقارب والتفاهم بين المسارين في واشنطن وإسلام آباد، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
وبقدر ما نحرص على صد العدوان الإسرائيلي وإفشال مخططه التآمري، علينا أيضًا ألا نفقد أي ورقة من أوراق القوة التي نحتفظ بها ونحافظ عليها معًا، من أجل إرغام إسرائيل على الانسحاب غير المشروط من أراضينا، وإعادة النازحين إلى قراهم وبلداتهم حتى الحدود الدولية الرسمية، وإعادة الإعمار، واسترداد جميع الأسرى.
ولا بد أن يتم ذلك في ظل اتفاق أمني برعاية دولية، يكرّس اتفاق الهدنة لعام 1949 والقرار الدولي 1701، ويضمن انتشار الجيش اللبناني على كامل التراب الوطني، وتثبيت الأمن والاستقرار في لبنان، تمهيدًا لعودة الحياة إلى طبيعتها، وإنقاذ الوطن من محنته الدامية والمدمرة.



