أخباركم _أخبارنا/ مسعود محمد
لا يتناول هذا النص الدين بوصفه إيماناً روحياً شخصياً، ولا يستهدف المؤمنين العاديين، بل يناقش ظاهرة محددة: تحويل الدين إلى أداة سياسية وعسكرية لتعبئة الفئات المهمشة ودفعها إلى القتال والموت. فالدين، حين يقع في يد تنظيم مسلح، لا يبقى علاقة بين الإنسان وربه، بل يتحول إلى جهاز كامل لصناعة الطاعة، وتقديس القتال، وتجميل الموت، وتبرير خراب المدن والحياة.
في هذا السياق، يمكن قراءة خطاب حزب الله وحماس من خلال فيورباخ وماركس ولينين. فهؤلاء المفكرون الثلاثة، رغم اختلافهم، يساعدوننا على فهم كيف يتحول الدين من عزاء روحي إلى مخدّر سياسي وقتالي، وكيف يصبح الموت مقنعاً حين يُقدَّم للشباب باعتباره شهادة، وجنة، وخلوداً، وانتصاراً، لا خسارة إنسانية.
أولاً: فيورباخ والدين بوصفه إسقاطاً لألم الإنسان
يرى لودفيغ فيورباخ أن الدين ليس حقيقة خارجة عن الإنسان بقدر ما هو إسقاط لما في داخل الإنسان من رغبات، خوف، ألم، ضعف، وحاجة إلى الكمال. فالإنسان، بحسب فيورباخ، يخلق صورة مقدسة من جوهره الخاص، ثم يخضع لها كما لو كانت قوة فوقه.
يقول فيورباخ في كتابه The Essence of Christianity:
“God is the manifestation of man’s inner nature, his expressed self.”
ويقول أيضاً:
“The consciousness of God is the self-consciousness of man.”
بناءً على ذلك، يمكن فهم الخطاب الديني عند حزب الله وحماس بوصفه عملية إسقاط سياسي وديني في آن واحد. فالجماعة التي تعاني الفقر، الاحتلال، التهميش، الحصار، الخوف، وانعدام المستقبل، تُدفع إلى إسقاط آلامها على رموز مقدسة. عند حزب الله يتحول الحسين وكربلاء إلى نموذج دائم للمعركة. وعند حماس يتحول الجهاد والشهادة وتحرير الأقصى إلى معنى مطلق يتجاوز السياسة.
هنا لا يعود الشاب المهمش يرى نفسه ضحية ظروف اجتماعية وسياسية يجب تغييرها، بل يرى نفسه بطلاً في معركة مقدسة. ولا يعود الموت نهاية مأساوية، بل يصبح عبوراً إلى معنى أعلى. وهذا هو جوهر الإسقاط الديني: الواقع البائس لا يُفهم بوصفه نتيجة فساد سياسي أو فشل اجتماعي أو استغلال إقليمي، بل يُعاد تفسيره كابتلاء، وتكليف، وطريق إلى الجنة.
ثانياً: ماركس والدين بوصفه أفيوناً للشعب
ماركس لم يرَ الدين مجرد خداع بسيط، بل فهمه بوصفه تعبيراً عن ألم حقيقي. فالدين يظهر حيث توجد معاناة فعلية. لكنه يصبح خطيراً حين يتحول من تعبير عن الألم إلى وسيلة لتسكينه ومنع الناس من مواجهة أسبابه.
يقول ماركس في A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right: Introduction:
“Religious suffering is, at one and the same time, the expression of real suffering and a protest against real suffering.”
ثم يضيف عبارته الشهيرة:
“Religion is the sigh of the oppressed creature, the heart of a heartless world, and the soul of soulless conditions. It is the opium of the people.”
هذا المعنى ينطبق بوضوح على الفئات التي تستهدفها الحركات المسلحة دينياً. فالشاب الفقير، المحاصر، العاطل عن العمل، الذي لا يرى أمامه مستقبلاً، يجد في التنظيم المسلح ما لا تقدمه له الدولة: راتباً، هوية، مكانة، جماعة، حماية، وسردية كبرى تمنح حياته معنى. ثم يأتي الخطاب الديني ليضيف إلى ذلك وعداً أخروياً: الجنة، الشهادة، الخلود، ورضا الله.
هنا يصبح الدين مخدّراً لا لأنه يواسي الإنسان فقط، بل لأنه يعيد تعريف البؤس نفسه. فالفقير لا يُقال له إن فقره نتيجة نظام سياسي واجتماعي يجب تغييره، بل يُقال له إن فقره ابتلاء. والمقاتل لا يُقال له إن موته خسارة، بل يُقال له إن موته شهادة. والأم التي تفقد ابنها لا يُسمح لها بأن ترى الفقدان ككارثة، بل يُطلب منها أن تراه شرفاً. والمدينة التي تُدمَّر لا تُقدَّم بوصفها نتيجة قرار عسكري كارثي، بل بوصفها قرباناً في طريق النصر.
بهذا المعنى، يتحول الدين إلى أفيون سياسي: يخفف الألم، لكنه يمنع تحوله إلى غضب نقدي ضد القيادات التي تقود المجتمع إلى الخراب.
ثالثاً: لينين والدين بوصفه جهاز ضبط سياسي
لينين أخذ نقد ماركس للدين إلى مستوى سياسي وتنظيمي أوضح. فالدين، عنده، لا يقتصر على كونه وهماً أو عزاءً، بل قد يتحول إلى أداة تستخدمها القوى السياسية لإخضاع الجماهير ومنعها من إدراك مصالحها الحقيقية.
يقول لينين في Socialism and Religion:
“Religion is opium for the people. Religion is a sort of spiritual booze.”
ويقول أيضاً في The Attitude of the Workers’ Party to Religion إن محاربة الدين لا تكون بالوعظ النظري وحده، بل بفهم جذوره الاجتماعية وربطه بالظروف التي تنتجه.
في ضوء لينين، يمكن القول إن حزب الله وحماس لا يستعملان الدين كإيمان فردي، بل كجهاز تعبئة وانضباط. فالدين هنا يدخل في الإعلام، التعليم، الأناشيد، صور الشهداء، الجنازات، الخطب، المهرجانات، الرواتب، الجمعيات، والمؤسسات الاجتماعية. وبذلك يتحول إلى سلطة كاملة تحدد للناس معنى الشرف، الخيانة، البطولة، الجبن، النصر، والهزيمة.
ومن أخطر ما يفعله هذا الخطاب أنه يجعل نقد القيادة صعباً. فمن يسأل عن جدوى الحرب قد يُتهم بالخيانة. ومن يسأل عن المدنيين قد يُتهم بإضعاف المقاومة. ومن يسأل عن الخراب قد يُقال له إن هذه تضحيات لا بد منها. وهكذا يتحول الدين من طاقة روحية إلى آلية سياسية لإسكات السؤال.
رابعاً: حزب الله وكربلاء بوصفها آلة تعبئة
حزب الله يستند إلى بنية رمزية عميقة في الوعي الشيعي: كربلاء، الحسين، زينب، المظلومية، الشهادة، التكليف، والولاء. هذه الرموز، في أصلها الديني، تحمل معاني التضحية والعدل ومواجهة الظلم. لكن المشكلة تبدأ حين يحولها الحزب إلى أداة سياسية لتبرير السلاح والحرب الدائمة.
في خطاب حزب الله، لا تكون المعركة مجرد قرار عسكري أو سياسي، بل تصبح امتداداً لكربلاء. العدو يتحول إلى يزيد جديد، والمقاتل يتحول إلى حسيني جديد، والقتال يتحول إلى وفاء للحسين. ومن هنا تأتي قوة شعار:
“لبيك يا حسين.”
وقد قال حسن نصر الله في إحدى خطاباته:
“اليوم، من موقع الجهاد وميادين الجهاد، نجدد عهدنا يا أبا عبد الله… لن نتخلى عنه مهما كانت التضحيات… لبيك يا حسين.”
كما نُقلت عنه العبارة:
“لبيك يا حسين يعني أن تبقى في المعركة ولو تركك الناس، ولو خذلك الناس، ولو كنت وحدك.”
هذه العبارات تكشف جوهر التعبئة الدينية: البقاء في المعركة يصبح فضيلة مطلقة. والتضحية لا تعود شيئاً يجب تقليله، بل تصبح دليلاً على الصدق. ومن هنا يمكن للحزب أن يقنع جمهوره بأن الدمار ليس فشلاً، وأن الخسائر ليست كارثة، وأن بقاء السلاح والتنظيم هو النصر الحقيقي.
خامساً: حماس والجهاد بوصفه أفقاً للموت المقدس
حماس، من جهتها، بنت خطابها على مركزية الجهاد والشهادة. ففي ميثاقها التأسيسي لعام 1988، ورد شعار الحركة:
“الله غايتها، والرسول قدوتها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.”
كما ورد في الميثاق نفسه:
“لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد.”
وفي وثيقة عام 2017، رغم الصياغة السياسية الأكثر مرونة، بقيت المقاومة والجهاد في مركز الخطاب:
“المقاومة والجهاد من أجل تحرير فلسطين سيبقيان حقاً مشروعاً وواجباً وشرفاً لكل أبناء وبنات شعبنا وأمتنا.”
ومن تصريحات قادة حماس، قال إسماعيل هنية بعد مقتل عدد من أبنائه وأحفاده:
“أشكر الله على هذا الشرف الذي أكرمنا به باستشهاد أبنائي الـ3 وبعض الأحفاد… بهذه الآلام والدماء نصنع الآمال والمستقبل والحرية لشعبنا ولقضيتنا ولأمتنا.”
وقال خالد مشعل:
“الركض خلف سراب المفاوضات مع إسرائيل موت، والتضحية والجهاد من أجل فلسطين حياة.”
هذه الجمل تكشف كيف يتحول الموت إلى معنى إيجابي. فالموت ليس خسارة بل شرف. والدم ليس كارثة بل طريق لصناعة المستقبل. والجهاد ليس خياراً سياسياً بين خيارات أخرى، بل هو الحياة نفسها.
هنا يصبح المخدر الديني أكثر وضوحاً: الشاب الذي يعيش في الحصار والفقر والبطالة لا يُقدَّم له مشروع حياة، بل مشروع موت مقدس. لا يُقال له كيف يبني مستقبله، بل كيف يموت بطلاً. لا تُعالج ظروفه الاجتماعية، بل تُستثمر هذه الظروف لتحويله إلى مقاتل.
سادساً: موت الأبناء بوصفه برهاناً على عقيدة الشهادة
من أقوى الأدلة على عمق نظرية الشهادة في خطاب حزب الله وحماس أن الموت لا يُقدَّم فقط حين يصيب أبناء الفقراء والمهمشين، بل يُستعمل أيضاً حين يصيب أبناء القادة أنفسهم. ففي هذه اللحظة يتحول الفقد الشخصي إلى رأسمال رمزي ضخم، لأن القائد يقول لجمهوره عملياً: أنا لا أطلب منكم ما لم أقبله على نفسي وأبنائي. وهنا يصبح موت الابن دليلاً على صدق العقيدة، لا مناسبة لمراجعة معنى الحرب أو كلفتها.
في حالة حزب الله، قُتل هادي نصرالله، الابن الأكبر لحسن نصرالله، عام 1997 أثناء القتال ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وقد تحوّلت وفاته داخل خطاب الحزب إلى نموذج مثالي للشهادة: ابن القائد نفسه يموت في الميدان، فيُستعمل موته لتأكيد أن القيادة ليست خارج دائرة التضحية، وأن طريق الحزب ليس خطاباً موجهاً للفقراء وحدهم، بل عقيدة تشمل أبناء القادة أيضاً. وهكذا لا يُقدَّم موت الابن بوصفه مأساة عائلية فقط، بل بوصفه برهاناً سياسياً ودينياً على شرعية طريق المقاومة.
وفي حالة حماس، تكرر المعنى نفسه بصورة أوضح مع إسماعيل هنية، عندما قُتل عدد من أبنائه وأحفاده في غزة عام 2024. فقد قال هنية بعد مقتلهم:
“أشكر الله على هذا الشرف الذي أكرمنا به باستشهاد أبنائي الـ3 وبعض الأحفاد… بهذه الآلام والدماء نصنع الآمال والمستقبل والحرية لشعبنا ولقضيتنا ولأمتنا.”
هذه العبارة تكثف منطق الشهادة كله: الموت يصبح شرفاً، والدم يتحول إلى مادة لصناعة الأمل، والفقد العائلي يُرفع من مستوى الحزن الشخصي إلى مستوى القداسة السياسية.
هنا تظهر آلية التخدير الديني في أقصى صورها. فالموت، حتى حين يدخل بيت القائد، لا يؤدي إلى سؤال: لماذا يموت الأبناء؟ ولماذا تستمر الحرب؟ وما حدود التضحية؟ بل يتحول إلى جواب جاهز: هذه شهادة، وهذا شرف، وهذه ضريبة الطريق. وبذلك يُعاد إنتاج العقيدة نفسها بقوة أكبر، لأن موت أبناء القادة يمنح الخطاب قدرة إضافية على إقناع الجمهور بأن التضحية واجب عام لا يستثني أحداً.
لكن الخطر الأخلاقي في هذا الخطاب أنه يجعل موت الأبناء حجة لاستمرار موت أبناء الآخرين. فبدل أن يكون فقدان الابن مناسبة لاكتشاف قيمة الحياة، يصبح دليلاً على ضرورة مواصلة طريق الموت. وهنا تتحول الشهادة من معنى ديني فردي إلى أداة سياسية جماعية: القائد يقدّم موت ابنه كبرهان، والجمهور يُطلب منه أن يرى في موت أبنائه هو أيضاً شرفاً لا كارثة، وارتقاءً لا خسارة، ومشاركة في النصر لا نتيجة لفشل السياسة.
بهذا المعنى، فإن هادي نصرالله وأبناء وأحفاد إسماعيل هنية يمثلون نموذجين مركزيين في صناعة الموت المقدس. فموتهم لا يبقى داخل دائرة العائلة، بل يدخل في آلة التعبئة، ويتحول إلى نص سياسي وديني يقول للجماعة: إذا كان ابن القائد قد مات شهيداً، فموت أبنائكم ليس عبثاً. وهكذا تكتمل وظيفة المخدر الديني: لا يكتفي بتسكين ألم المجتمع، بل يحول أكثر الآلام إنسانية، أي موت الأبناء، إلى وقود جديد لاستمرار الحرب.
سابعاً: الجنة والحور العين وصناعة الرغبة في الموت
من أخطر عناصر الخطاب الجهادي أنه لا يكتفي بتبرير الموت بعد وقوعه، بل يجعله مرغوباً قبل وقوعه. فالموت في سبيل الله يُقدَّم بوصفه انتقالاً إلى الجنة، والحور العين، والنعيم، والخلود، والمقام الأعلى. بهذا المعنى، يصبح الموت صفقة رمزية: الشاب يترك حياة فقيرة، محاصرة، ومهزومة، مقابل وعد بحياة أبدية كاملة.
هنا يعمل المخدر الديني على مستويين:
الأول، أنه يخدر الألم الدنيوي.
الثاني، أنه يحوّل الموت إلى رغبة.
فالإنسان الطبيعي يخاف الموت، لكن التنظيم العقائدي يعيد تشكيل وعيه حتى يرى الموت بوصفه ربحاً لا خسارة. وهذا لا يحدث فقط بالكلام الديني، بل عبر بيئة كاملة: أناشيد، صور شهداء، خطب، جنازات ضخمة، تمجيد العائلات، مساعدات مالية، واعتراف اجتماعي. وبذلك يُصنع المقاتل لا من خلال السلاح وحده، بل من خلال هندسة وجدانية كاملة تجعل الموت جميلاً.
ثامناً: الفقر والتهميش بوصفهما مادة خام للتجنيد
لا يستطيع الخطاب الديني وحده أن يصنع جيشاً مقاتلاً. إنه يحتاج إلى بيئة اجتماعية قابلة للاشتعال. وهذه البيئة تتكون عادة من الفقر، البطالة، غياب الدولة، الإهانة الجماعية، الاحتلال، الطائفية، الشعور بالظلم، وانسداد المستقبل.
الشاب الذي يمتلك تعليماً جيداً، عملاً مستقراً، دولة تحميه، ومستقبلاً مفتوحاً، أقل قابلية لأن يُقنع بأن موته أفضل من حياته. أما الشاب الذي يعيش في هامش اجتماعي، ويشعر أنه بلا قيمة، فإن التنظيم المسلح يمنحه فجأة قيمة كبرى: أنت مجاهد، أنت مقاوم، أنت مشروع شهيد، أنت جزء من معركة مقدسة.
هنا يظهر الاستغلال بوضوح. فالتنظيم لا يحل مشكلة التهميش، بل يستثمرها. لا يحرر الشاب من الفقر، بل يمنحه معنى دينياً لفقره. لا يفتح أمامه أبواب الحياة، بل يفتح أمامه باب الموت المقدس. ولهذا يمكن القول إن الفئات المهمشة تتحول إلى خزانات بشرية للتنظيمات المسلحة، لأن هذه التنظيمات تعرف كيف تدمج الحرمان الاجتماعي بالوعد الديني.
تاسعاً: إيران وتمويل تحويل الهامش إلى جيش
إيران، عبر الحرس الثوري وفيلق القدس، أدركت أن المجتمعات الممزقة بالفقر والطائفية والحروب يمكن تحويلها إلى جيوش مقاتلة إذا توفرت ثلاثة عناصر: المال، العقيدة، والتنظيم.
لذلك لم يكن دعم إيران لحزب الله وحماس مجرد دعم عسكري، بل كان استثماراً طويل الأمد في بناء بيئة اجتماعية وأيديولوجية. فالمال لا يذهب إلى السلاح فقط، بل إلى الرواتب، عائلات القتلى، الإعلام، الجمعيات، المدارس، المستشفيات، المؤسسات الدينية، التدريب، والدعاية.
بهذا المعنى، لم تشترِ إيران صواريخ فقط، بل اشترت بنية اجتماعية كاملة. صنعت شبكات ولاء، وربطت فئات فقيرة ومهمشة بمشروعها الإقليمي، وقدمت لها التنظيم المسلح بوصفه بديلاً عن الدولة. فحين تغيب الدولة، يأتي الحزب ليكون الدولة. وحين يغيب العمل، يأتي الحزب ليكون رب العمل. وحين يغيب المستقبل، يأتي الحزب ليقدم الجنة.
وهذه هي المعادلة الأخطر:
الفقر ينتج الحاجة.
الدين يمنح المعنى.
المال يبني التنظيم.
السلاح يحول الجماعة إلى جيش.
عاشراً: من الدين إلى المخدر القتالي
المخدر الديني في هذه الحالة ليس مجرد وعظ أو خطاب مسجدي، بل منظومة كاملة تعمل على إعادة تشكيل وعي الإنسان. فهي تقول له:
إن موتك شهادة.
إن فقرك ابتلاء.
إن طاعتك وفاء.
إن قائدك رمز.
إن سلاحك كرامة.
إن خراب بيتك تضحية.
إن دمار مدينتك نصر.
إن السؤال خيانة.
إن الشك ضعف إيمان.
إن الحياة بلا قتال ذل.
وإن الموت في المعركة حياة أبدية.
بهذا الشكل يتحول الدين إلى أداة سياسية هائلة. فهو لا يطلب من الإنسان أن يقاتل فقط، بل يعيد تعريف معنى الحياة والموت. الحياة العادية تصبح تافهة، والموت المسلح يصبح مجيداً. ومن هنا تنشأ البسالة القتالية: ليست دائماً نابعة من وعي سياسي حر، بل من وعي مُعاد تشكيله عبر المقدس، الفقر، الجماعة، والمال.
الحادي عشر: حزب الله وحماس بوصفهما نموذجين لصناعة الموت المقدس
رغم الاختلاف المذهبي بين حزب الله وحماس، فإن البنية واحدة تقريباً.
حزب الله يقول للشاب الشيعي المهمش: أنت امتداد للحسين، ومعركتك كربلاء جديدة، وسلاحك كرامتك، وموتك شهادة.
وحماس تقول للشاب الفلسطيني المحاصر: أنت مجاهد، وفلسطين أمانة دينية، والموت في سبيل الله أسمى الأماني، ودمك يصنع الحرية.
في الحالتين، لا يُقدَّم للشاب مشروع حياة، بل مشروع موت مغطى بالمقدس. ولا يُقال له إن من حقه أن يسأل عن مستقبله، بل يُقال له إن مستقبله الحقيقي في الشهادة. ولا يُطلب منه أن يحاسب القيادة، بل أن يطيعها لأنها تتكلم باسم المقاومة والجهاد والحسين والأقصى.
الثاني عشر: قلب الهزيمة إلى نصر
من نتائج المخدر الديني أنه يسمح للتنظيمات المسلحة بقلب المعايير. في السياسة الطبيعية، تُقاس القيادة بقدرتها على حماية شعبها، مدنها، اقتصادها، ومستقبل أطفالها. أما في الخطاب الديني المسلح، فالمعيار يتغير: يكفي أن يبقى التنظيم حتى يُعلن النصر.
تُدمَّر البيوت، ثم يقال: صمدنا.
يموت الشباب، ثم يقال: ارتقوا شهداء.
تنهار المدن، ثم يقال: انتصرت الإرادة.
تضيع الحياة اليومية، ثم يقال: هذه ضريبة الكرامة.
يبقى الحزب، فيقال: انتصرت المقاومة.
هنا يبلغ التخدير ذروته. فالإنسان لا يعود يرى الخراب كما هو، بل يراه من خلال لغة مقدسة تعيد تسميته. الكارثة تصبح تضحية. والهزيمة تصبح صموداً. والموت يصبح حياة. وبذلك تنجح القيادة في النجاة من المحاسبة، لأن الجمهور نفسه يصبح مدرباً على تبرير خسائره.
الثالث عشر: الصياغة الفلسفية النهائية
يمكن تلخيص المسألة فلسفياً على النحو الآتي:
فيورباخ يساعدنا على فهم كيف تُصنع القداسة من ألم الإنسان. فالجماعة المقهورة تسقط خوفها ورغباتها وجراحها على رمز مقدس، ثم تخضع لهذا الرمز وكأنه حقيقة فوق النقد.
ماركس يساعدنا على فهم كيف يتحول هذا الرمز إلى أفيون. فالدين يعبر عن بؤس حقيقي، لكنه قد يمنع الناس من مواجهة أسباب هذا البؤس حين يحوله إلى ابتلاء وشهادة وقدر.
لينين يساعدنا على فهم البعد التنظيمي. فحين يمتلك الحزب المال، السلاح، الإعلام، والمؤسسات، يصبح الدين جهاز تعبئة وانضباط، لا مجرد إيمان فردي.
وحزب الله وحماس يقدمان نموذجاً معاصراً لهذا التحول: الدين لا يبقى عزاءً روحياً، بل يصبح آلة سياسية لتصنيع المقاتل، وتقديس الموت، وتبرير دمار الحياة.
خاتمة
الخلاصة أن المخدر الديني هو أحد أقوى دوافع الموت والبسالة في خطاب حزب الله وحماس، لكنه لا يعمل منفرداً. إنه يتغذى من الفقر، الاحتلال، التهميش، الطائفية، البطالة، غياب الدولة، والتمويل الخارجي. لذلك استطاعت هذه التنظيمات أن تحول فئات مسحوقة إلى جيوش مقاتلة، لا لأنها قدمت لها حياة أفضل، بل لأنها جعلت الموت يبدو أفضل من الحياة.
لقد ضخت إيران المال والسلاح والخبرة في بيئات اجتماعية مأزومة، فوجدت في الدين وسيلة مثالية لتحويل الحرمان إلى طاقة قتالية. الشاب المهمش الذي لا يملك مستقبلاً يُمنح بندقية، راتباً، هوية، قائداً، وعدواً، ووعداً بالجنة. ومن هذه العناصر تتكون المعادلة النهائية:
شاب محروم اجتماعياً،
معبأ دينياً،
ممول تنظيمياً،
مسلح عسكرياً،
ومقتنع بأن موته ربح لا خسارة.
وهنا تكمن المأساة الكبرى: حين يصبح الدين مخدراً قتالياً، لا يعود الإنسان يدافع عن الحياة، بل يُدفع إلى الموت وهو يظن أنه يحقق أسمى أشكال الحياة.
References
Ludwig Feuerbach, The Essence of Christianity, 1841.
Ludwig Feuerbach, Lectures on the Essence of Religion, 1851.
Karl Marx, A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right: Introduction, 1843/1844.
Karl Marx, Theses on Feuerbach, 1845.
Karl Marx and Friedrich Engels, The German Ideology, 1845–1846.
V. I. Lenin, Socialism and Religion, 1905.
V. I. Lenin, The Attitude of the Workers’ Party to Religion, 1909.
Hamas, The Covenant of the Islamic Resistance Movement, 1988.
Hamas, A Document of General Principles and Policies, 2017.
Hezbollah, Open Letter / The Hezbollah Program, 1985.
Hezbollah, Political Document, 2009.
Los Angeles Times / Associated Press, Hezbollah Chief’s Son Killed in Fighting, 1997.
The Washington Post, Hezbollah Chief Calls Son’s Death a Victory Over Israel, 1997.
The Guardian, Hamas leader repeats Gaza ceasefire call after sons and grandchildren killed, 2024.
Times of Israel, Israel kills 3 sons of Hamas chief Haniyeh in Gaza strike, 2024.
Al Jazeera, هنية بعد مقتل أبنائه وأحفاده، 2024.



